المحاولة الثانية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995
ترقب البلاء قد يكون في بعض الأحيان أقسى على النفس من حلوله ومواجهته بما يتطلبه الموقف من إجراءات, فالنفس إنما تتحسب للمجهول وتخشاه بأكثر مما قد تخشى مواجهة الأمر الواقع والتصرف إزاءه بما تمليه ضرورات الموقف.
عبد الوهاب مطاوع
أنا مهندس قاهري شاب فى الثلاثين من عمري نشأت بين أبوين طيبين وأخت وحيدة فمضت بنا رحلة الأيام حتى تخرجت أنا وأختي فى نفس الكلية العملية بتفوق فلم يسعد أبوانا طويلا للأسف بثمرة كفاحهما الشريف فى الحياة ورحل أبى عن الدنيا عقب تخرج شقيقتي بشهور وتبعته أمي بعد عامين آخرين ووجدت نفسي أنا وشقيقتي وحيدين تماما فى الحياة فازددنا ترابطا وتعاطفا وتعاهدنا ألا تفرق بيننا الأيام, وبعد شهور من رحيل أمي تقدم لشقيقتي رجل فاضل فكادت ترفضه إشفاقا على من وحدتي بعد رحيل أبوي, لكنني نهضت لأداء واجبي تجاهها وتحريت عن سمعته وأسرته وأخلاقه وجاءت التحريات كلها لصالحه.. فرجعت إلى أختي وحثثتها بقوة على قبوله.. وأكدت لها أنني لن اسعد بحياتي إلا بعد أن اطمئن على استقرارها فى بيت زوج يحبها ويرعاها ويحميها, فسألتنى بإشفاق: وأنت؟ فأجبتها بأنني رجل وأستطيع مواجهة الحياة وسوف يضع الله فى طريقي من تقر بها عيني وتعوضني عن وحدتي, حين يشاء الله, فتزوجت شقيقتي وسعدت بزواجها سعادة كبرى, وتعانقنا ليلة الزفاف باكيين ومسترحمين لأبوينا اللذين علمانا بتضحياتهما وربيانا على الحب الأخوي الصادق والحنان وانتقلت أختي إلى بيت زوجها, وشعرت بأن الدنيا كلها قد خلت على بعد زواجها.. وانفردت بنفسي فى سكن العائلة وأصبح بيتها هو واحتي التى اشعر فيها بالحب وبأنفاس العزيزين الراحلين.. وكلما زرتها سألتني عن زواجي وعاتبتني بشدة على استمراري فى وحدتي.
وذات يوم فاتحني مهندس زميل لى فى العمل فى أمر ارتباطي بابنة عمه التى تصغرني بأربع سنوات فقط وقال لى إنها رأتني فى حفل عيد ميلاد طفلته فى بيته وأنني لفت انتباهها بشدة فحدثت زوجته وسألتها عنى, وأرضاني ذلك كرجل لكنى أشفقت من قلة إمكانياتي المادية وعجزي عن تكاليف الزواج وصارحته بذلك فأكد لى أن أسرة عمه لا تحفل بالماديات وأنها تريد لابنتها زوجا أمينا وعلى خلق ودين مثلى, وتشجعت بما سمعت ولبيت دعوته لزيارة أسرة هذه الفتاة وأحسست حين رأيتها وجلست إليها بارتياح شديد لها مع أنها ليست باهرة الجمال, ولقيت منها اهتماما تلقائيا شديدا لا يتجمل ولا يتحفظ فأسعدني ذلك واستشرت شقيقتي فى أمرها واصطحبتها لزيارتها فأحبتها أختي من الوهلة الأولى وشجعتني على الارتباط بها بحماس شديد وتعمقت علاقتي سريعا بفتاتي خلال فترة الخطبة القصيرة.. ولاحظت سعادة خطيبتي بل وفرحتها الواضحة بى, ولقيت من أبيها وأمها وأختيها كل حفاوة وتقدير وذللت الأسرة كل الصعاب المادية أمامي وكلما تعثرت فى شئ أو ترددت أمامه بسبب قلة إمكانياتي, تطوع والد فتاتي بأن يتحمله عنى بأريحية وهو يقول لى انه لا يهمه إلا سعادة بناته الثلاث خاصة كبراهن الطيبة الحنون.. أى فتاتي.
وفى ليلة الزفاف أبكتني شقيقتي الحبيبة بفرحتها الطاغية وبقيامها بدور الأم والأب لى فى حفل الزفاف, وبإصرارها على أن تحمل ذيل فستان عروستي فى الزفة ورعايتها لها ولى فى الكوشة وبزغاريدها السعيدة التى كانت تستدر دموعي رغما عنى ثم صاحبتني حتى باب مسكني وقبلتني وقبلت عروسي وهى توصيها خيرا بى لأنني كما قالت طيب وغلبان ومقطوع من شجرة.. وانصرفت أختي راضية وسعيدة وبدأت حياتي الزوجية مع شريكة حياتي, وسرعان ما اكتشفت فيها أشياء كثيرة جميلة, فهى رقيقة الإحساس وطيبة ومتدينة وعطوف, ولا تخفى حبها لى أمام الجميع وصارحتني بطفولية أحببتها فيها وقدرتها لها أنها تمنتنى لنفسها منذ رأتنى فى بيت ابن عمها وأنها حثت زوجته على ان تفاتح زوجها فى أمري, وأسعدني كل ذلك وبادلت زوجتي حبا بحب وإخلاصا بإخلاص ولم تمض شهور قليلة حتى حملت وانجبت لى طفلا جميلا زاد من سعادتنا وابتهاجنا بالحياة, لكنى لاحظت فجأة أن زوجتي قد بدأت تشكو من قلة النوم وفقدان الشهية, وأنها تمضى الليل أحيانا بطوله عاجزة عن النوم.. ومسهدة وحائرة حتى لتعجز عن النهوض من الفراش فى اليوم التالي وتظل مستلقية فيه بلا نوم ولا قدرة على الحركة وسألتها عما بها, فلم تفدني بشئ سوى انها تجد نفسها عاجزة عن النوم..واستشرت طبيب الشركة التى اعمل بها فى شأنها فقال لى انه يرجح أنها تعانى مما تشكو منه بعض الزوجات الشابات اللاتي ينجبن لأول مرة, وهو اكتئاب ما بعد الولادة واتبعت نصيحته فى إعطائها مهدئا خفيفا.. مع الحرص على الترفية عنها.. وتجنب كل ما يؤلم مشاعرها الخ.. ثم رجعت إلى البيت ذات يوم فوجدتها مستلقية فى فراشها وعيناها مفتوحتان لكنها لا تنطق ولا تتحرك ولا تستجيب لمحاولاتي للحديث معها او تحريكها وهرولت لاستدعاء الطبيب الذى نجح فى إفاقتها وعرفت منه أنها أصيبت بهذه الحالة بسبب عدم النوم.
وجاءت والدتها لزيارتها على غير انتظار وعلمت بما حدث لها ففوجئت بها تضطرب اضطرابا شديدا وتطلب منى عرضها على طبيب بالذات.. وفى أسرع وقت وألححت عليها فى معرفة السبب فعلمت منها ان هذه الحالة قد وائتها من قبل, فاصطحبتها إلى عيادة الطبيب المقصود فإذا به طبيب نفسي معروف وإذا بزوجتي لها ملف قديم عنده ومرضها هو الاكتئاب النفسي, وصدمت صدمة هائلة حين علمت بذلك وتشاغلت عن صدمتي بمساعدة زوجتي على الشفاء فتحسنت حالتها بالعلاج الذى وصفه لها الطبيب, لكن لم يمض وقت طويل حتى لاحظت عليها الشرود الدائم وانعدام التركيز رغم حرصي على إحاطتها بالحب والرعاية والحنان وتعمدي إخفاء اثر صدمتي بمعرفة حقيقة مرضها ثم رجعت من العمل ذات يوم فوجدتها فى فراشها نائمة فأيقظتها لتناول الغذاء فلاحظت ضعفها الشديد وشحوبها وعجزها عن النهوض من الفراش ووجدت علبة الدواء التى تتناول منها قرصا واحدا كل يوم فارغة إلى جوارها فأدركت الكارثة.. وهرولت خارجا لاستدعاء الطبيب الذى جاء وأصر على نقلها إلى المستشفى فنقلناها وأجريت لها الإسعافات اللازمة وصارحني الطبيب بأن زوجتي قد حاولت الانتحار بسبب ما تعانيه من اكتئاب نفسي ونبهني إلى ان المحاولة ستتكرر مرة أخرى ولهذا فلابد من إبعاد كل الأدوية والأدوات الحادة عنها ومراقبتها بحرص طوال الوقت.
ومنذ ذلك الحين يا سيدى وأنا أعيش فى رعب قاتل ترقبا لهذه المحاولة الثانية التى لا اعرف متى ستجئ.. ولا من أي باب من أبواب الجحيم ستأتيني منه.
لقد ضممت زوجتي إلى صدري بعد رجوعنا من المستشفى.. وبكيت بين يديها وعاتبتها على ما أرادت أن تفعله بنفسها وبى وبطفلها الوحيد, فبكت طويلا وقالت لى أنها لا تستحقني ولا تستحق أن تحيا حتى تحت قدمي لأنها مريضة ولأنها اخفت عنى هى وأسرتها حقيقة مرضها حتى لا افر منها بعد أن أحبتني خلال فترة الخطبة وتعلقت بى حتى الجنون, فقلت لها إن ما حدث قد حدث ولا لوم عليه ولا عتاب بعد أن تزوجنا وأنجبنا وأصبح لنا طفل صغير يحتاج إلينا وأكدت لها أنني لا استطيع الحياة بدونها وأنني أريدها أن تقاوم الاكتئاب ونزعة الانتحار التى قد تهاجمها لكى ترعى طفلها الصغير وتسعدني بوجودها فى حياتي, فأقسمت لى أنها نادمة على ما فعلت وأنها لن تكرره أبدا وأنها لا تريد منى سوى أن أسامحها على كتمانها لمرضها عنى بسبب ما وصفته بأنه أنانيتها ورغبتها فى أن تتزوج منى, فأقسمت لها بأني لا احمل لها فى قلبي إلا الحب والخوف عليها.. ولا أريد من الحياة سواها.. فاستراحت لذلك, لكنى لم أعرف طعم الراحة بعد ذلك قط يا سيدى.. فهى تتناول دواء وصفه لها الطبيب باستمرار للوقاية من عودة المرض إليها والذى حدده بأنه "الاكتئاب الرجعى" وأنا أغادر البيت كل يوم ذاهبا إلى عملي والهواجس تلاحقني كل لحظة عما يمكن أن تفعل إذا عاودتها النوبة خلال غيابي وماذا سيكون مصيرها ومصير طفلي ومصيري إذا وقعت المحاولة الثانية التى يتوقعها الطبيب فى اى لحظة ولم ينجح احد فى إنقاذها فى الوقت المناسب, كما أنى لا أغادر البيت إلا إذا جاءت أختي "لمراقبة" زوجتي كل لحظة إلى أن ارجع للبيت أو جاءت أمها او إحدى شقيقاتها للقيام بنوبة المراقبة والحراسة إلى حين عودتي, فإذا رجعت للبيت لم أدعها تغيب عن ناظري لحظة واحدة وأتفنن فى إخفاء الآلات الحادة والأدوية عنها, وإذا طالت غيبتها فى الحمام بعض الشئ طرقت عليها الباب متوجسا إلى أن يجيئني صوتها وإذا نمت فى الظهيرة نهضت مفزوعا بعد لحظات متسائلا عنها ولا يغمض لى جفن فى الليل إلا إذا اطمأننت إلى استغراقها العميق فى النوم, فإذا جفاها النوم كما يحدث أحيانا ظللت ساهرا حتى يهزمها الإرهاق وتنام وقد انهض بعد ذلك مرتعبا اتحسسها لأتأكد من وجودها إلى جانبي, إنني أعيش فى جحيم دائم يا سيدى وقد عاهدت نفسى ألا أتخلى عن زوجتى ابدا لكنى اسأل هل سيستمر هذا العناء إلى ما لا نهاية.. وهل سأفاجأ بالمحاولة الثانية للانتحار على غير انتظار رغم كل ما ابذله من احتياطات وتحفظات؟
أولا يمكن ان تستشير طبيبا نفسيا كبيرا من أصدقائك فى أمر زوجتي ليطمئن بعض مخاوفي ويعطيني بريقا من أمل الشفاء.. والنجاة والأمان ذات يوم؟ إن شقيقتي تبكى على حالي وتقول لى إنها قد ازدادت هما بحالي وقلقا على بعد الزواج عما كانت عليه, قبل زواجي وأنا فى وحدتي, وهى تحب زوجتي وتشفق عليها وتوصيني بها خيرا, لكنها تأسى لحالي وتطالبني بالبحث عن علاج شاف لها لدى الأطباء.. فهل هناك اى أمل فى مثل هذا العلاج يا سيدى؟
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
ترقب البلاء قد يكون فى بعض الأحيان أقسى على النفس من حلوله ومواجهته بما يتطلبه الموقف من إجراءات, فالنفس إنما تتحسب للمجهول وتخشاه بأكثر مما قد تخشى مواجهة الأمر الواقع والتصرف إزاءه بما تمليه ضرورات الموقف.
فأرح ضميرك بأداء الواجب الإنساني فى حماية زوجتك من نفسها وإتباع نصيحة الأطباء فى اتخاذ كل احتياطيات الأمان بشأنها, لكن لا تعش كالوتر المشدود كل لحظة ترقبا لخطر قد يجئ وقد لا يجئ فتحكم على نفسك بمعاناة القلق النفسي والتعرض للأمراض العضوية الناشئة عنه, وتضاعف بذلك من الخسائر العائلية بدلا من أن تخفف منها, فالاكتئاب النفسي الرجعى له مؤشرات تسبق احتداد نوبته وتصاعدها إلى حد الإقدام على الانتحار, وأنت قد لمست فى المرة السابقة بعض هذه المؤشرات وتعرفت عليها وهى الشرود الدائم والكآبة وانعدام التركيز والعجز عن النوم, ومادامت زوجتك كانت تحيا حياتها الطبيعية وتتناول الأدوية الوقائية من الاكتئاب باستمرار ولا تظهر عليها أعراض من هذه المؤشرات, فلا خوف عليها من الانتحار ولا مبرر من التوتر الدائم وترقب المحاولة الثانية كل لحظة واستمتع بأوقات الصفاء مع زوجتك الطيبة التى لا تخفى حبها لك عن الجميع, وادخر فى قلبك وروحك زادا معنويا تستعين به على مواجهة أيام الشدة إذا حلت وسارع باستشارة الطبيب كلما بدت لك من المؤشرات ما يدعو إلى ذلك, وقد يكون دخول المصحة لفترة قصيرة فى بداية النوبة حلا مفضلا لتفادى أخطار الإقدام على الانتحار وربما استطيع مساعدتك فى ذلك عند الضرورة لا قدر الله, والرعاية العاطفية والطبية كفيلان بتفادي كل الأخطار بإذن الله, أما بريق الأمل فى الشفاء التام الذى تتساءل عنه فقائم وموجود إن شاء الله, فالاكتئاب الرجعى كما علمت من طبيب نفسي مشهور له أطوار كأطوار الإنسان من طفولة وشباب وشيخوخة وهو الآن فى مرحلة الشباب لدى زوجتك وقد تتسارع نوباته فى بعض المراحل لكنه سيصل خلال سنوات إلى مرحلة شيخوخة المرض, فيهمد وتتباطأ نوباته, ثم تضعف إلى أن تختفي نهائيا بإذن الله.
فاصمد لمحنتك يا صديقي وتخفف من حالة الطوارئ العصبية التى تعيشها كل لحظة الآن وانتقل إلى حالة من الاسترخاء الحذر التى لا تحرمك من الاستمتاع بحياتك العائلية وحبك لزوجتك وحبها لك إلى ان تلحظ أولى المؤشرات المنذرة فترجع إلى حالة الاستنفار من جديد, وتبادر بعرض زوجتك على الطبيب وتفرض عليها رقابة عائلية متصلة, ولكل إنسان فى النهاية من سعادته ما يرضيه.. ومن تعاسته أيضا ما يشقيه, فتقبل أقدارك وارض بها واستعن بحب زوجتك لك ورقتها معك وفخرها بك على مواجهة حياتك والتواؤم معها.. والأفضل أن تعرض زوجتك على الطبيب فى مواعيد دورية لتطمئن إلى استقرار الحالة وبعد شبح النوبة التالية عنها, وكلما استشعرت زوجتك حبك لها وتمسكك بها وخلوك من اى لوم داخلي لها ولأسرتها لإخفائها أمر مرضها عليك, ابتعد عنها شبح الاكتئاب وتباعدت مؤشراته, وازدادت هى تمسكا بالحياة ورغبة فيها.. فالإحساس بالذنب قد يقتل ذوى المشاعر الرقيقة ويتحالف مع المرض عليهم.. وأنت قد سامحت وتسامحت نبلا منك وكرما, فلا تدخر جهدا فى إشعارها بذلك لكى تستفيد من الأثر المعنوي الايجابي لتخفف عنها من الإحساس بالذنب تجاهك فى إبعاد شبح الاكتئاب عنها.. أعانها الله وأعانك عليه.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1995
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر