الضيف الكبير .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

الضيف الكبير .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992 

الضيف الكبير .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

 

أنهيت دراستي الجامعية منذ 24 عاما وتخرجت بعدي بعام إحدى قريباتي فتم التفاهم بيننا سريعا وتزوجنا. وكانت أحوالي المالية مستقرة ففضلت العمل الحر وأنشأت مشروعا تجاريا متوسطا سرعان ما نجح وأثبت وجوده وساعدتني زوجتي كثيرا في إنجاحه ماديا ومعنويا وازداد

التفاهم وربط الحب بيني وبينها بروابط متينة وتشابكت أحلامنا وأفراحنا وأشجاننا وأصبح كل منا لا يستشعر الراحة والأمان إلا في وجود الآخر.

وامتازت زوجتي دائما بلباقتها وجاذبيتها وجمالها وبتفوقها كربة بيت. وتم تعيينها وفقا للقوى العاملة بإحدى الإدارات الحكومية فأثبتت خلال وقت قصير كفاءتها وحسن تصرفها واكتسبت احترام العاملين معها.

ومضت ثلاث سنوات على زواجنا السعيد بغير أن ننجب أطفالا وبدأ القلق والتساؤل كالعادة وأثبتت التحاليل والفحوص أنه ليست هناك موانع تحول دون الإنجاب فسعدنا بذلك واستمتعنا بحياتنا وصحبتنا الطيبة وتركنا أمر الإنجاب لخالقنا وازداد تشابك خيوط حياتنا فأصبحنا نخرج

معا من البيت في الصباح فأوصلها إلى عملها ثم اذهب بعربتي إلى شركتي التجارية وأعود إليها في الظهر لأصحبها للبيت وبعد الغداء وفترة الراحة القصيرة نعود معا إلى شركتنا فتقوم زوجتي بمراجعة بعض الحسابات

وإقفال حساب الخزينة وبعض الأعمال المطلوبة وبعد انتهاء فترة العمل المسائية نخرج معا إلى زيارة عائلية أو فسحة أو زيارة لأضرحة بعض الأولياء لندعو الله عندها أن يتم علينا نعمته بالأبناء الصالحين.

ومضت السنوات دون إنجاب وبالرغم مما كان ينتابنا أحيانا من قلق وتوتر بسببه إلا أن كلا منا كان يراعي مشاعر الآخر ويحترم أشجانه ويشاركه اهتماماته.

وكانت زوجتي تحب الأطفال حبا شديدا وتحتفل بهم ,وكثيرا ما كانت تتصل بي تليفونيا وتذكرني بضرورة الحضور لأن عندنا(ضيفا كبيرا) فأنهي أعمالي سريعا وأعود لأفاجأ بأن الضيف الكبير هو أحد أطفال الأسرة

وزوجتي سعيدة به للغاية وقد أقامت له مأدبة غداء حافلة, فنتناول معه الطعام في مرح و ابتهاج ثم نعيده إلى أسرته بعد أن تتحفه زوجتي بهدية خاصة.

ومضت حياتنا السعيدة هكذا وكل يوم جديد يزداد امتزاجنا وترابطنا ثم شعرت زوجتي فجأة منذ 3 سنوات بتوعك طارئ وتغيرت صحتها بشكل لافت للنظر بلا سبب واضح فانتابنا القلق وصحبتها إلى الطبيب فنصحنا بعرضها على أخصائي في أمراض النساء . .وذهبنا إليه فإذا به

يفاجئنا بان زوجتي حامل في 3 شهور! نعم حامل بعد 15 عاما من الزواج وبعد أن يئسنا تماما من الإنجاب وسلمنا أمره لخالقنا .وكانت سعادتنا لا توصف وأسرعت بتوفير إشراف طبي كامل لها ثم جاء اليوم المنتظر فإذا بهدية السماء مضاعفة . . فأنجبت زوجتي توءماً ولدا وبنتا في

أتم صحة والحمد لله ووفرت لهما على الفور الرعاية الصحية الكاملة وأفردت لهما زوجتي غرفة خاصة تحوي كل مستلزماتهما ,واعتمدت على نفسها في خدمتهما رافضة أي معاونة وازدادت سعادتنا وأفراحنا بهما

وأصبحت زوجتي دائما إما في صحبة الطفلين أو مرهقة غاية الإرهاق من خدمتهما وأنا ارقبها بإشفاق والتمس لها العذر. ومضت سنة على الحادث السعيد وهى ملتصقة بالطفلين التصاقا تاماً بعد أن حصلت على أجازة من

عملها لرعايتهما , وطوال عشر سنوات كانت فتاة من أقاربنا تقيم معنا وتعتمد عليها في شئون البيت , وهى فتاة نظيفة ومشهود لها بالأمانة وحسن التصرف وكانت زوجتي تعاملها أحسن معاملة وتشتري لها الملابس المناسبة والحلي الذهبية وافتتحت لها دفتر توفير كانت تضع لها فيه ما نقدمه لها لينفعها في مستقبل أيامها. وعدت إلى البيت ذات يوم فوجدت زوجتي قد أعطتها بعض النقود ودفتر التوفير الخاص بها واشترت لها بعض الملابس الجديدة ثم ودعتها أحسن وداع واستغنت عن خدماتها

بلا أدنى مشاورة لي في ذلك , وأما لماذا استغنت عنها بعد 10 سنوات من العشرة الطيبة فلأنها كما قالت قد ( لمحت ) في عينيها ونظراتها ما جعلها تخشى منها على الطفلين !ولم أعلق على الموضوع كثيرا ووافقتها على رأيها

بل وأيدتها أيضا بالرغم من أن الفتاة كان محظورا عليها الاقتراب من الطفلين أو دخول حجرتهما إلا في وجود زوجتي.

وشيئا فشيئاً سيطرت مشاغل الطفلين ومشاكلهما على زوجتي سيطرة كاملة وأصبح من النادر أن تجمعنا مائدة للعشاء أو الغداء أو أن أجد ملابسي معدة كما كان الحال طوال 15 عاما , ووجدت نفسي بعد أقل من عام من ميلاد الطفلين خارج دائرة اهتمام زوجتي نهائيا. وبعد أن كنا

نتشاور في كل أمورنا بدأت زوجتي تتخذ قرارات كثيرة منفصلة بغير مشاورتي كقرار الاستغناء عن الفتاة فعرفت بالمصادفة بعد ذلك أنها باعت بعض مصوغاتها واشترت بثمنها شهادات إيداع بإسمى الطفلين , وبرغم إسرافها و كثرة مطالب الطفلين فقد كنت أجد نقودي في مكانها المعتاد لم تمس وحين ناقشتها في ذلك قالت أن لديها الكثير وأنها لن تتردد إذا ما احتاجت لشئ في أن تطلبه مني وكانت هذه طعنة كبيرة لي أضيفت إلى ما لاحظته من إنها ازدادت ابتعادا عني حتى أصبح من المعتاد أن امضي فترة

الراحة ظهرا في شركتي حيث أستريح وأجد من يتحدث معي لأن زوجتي ذابت نهائيا في عالم طفليها , وأما حجرة الأطفال فقد أصبحت مملكتها المستقلة التي لا يدخلها غيرها ولاحظت بألم أن زوجتي قد سحبت مني حق

رعايتهما وملاعبتهما وأصبح كل ذلك حكرا عليها , ومضت الأيام وأنا أتحمل والتمس لها بعض العذر أحيانا . . وأحس بالمرارة في أحيان أخرى وأصبحت أعيش وحدي بالرغم من وجود زوجتي والطفلين إلى جواري.

وارتب فراشي وأعد ملابسي لنفسي وأفكر في حياتي واتخذ قراراتي وحدي وأتلصص لأرى طفلي خلسة واسترجع ذكرياتي الجميلة معها قبل أن تبتعد

وتذوب في دنيا الطفلين مبتعدة عني إلى الأبد , وأتذكر يوم وقفنا معا أمام بيت الله الحرام ونحن نبتهل إلى الله ونتوسل إليه في دعاء صامت طويل أن يهبنا الذرية التي تؤنس حياتنا حتى انهارت على ذراعي باكية وطال بكاؤها

وأشفق عليها بعض زوار البيت ودعوا لنا ربهم بالاستجابة , وأتذكر كل ذلك وأفيق فجأة على الإحساس الأليم الذي أحسسته حين لاحظت في نظراتها وصوتها أنها قد باتت تخشى على أطفالي مني أنا أيضا ولا حول ولا

قوة إلا بالله !

وبعد عامين كاملين تغيرت حياتنا خلالهما من النقيض إلى النقيض .. جمعتنا مائدة الإفطار في شهر رمضان الماضي فحاولت مناقشتها في حياتنا الحالية برقة مراعيا إجهادها مع الطفلين ففوجئت بها تجيبني بوجه خال تماما من التعبير : لماذا لا تتزوج غيري وتدعني لطفلي لأني لن استطيع الجمع بين رعايتك ورعايتهم؟ وذهلت وحاولت تحويل الأمر إلى دعابة فطلبت منها أن تساعدني في البحث عن عروس ملائمة وانتهى الأمر عند هذا الحد وازددت استغراقا في وحدتي وأشجاني وبالرغم من قرب زوجتي وأطفالي مني فقد أصبحت أحس أن هناك جبالا وانهارا عريضة تحول بيني وبينهم , ثم فوجئت بعد ذلك بتمسكها بهذا الطلب الغريب وبأنها تبحث لي فعلا عن عروس مناسبة عائليا واجتماعيا وتتوسل إلي أن أرحمها

وأساعدها بذلك على التفرغ لرعاية طفليها وأنا أسمع وأرى وأتعجب .

وتدهور الوضع بيننا من سيئ إلى أسوأ ولكن بغير مواجهات صاخبة أو جرح للمشاعر أو كلمات قاسية . . وإنما مضى كل شئ في صمت قاتل مريب يزيد من عمق واتساع الخندق الذي أصبح يفصل بيننا , لقد كنا

دائما من قراء بابك المفضل فكيف أتصرف وبماذا تنصحني؟

 

ولكاتب هذه الرسالة أقول :

انشغال الزوجة بأطفالها إلى حد الذوبان نهائيا في بوتقتهم نائية عن مشاركة زوجها حياته وآماله وعجزها أو تفريطها في الوفاء بواجباتها تجاهه من الأحوال التي تبيح للرجل أن يتزوج مرة أخرى لضرورة شرعية هى رغبته في اعفاف نفسه والائتناس بشريك يبدد وحشة حياته

لكن السؤال هو هل هي جادة حقا في عرضها عليك أن تتزوج من أخرى وفي بحثها لك عن عروس ملائمة؟ إن عرضها هذا قد يكون مبادرة بالهجوم دفاعا عن النفس لإشعارك بطريقة الصدمة الشعورية بأنه لا فائدة

ترجى من الإلحاح عليها بأن تعود إلى ما كانت عليه معك قبل الإنجاب حين كنت أنت ( طفلها الوحيد ) , ولتقنعك بضرورة ملاءمة الحال للأوضاع التي استجدت في حياة الأسرة بعد مجئ الطفلين , إذ إنها فيما أتصور تعرف جيدا أنك لن تسعد بهذا الحل . . ولن تهنأ بصحبة غيرها ,

والعرض في إجماله قد يكون محاولة لإقناعك بقبول الأمر الواقع بحجة أن البديل له ليس عودتها لما كانت عليه كما تريد أنت . . وإنما اليأس منها والزواج من أخرى.

واستغراق الأم التي حرمت طويلا من الإنجاب في رعاية أطفالها ومبالغتها في الخوف عليهم وإخلالها بواجباتها تجاه الآخرين لتكريس كل طاقتها البدنية والعاطفية لهم حقيقة نفسية معروفة لدى البعض, فظهور الأطفال في حياتهن بعد طول انتظار يحدث تعديلا مؤثرا في مشاعرهن

واهتماماتهن يجعل النصيب الأكبر منها (للضيف الكبير) الذي حل بدنياهن , لكن أهل الحكمة منهن يعدلن في توزيع المشاعر والاهتمامات بين الوافد الجديد وبين شريك العمر الذي استوفد هذا الوافد نفسه , خاصة إذا كان محبا وعطوفا وجميل العشرة مثلك , أما أهل الشطط فتختل

الموازين عندهن وينصرفن بعاطفتهن ومشاعرهن تماما إلى الوافد الجديد فتفقد حياتهن هدوءها وسعادتها التي كان ينبغي أن يكتمل بها مجئ الأطفال.

وزوجتك قد غالت بلا شك في إفراغ أمومتها المكتومة في طفليها ,وفي خوفها عليهما حتى كاد الغلو يسلمها إلى معاناة أو المخاوف المرضية التي لا أساس لها من واقع والتي قد تشل تفكير الإنسان وحركته في بعض الأحيان. ومن هذه المخاوف المرضية بكل تأكيد أن تعاني زوجتك الخوف على الطفلين من نظرات الفتاة التي صحبتكما عشر سنوات فتتشكك فيها وتستغني عن خدماتها , ومنها أيضا استشعار هذا الخوف الغريب عليهما منك وأنت أبوهما , وهذا الخوف من أن يراهما أو يلمسها أحد سواها إتقاء

للحسد فيما أتصور مما كاد يصل بها إلى سجنهما في غرفة معقمة (كسجناء التونة) في رواية سارتر الشهيرة. والحرص والخوف الطبيعي المعتدل مطلوبان لكن الاعتصام بالإيمان والثقة بأن الله وحده هو الحامي والمنقذ

والمنفذ لمشيئته في كل الأحوال واليقين بأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا ولو احتمينا منه بالحصون المنيعة وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا ولو أجهد الرماة أنفسهم , مطلوبان أيضا بشدة لسلامنا النفسي نحن ولكي نستطيع أن نحيا ونتمتع بما أحل الله لنا وأنعم به علينا وإلا أهدرنا حياتنا وحاضرنا في

الخوف من مجهول باتساع السماء والأرض وكابدنا حياة الخائفين بلا طائل من الميلاد إلى الممات.

وليس من الصعب على زوجتك إذا صح عزمها وتخلصت من بعض مخاوفها واعتصمت بالإيمان بالله أن تعدل بين واجباتها تجاه طفليها وواجباتها تجاهك خاصة إذا أدركت أن الرجل هو طفل المرأة الأول كما يقول المثل الألماني وان في أمومتها حقا للجميع , وإذا تذكرت أيضا أنها

حين تحرم نفسها من صحبة زوج محب عطوف لتتفرغ بكليتها لطفليها إنما تحكم على نفسها بأن تكون أما فقط تعطي ولا تأخذ إلى نهاية العمر في حين أن في مقدورها أن تكون أيضا زوجة محبة ومحبوبة تعطي وتأخذ وتستعين بشريكها على هجير الحياة وأنوائها.

أما أنت يا سيدي فمن المفيد لك أن تدرك أيضا أن ( غيرة ) الزوج من انشغال زوجته بأطفالها عنه حقيقة نفسية معروفة أيضا ولا شئ فيها إن لم تزد على حد الاعتدال تماما كغيرة الزوجة من اهتمام زوجها بأبنائهما إذا غالى

في ذلك على حساب ما ينبغي أن يمنحه لها هي من اهتمام في بعض الأحيان. وبالفهم تحل كثير من المشاكل . . ولهذا لابد أن تسلم أيضا بأن مجىء الأطفال قد صنع متغيرات جديدة في حياتك لابد من قبولها ولابد من التسليم بأنه قد أصبح لك شركاء شرعيون في قلب زوجتك واهتماماتها

ووقتها , وان ترضى بالقسمة العادلة بين الشركاء وان تعينها على أداء واجباتها تجاه الجميع بألا تطلب منها أكثر من المستطاع لكيلا تسخط إذا تلقيت دون ما طلبت وبأن تتذرع بالصبر على زوجتك حتى تجتاز فترة الطفولة المبكرة ويشتد ساعد الطفلين قليلا فيخرجان شاءت أم أبت من سجن التونة الذي اعتقلتهما فيه وحين يحدث ذلك سوف تتغير في شخصية زوجتك أشياء كثيرة فاصبر يا صديقي حرصا على أن توفر لطفليك الأسرة الطبيعية التي ينشآن ظلالها فإن لم تقدر على الصبر فلا ملام عليك إن

أخذت (بظاهر) نصيحتها وتزوجت حين توقن بأن مجىء الطفلين قد جفف حقا كل ينابيع الحب في قلبها ولم يبق منها إلا ينبوع الأمومة وحده.

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" مايو 1992

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات