الذي كان .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991
إن المأساة هي أننا نتعفف عن منازعة من نهلنا معهم رحيق السعادة ذات يوم فلا يتورعون
أحيانا عن مكافآتنا على ذلك بالغدر والخديعة.
عبد الوهاب مطاوع
بعد قصة حب كبيرة صمدت خلالها مع فتاتي لأهوال ومعارضة ضارية من جانب أسرتها, تزوجنا منذ سبع سنوات وانتصر الحب على تقاليد وأعراف ومشاكل وعقبات تنوء بحملها الجبال وأقمنا عشنا السعيد في إحدى الدول العربية غير الخليجية كوسيلة للفرار من هذه الصعوبات, ونعمنا معاً بالحب والسعادة وأنجبنا طفلاً عمره الآن خمس سنوات وطفلة تخطت العامين من عمرها, وكان بيتنا الصغير في الغربة واحة جميلة للحب والحنان والتفاهم .. وبعد ولادة طفلتي بأسابيع فوجئت بزوجتي تطالبني بغير أي مقدمات بالطلاق !
فذهلت ولم يغب عني أنها تعرضت لأهوال عديدة من ضغوط الأهل والتقاليد الموروثة بعد أن قطع زواجها مني كل ما بينها وبين أسرتها وأهلها ودنياها السابقة .
وقدرت أنها قد ناءت بكل ذلك وقررت الاستسلام للواقع الجبار فلم أغضب منها رغم هلعي من الفكرة ورأيت أن أعطيها مهلة كافية لمراجعة نفسها لعلها تستطيع أن تجتاز هذه المحنة الجديدة كما اجتازت المحن السابقة , فاستجبت لرغبتها وتركت لها مسكن الزوجية وانتقلت إلى سكن عازب مشترك, وتدخل الأصدقاء لإثنائها عن هدم بيت صغير كان جنة للحب ففشلت كل محاولاتهم, وكان مطلبها الدائم هو الطلاق لأنها اقتنعت بأنها لا تستطيع أن تنسلخ نهائياً عن جذورها وأهلها الذين قاطعوها جميعاً بعد الزواج وتكريماً للحب الكبير الذي جمع بيننا, رأيت أن نظل أصدقاء وعلى اتصال وثيق رغم استجابتي لرغبتها في ترك المسكن لان ذلك الانفصال لم يتم لسبب شخصي يتعلق بي وإنما لأقدار لا حيلة لها ولا لي فيها فاتفقنا على أن تسمح لي برؤية الطفلين ثلاث مرات في الأسبوع .. وعلى توزيع الأثاث بيننا بل وعلى كيفية إحضاري غسيلي إليها, وكان كل شيء بسيطاً وسهلاً بيننا وكنت أريد أن امنحها راحة البال وسكينة النفس التي تنشدها في الاختلاء بنفسها لأني أحبها .
ومضى عام طويل ونحن منفصلان ونرعى طفلينا معاً والأمل يراودني أن يتغلب الحب من جديد على العقبات ونعود لمواصلة حياتنا السعيدة لكنها أصرت على الطلاق فطلقتها وقلبي ينزف دماً, وأملت أن تستمر العلاقة الإنسانية الطيبة بين اثنين جمع بينهما ذات يوم الحب وفرقتهما أقدار لم يستطيعا مواجهتها, ورعاية لحق الطفلين اللذين جئنا بهما إلى الدنيا ولا ذنب لهما في اختلاف عالمي أبويهما لكن زوجتي السابقة فاجأتني بعد الطلاق بان طلبت مني ألا أرى الطفلين إلا مرة واحدة كل أسبوع بدلا من ثلاث مرات, وقبلت ذلك رغم ألمي, ثم لمرة واحدة فقط في الشهر وأذعنت صاغراً وكارهاً أن أنازع من أحببتها سنوات طويلة وتزوجتها رغم كل الأهوال التي لاقيناها .
ثم فجأة يا سيدي اختفت زوجتي السابقة نهائياً من البلد الذي نعيش فيه واصطحبت الطفلين معها وعادت إلى مصر وتم ذلك بتدبير غادر وفي سرية تامة رغم كل ما أبديت نحوها من استعداد دائم للتفاهم وكراهية منازعتها في شيء وأحسست بلسعة الخنجر المسموم الذي تتحدث عنه رسائل بريد الجمعة وفقدت صوابي وأماني وأنا من لم يفق بعد من طعنة انهيار الحب الذي حول من قبل مجرى حياتي, وطفت بيوت الأصدقاء اسأل عمن يعرف عن مصير ابني وابنتي شيئاً ومضت الشهور بغير بارقة أمل في العثور عليهما وكان كل ما عرفته هو أنهما في مصر مع زوجتي السابقة . ...
ولكن لا احد يعرف مستقرهما وفشلت محاولات الأهل والأصدقاء في الاهتداء إليهما .
إنني يا سيدي رجل في الخامسة والأربعين من عمري وجامعي وإنسان بسيط حاول طوال عمره أن يكون عادلاً مع الآخرين ولم تغيرني المأساة بعد رغم نزيف قلبي من الغدر وحرماني من طفلي الصغيرين, ولست اطلب سوى أن تعاملني زوجتي السابقة بروح العدل والإنصاف التي عاملتها وعاملت الجميع بها .. ولا أريد إلا أن أعرف مكان طفليَّ , وأقسم لك بربي وشرفي أني لن أسلب أمهما حقها الطبيعي فيهما وإنما سأعطيها ما فوق حقها في ذلك لأني رغم الغدر الذي تعتصرني مرارته مازلت أقدر لها كل التضحيات التي تحملتها من أجلي , وكل الأشياء الكبيرة والصغيرة التي صنعتها لي وكل لحظة سعادة عشتها معها .. وكانت هي صانعتها فضلاً عن أن الإيذاء والإيلام وحرمان الآخرين من حقوقهم ليس من طبعي حتى وإن آذاني وآلمني وحرمني الآخرون .
ورغم أني قد حرمت من رؤية ابني وابنتي منذ ابريل عام تسعين إلا إني وأقسم لك على ذلك ما زلت لا احمل لها ضغينة وربما التمست لها بيني وبين نفسي الأعذار الوهمية فيما فعلت وأكذب الناس والحقائق والدلائل فيها وأتذكر لها أنها صمدت للغربة والبعد عن الوطن والأهل والأصدقاء ولأقسى الاختبارات وتحملت الصعوبات الاقتصادية والجغرافية واختلاف الناس والطباع وصعوبات البداية وبناء عش الأحلام وأقول لنفسي أحياناً إنها إن كانت قد اختارت الانفصال والعودة بالطفلين فلا بد أن لها أسباباً وجيهة لا أعرفها الآن فرأت فيما فعلَتْ الحل الأفضل لها ولربما غفرت لها ما فعلت بي ذات يوم ..لكني سواء غفرت أو استعصى علي النسيان لفترات فإني أبداً لا اكره ...ولا أستطيع أن اكره وكل ما أريده فقط هو أن أهتدي إلى ابني وابنتي وأن أراهما وأن اطمئن عليهما ..وأن أطمئن زوجتي إلى أنها لم تكن في حاجة إلى هذا الهروب الغادر بالطفلين ..لأني لم أنازعها في شيء رغم كل ما حدث فهل يعينني قراؤك على الاهتداء إلى طفليّ اللذين حرمت منهما الفترة الماضية ولم يعد لي أمل في الحياة إلا الاهتداء إليهما .. وهل تنشر اسميهما وهما " مهند .. ومنى " لعل ذلك يساعد في عودة طفلين إلى حضن أبيهما الذين يحبهما ويحبانه ؟
ولكاتب هذه الرسالة أقول :
لا شك أني اقدر آلامك ومعاناتك وحرمانك من طفليك بعد أن شهدت هزيمة الحب الذي واجهتما الأهوال من قبل فداء له .
كما إني بكل تأكيد أقدر لك تعففك عن منازعة زوجتك السابقة رعاية لحق الأيام السعيدة الماضية وحق طفلين صغيرين لا ذنب لهما في اختيار أبويهما اللذين نطحا الصخر بزواجهما في وجه عقبات كالجبال .
لكن المأساة يا صديقي هي أن نتعفف عن منازعة من نهلنا معهم رحيق السعادة ذات يوم فلا يتورعون أحياناً عن مكافآتنا على ذلك بالغدر والخديعة .. إذ لاشك أن زوجتك السابقة كانت تخطط للفرار بطفليها منذ فترة طويلة .. ولا تثق في أنك لن تحرمها من حقها المشروع فيهما , مع إني أتصور أنك وقد كنت دائماً مسالماً بل ومستسلماً إلى حد كبير معها , لم تكن لترضى بذلك ولا تسمح به في حدود الشرع والقانون .. فماذا أخافها إذن .. ولماذا لم تتفاهم معك على العودة ومستقبل الطفلين وأنت دائماً على استعداد للتفاهم معها على كل شيء وعلى التنازل أيضاً عن الكثير لها ؟
وأياً كان السبب في تصرفها الغادر فلا شك أنك لم تكن لتستحق منها هذا الخنجر المسموم في كل الأحوال .. كما لا يستحقه أيضاً طفلاها لأن تعمدها حرمانك منهما لا يؤذيك وحدك وإنما يؤذي طفليها أيضاً وقبل أي إنسان آخر ويسلبهما حقهما المشروع في أبيهما .
والأمومة الحقة هي تلك التي تضحي معها الأم بأنانيتها ورغبتها في الانفراد وتملك أطفالها من أبيهم مهما اختلفت السبل بينهما , وهي حين تفعل ذلك إنما تسلبهم حقهم المشروع في رمز الأب الذي يعني الكثير للأطفال تماماً كما يعني رمز الأم الكثير أيضاً بالنسبة لهم .
ورغم تعاطفي معك .. فمازلت لا أعرف على وجه التحديد كيف يستطيع قراء بريد الجمعة أن يساعدوك في الاهتداء إلى طفليك .. كما أني لا أفهم تماماً كيف يمكن أن تتبخر سيدة وطفلاها في الهواء فلا يعثر لهم احد على أثر ولا على أي خيط يقود إليهم وزوجتك السابقة لها أهل وأقارب ومعارف وصديقات يمكن استقصاء مصيرها منهم حتى ولو لم يرحبوا بذلك ..لأنك تستطيع إن عجزت عن التفاهم أن تستعين بالجهات المختصة في الاهتداء لطفليك .
ولست أتصور أن يستطيع أحد أن ينوب عنك في هذه المهمة لأنك الأب الذي يستطيع وحده أن يطلب حقه القانوني في طفليه ..لهذا فلابد أن تعود لبلدك في أجازة للبحث عن طفليك , وأن تبدأ بالاستعانة بعقلاء الأسرة وبالمنصفين فيها على نيل حقك , ثم بالقانون إن عجزت المساعي الحميدة تحقيق الهدف .
ولأني ممن يعولون كثيراً على الضمير الإنساني وأهميته كضابط أساسي من ضوابط الحياة ومنع تحولها إلى غابة للوحوش الكاسرة , فإني مازلت أعول على ضمير بعض هؤلاء العقلاء ...بل وأعول أكثر على ضمير زوجتك السابقة نفسها رغم الخديعة والغدر إذا اقتنعت بأنك لن تحرمها من حقها في طفليها .
وآمل أن تسهم هذه الرسالة في طمأنتها إلى ذلك ..وأنتظر منها موقفاً أكثر عدلاً ..وأكثر رعاية لحق الأيام الجميلة الماضية إن لم يكن لكل الدوافع الإنسانية المشروعة السابقة فعلى الأقل لكيلا تفقد تضحياتها السابقة كل معنى لها إذا هي أصرت على أن تحرم من قدمتها له طائعة من طفليه وهما ..ثمرة الحب الذي كان ...ومن العار أن يكون وجهه الآخر الوحيد هو التنازل كالغرباء أمام المحاكم واستلاب الحقوق ...والإيلام بلا عدل ..ولا رحمة !
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر