الثمرة المرة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1997
ترددت كثيراً في الكتابة إليك، ثم استجمعت قواي أخيراً لأزيح عن كاهلي ما لا أطيقه، فأنا سيدة تزوجت منذ أكثر من ثلاثين سنة، من زميل لي في الدراسة بإحدى الكليات الجامعية، وكافحنا معاً حتى بلغ كل منا درجة عالية في شركته. وخلال السنوات الأولى من زواجنا، اكتشفت عدم قدرة زوجي على الإنجاب وأنه لا أمل له فيه، وفكرت وقتها في الطلاق، لكنني انتهيت فيما بيني وبين نفسي إلى رفض الفكرة ورضيت بأقداري وتواءمت مع حياتي، وبعد 15 عاماً من زواجنا، فكرت في أن أملأ فراغ حياتي بتربية طفلة من بنات أحد إخوتي، وعرضت على أخي ذلك فلم يعارض فيه ربما تقديراً لظروفي، وربما أملاً في أن تحظى هذه الطفلة في بيتي بفرصة أفضل في الحياة لأنه مثقل بالأبناء والأعباء، وأنا وزوجي وحيدان ، وبالفعل جاءت الطفلة إلى بيتنا وعمرها 4 سنوات، وملأت فراغ حياتنا بالفعل .. وأشعلت بيتنا حركة وصخباً وضجيجاً .. وعرفنا مع مجيئها مشغوليات وهموماً جديدة جميلة، كهموم الرعاية الصحية ومواعيد الأمصال الواقية من الأمراض .. الخ.
وأغرقنا هذه الطفلة الصغيرة بحبنا واهتمامنا أنا وزوجي، ولبينا لها كل احتياجاتها من ملابس ولعب ونزهات،ثم التحقت بالمدرسة فعرفنا مشاغل أخرى جديدة هي مشاغل المتابعة اليومية لدروسها، وواجباتها المدرسية .. وامتحاناتها الخ، وحصلت على الشهادة الابتدائية بتفوق والتحقت بالمدرسة الإعدادية، وواصلت تفوقها حتى السنة الثالثة من هذه المرحلة، ثم بدأت المتاعب من ناحيتها لأول مرة، فلقد أسرف زوجي في تدليلها والاستجابة لكل مطالبها على خلاف رغبتي في ذلك، فبدأت الابنة "تشعر" بنفسها شعوراً مغالى فيه، وبدأت تتعامل مع مدرسيها بتعال وعدم احترام، كما راحت تتباهى أمام زميلاتها بالمدرسة بأن كل ملابسها مستوردة من الخارج وغالية الثمن الخ .. ثم بدأت تطلب دروساً خصوصية في كثير من المواد الدراسية ، حتى انتهى بنا الحال إلى إحضار مدرسين لها في كل المواد، ناهيك عن مطالبها المستمرة من النقود للرحلات والنزهة مع الصديقات، وزوجي لا يعترض ولا يراجع، وإنما يستجيب على طول الخط، ويخفي عني ما يستطيع إخفاءه من مشاكل البنت في المدرسة، لكيلا أجدد اعتراضي على تدليله لها وضعفه معها.
وخلال هذه السنوات كانت ابنة أخي تذهب إلى بيت أسرتها في نهاية الأسبوع لقضاء يومي الخميس والجمعة مع أبويها وإخوتها، فكانت تحظى بالحب والحنان من الأسرتين، ثم ظهرت نتيجة الشهادة الإعدادية فإذا بها تحصل على مجموع ضعيف يلحقها بصعوبة بالتعليم الثانوي .. وهنا قررت أن أرجع الفتاة إلى أبويها، لكي يعيدا تقويمها ويعرفاها بأخطائها خاصة أنني كنت قد لاحظت أنها تأخذ نصائحي لها بلا مبالاة، وأنها لا تتعامل باحترام مع من هم أكبر سناً سواء من مدرسيها أو من الأقارب، ورجعت الفتاة لأسرتها، فلم يتصل بي أخي ليستفهم عن أسباب إعادتها أو دوافعي لذلك، وإنما اعتبر إرجاعها عملاً عدائياً من ناحيتي.
أما زوجي فقد اكتأب لذلك كثيراً وراح يقضي معظم أوقاته وحيداً في غرفته ولا يتكلم معي كما أصبح حاد المزاج وعصبياً للغاية، وبعد فترة قصيرة بدأ يتوسل إلي لإعادة الفتاة إلى بيتنا، وأنا أرفض ذلك بإصرار، فوسط لدي شقيقي الأكبر لإرجاعها خوفاً على مستقبلها، فقبلت ذلك مضطرة وبشرط أن تستذكر دروسها وتلتزم، ورجعت الفتاة إلى بيتنا مرة أخرى وألحقت بالصف الثانوي الأول والتزمت بالفعل بكل ما طلبته منها من سلوكيات صحيحة .. واستذكار لدروسها، إلا أن ذلك لم يستمر طويلاً، فلقد رجعت مرة أخرى إلى عجرفتها وعاداتها، وتطاولت علي إحدى صديقاتي حين جاءت لزيارتي في البيت خلال غيابي عنه، وواجهتها بتصرفاتها هذه فثارت ولم تقبل اللوم، واتصلت بأبيها ثائرة ليحضر ويصطحبها إلى بيته، وجاء أبوها واصطحبها بالفعل غاضباً مني ، وعازفاً عن أي كلام معي..
وعشت مع زوجي وحيدين لمدة عام آخر .. كان من أصعب فترات حياتي، فلقد كان زوجي دائم الغضب مني لسبب ولغير سبب ولم يكن يطيق البقاء بالبيت أو محادثتي وعانيت خلال هذا العام من الذل والهوان مع زوجي ما عانيت، وتحملت ذلك على أمل أن تكون فترة مؤقتة في حياتنا وتنتهي، لكن الأمور ازدادت قسوة وصعوبة، وراح زوجي يلح علي في عودة الفتاة إلينا ويسوق إلي إخوته وأخوتي ليؤيدوا مطلبه، فوافقت في النهاية تحت ضغط إلحاحهم جميعاً على عودتها، لسببين الأول أن تتحسن الحالة النفسية السيئة لزوجي، والثاني هو أن تعوض الفتاة ما فاتها من الدراسة وتحول فشلها إلى نجاح، لأن الكل أجمعوا على أنها قد فشلت في دراستها ذلك العام بسبب توقف متابعتنا ورعايتنا لها.
كما أنني من ناحية أخرى كنت قد أملت أن تكون الفتاة قد استوعبت الدرس، واستفادت من أخطائها .. ففوجئت بها ترجع لنا "قوية" وليست الإنسانة الضعيفة التي تحتاج إلينا وإلى رعايتنا لها كما كنت أتوهم، وفوجئت بها تتعامل معي بتعال وعجرفة، فلم أطق تصرفاتها ولا سوء أدبها معي، أما زوجي فقد أصبح في قمة السعادة، وارتفعت معنوياته للسماء ودب فيه الحماس والنشاط من جديد، وأصبحت أسمع ضحكاته العالية وهو يتحدث إليها، وكلما اعترضت على تصرف من تصرفاتها قالت لي الفتاة في غرور إنها قد استأذنت "بابا" فيه وأذن به، تقصد زوجي بذلك..
وفي إحدى المرات رقدت في فراشي أشكو من ارتفاع درجة الحرارة .. فإذا بي أسمع ضحكاتهما عالية في الصالة، وكأن شيئاً لم يكن، ثم جاءتني الفتاة واضعة يديها في وسطها لتقول لي ببرود، إن "بابا" يسأل إذا كنت في حاجة إلى طبيب أو لا ؟ فأجبتها بالنفي، وأنا أغلي من الضيق والكمد، وبعد انتهاء هذه الوعكة الصحية صممت على طردها من بيتي واتصلت بوالدها ليحضر لتسلمها وجاء غاضباً، وجمع ملابسها .. ثم فوجئت به يقول لي متحدياً، إنني إذا كنت أظن أنني بطردها من بيتي سوف أدفع زوجي لأن يتخلى عنها فأنا مخطئة في ذلك، لأن زوجي يتكفل بك طلبات ابنته سواء أكانت مقيمة معنا أم في بيته، ثم صفق الباب بشدة وخرج..
وتأكدت مما كنت أسمع من قبل وهو أن زوجي في فترات إعادتي لهذه الفتاة لأسرتها لم يكن يتوقف عن رعايتها والاهتمام بأمرها والتكفل بكل مطالبها المادية .. وأنه كان يصطحبها بسيارته في الصباح إلى مدرستها ويعيدها منها .. ويصطحبها إلى الدروس الخصوصية .. الخ.
وواجهت زوجي بما قاله أخي وطلبت تفسيراً له فلم يجب بشيء والتزم الصمت التام، فطالبته بأن يتوقف عن الإنفاق على هذه الفتاة في بيت أبيها، فخرج عن صمته ورفض مطلبي، ودبت الخلافات بيننا حول هذا الموضوع وتفاقمت حتى بلغ بنا الحال أن هجر زوجي البيت تاركاً وراءه ملابسه وكل أشيائه ليقيم وحيداً بشقة قريبة له مسافرة للخارج، ويصارحني ويصارح كل من تدخلوا بيننا بأنه لن يرجع إلى البيت مرة أخرى إلا إذا عادت ابنة أخي إليه، ومؤكداً أنه سوف يستمر في الالتزام بكل مطالبها سواء رجع إلى البيت أم لم يرجع !
ورفضت هذا الشرط بإصرار، فكانت النتيجة أن مضى عامان حتى الآن ونحن على هذا الحال .. وزوجي يهجر البيت، وأنا أقيم وحيدة في مسكني. ثم يئست من الإصلاح فبدأت أفكر في طلب الطلاق من زوجي، وعبرت عن رغبتي فيه لأحد الأصدقاء الذين يتوسطون بيننا، فطلب زوجي أن أتنازل له عن حقوقي المادية لديه، وأن يسترجع بعض المنقولات الخاصة به من شقة الزوجية، أما الشقة نفسها فإن عقدها باسمي وليست هناك مشكلة في استمراري بها.
ومازال الحال بيننا على ما هو عليه .. وزوجي بصفة شبه دائمة في بيت أخي، ويقوم بتوصيل الفتاة إلى معهدها الذي التحقت به ويتحمل تكاليف حياتها ودراستها، وفي كل يوم يأتي إلى من يقول لي إنه شاهدهما هنا أو هناك فأستشيط غضباً وغيظاً وألماً، وأذهب إلى عملي وعلى وجهي قناع الابتسامة الزائفة وقلبي يكتوي بالنار وأنا أتذكر السنوات الطويلة التي عشتها مع زوجي، وكم ضحيت من أجله، وأتذكر هذه الفتاة التي ربيتها منذ كان عمرها أربع سنوات فهانت عليها وعلى زوجي العشرة وكل شيء..
إنني حائرة في أمري .. أريد الطلاق من زوجي خوفاً من أن يواتيني الأجل فيأخذ هو وابنة أخي الشقة باعتبارهما كانا يعيشان فيها ويحصلان على الأثاث وكل شيء، فأظلم في حياتي وأظلم في مماتي كذلك، كما أنه من الممكن أن يتزوجا في هذه الشقة، رغم فارق السن الكبير بينهما، إذ أن زوجي يوشك على بلوغ الستين وابنة أخي لم تتجاوز العشرين من عمرها .. فهل توافقني على ذلك .. أم هل ترى أن أحيا ما بقي لي من العمر على ذمة زوجي كما أفكر في ذلك أحياناً فأعيش كاظمة غيظي وناعية حظي في الحياة، ومن حين لآخر يأتيني من يزيد أحزاني، بحديثه عن رؤيته لزوجي وللفتاة في أي مكان؟
لقد أبلغني أحدهم منذ فترة قصيرة بأنه قد ألحقها بالتدريب في الشركة التي يعمل بها فلم أطق صبراً على ذلك واتصلت به متوعدة إن لم يخرجها من مكان عمله لاتصلن برئيس الشركة شاكية إليه أمره، فخشي ذلك بالفعل وأمرها بعدم الحضور للشركة، لكن من يدريني أنها لم تعد للتدريب بها بعد فترة هدوء قصيرة؟
إنني أعاني من التفكير في ذلك كثيراً ، ومن هذا الوضع المؤلم الذي انتهت إليه حياتنا، فبماذا تنصحني أن أفعل؟
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
نحن نغرس بذور الحب والعطاء في أرض الأبناء، فمنهم من تثمر شجرته ثمارها الطيبة .. ومنهم من لا تثمر شجرته إلا الثمار المرة لخطأ في الرعاية أو خدمة الأرض وتهيئتها .. أو لأسباب خارجية أخرى لا سلطان لنا عليها.. وما ينطبق على الأبناء الطبيعيين ينطبق كذلك على غيرهم ممن يرعاهم الإنسان ويخصهم برعايته وعطائه، ولا شك أن أسباباً عديدة قد تراكمت فأدت إلى فساد هذه الطفلة التي ربيتمانها صغيرة، أولها هذا التدليل الزائد لها.. والاستجابة لكل رغباتها مما أثر سلبياً على أخلاقياتها وسلوكها في المستقبل، ولهذا فإن ما تعانينه الآن من مرارة هذه الثمرة لا يرجع إلى خطأ الفكرة في حد ذاتها، أقصد فكرة رعاية طفلة صغيرة تؤنس وحدتكما وتجدد تمسككما بالحياة، وإنما إلى الأسلوب الخاطئ الذي اتبعتمانه في تنشئتها وتربيتها، وهو أسلوب التدليل الزائد والعطاء الغامر لها والاستجابة المطلقة لكل رغبائها..
وحين حاولت أنت تدارك الأمر، كان الوقت قد فات وتشكلت سمات شخصيتها وتكوينها النفسي، وكانت أيضاً قد استنامت إلى الحماية النفسية الزائدة التي يقدمها لها الأب البديل وتأكدت من سلطانها عليه، فقاومت محاولاتك.. وتمادت في الغرور والأنانية.
ولأن كثيراً من متاعب الإنسان قد تنجم أحياناً عن عدم فهمه هو نفسه لحقيقة بعض مشاعره ودوافعه، أو عن رفضه الاعتراف لنفسه بهذه الدوافع ومحاولة إنكارها، واستخدام حيلة كبت الأفكار ورفض الإقرار بها لصعوبة احتماله لها.. أو خجلاً منها ، فلابد من الإقرار بأنك حين تحركت يا سيدتي لإصلاح سلوك هذه الطفلة وأخذها ببعض الشدة ، وقمت بإعادتها لأبويها في المرة الأولى، لم تكن دوافعك لذلك "تربوية" خالصة.. وإنما كانت تخالطها كذلك دوافع أنثوية غريزية لزوجة بدأت تستشعر الغيرة الإنسانية المفهومة من حب زوجها الغامر لهذه الطفلة وتدليله لها، ومن مكانتها الأثيرة لديه التي بدت للزوجة أكبر مما ينبغي أن تكون حتى ولو كانت الطفلة موضع حب الزوجين واهتمامهما معاً..
والزوجة ترغب دائماً في أن تكون هي محور الاهتمام الأول لزوجها ومن بعدها يأتي الجميع ولو كانوا أبناءها.. فإذا استشعرت تراجع مكانتها بعض الشيء لدى زوجها وتقدم آخرين عليها في سلم الأولوية لديه حتى ولو كان أحد أبنائه منها، لم تنج من بعض مشاعر الغيرة الإنسانية من هذا الابن، فما بالنا حين تكون من تقدمت عليها ربيبة للزوجين لم تساعدها ظروف تنشئتها ولا طبيعتها الأنانية، ولا صغر سنها، على أن تحسن احترام مشاعر أمها البديلة وتتفادى بعض حساسياتها! .
لقد دبت الغيرة في نفسك تجاه هذه الفتاة منذ فترة طويلة، وساءك منها تدليل زوجك الزائد لها.. وسلطانها عليه، واعتزازها الاستفزازي بمكانتها لديه حتى في مواجهتك أنت شخصياً، وضاعف من ضيقك بها سلوكها المتعجرف مع زميلاتها ومدرسيها، وضعف تحصيلها الدراسي، وكلما حاولت التشدد معها والتضييق عليها، وجدت الفتاة لدى زوجك الحنان الغامر، والاستعداد الأبدي لتبرير كل تصرفاتها والتماس الأعذار لها والتغاضي عن أخطائها. وبعض الأطفال يستفيدون غريزياً من هذا الوضع، ويسعون لا إرادياً لتعميقه بهدف الاستفادة النفسية والمادية من الطرف الآخر الذي لا يحاول التشدد معهم، أو حملهم على جادة الصواب، وتكون النتيجة وبالاً في أغلب الأحيان على شخصية الطفل نفسه وسلوكياته وأخلاقياته، إذ إنه من أهم وسائل التربية السليمة للأبناء أن يتفق أسلوب الأبوين في تربيتهم ولو في الأساسيات وحدها.. مع اختلاف وسائل التعبير عنها بينهما..
ولهذا فلقد أخطأت كثيراً يا سيدتي وتعاميت مرغمة عن نذر الخطر المبكرة حين قبلت رجاء شقيقك الأكبر لك بإعادة الطفلة إلى حياتكما استجابة لرغبة زوجك، ولعلك لو كنت قد جاهدت نفسك وقتها بعض الشيء وتحملت حدة مزاج زوجك وعصبيته خلال فترة الطرد الأولى، وتوصلت معه ببعض الحكمة والمرونة إلى حل وسط آخر هو أن تستمر الطفلة في كنف أبويها على أن يواصل هو رعايتها على البعد والتكفل ببعض نفقاتها. أقول إنك لو كنت قد فعلت ذلك لربما كانت سفينة الحياة قد مضت بكما بغير عناء كبير حتى الآن، ولربما ساهمت مواجهة المشكلة بهذا الحل الوسط مع اعتياد زوجك لإقامة الفتاة بين أبويها تدريجياً في اعتدال مشاعره تجاهها، ولأشرفتما معاً على تعليمها وهي في كنف أسرتها.. ولأصبحت ضيفتكما المفضلة في الأجازات وعطلات نهاية الأسبوع حتى الآن بغير أن تتعمق الروابط بينها وبين زوجك إلى الحد الذي أفسد عليك حياتك الزوجية معه فيما بعد. ولست في الحقيقة أميل للاعتقاد بصحة ظنونك في طبيعة مشاعر زوجك تجاه هذه الفتاة، ولا للاعتقاد بأنها مشاعر رجل تجاه أنثى، أو أنهما يمكن أن يتزوجا حقاً ذات يوم كما تتخوفين، فالحق أنني أميل للاعتقاد بأن مشاعره تجاهها ليست غالباً سوى مشاعر أبوية "لأب" لم ينجب تجاه ربيبته التي تولى تربيتها وعمرها أربع سنوات ووجد عزاءه وتعويضه النفسي في حبها وتدليلها وتحمل مسئولياتها الإنسانية والمادية.
ومع اعتقادي بذلك فإنني أرى أن إنكارك عليه اهتمامه الزائد بها، لا يخلو كذلك من منطق سليم.. فالحق أنه قد غاب عنه هو أيضاً خلال مغالاته في تدليل هذه الفتاة إدراك طبيعة النفس البشرية وفهم بعض أسرارها، وغاب عنه إدراك أن الغيرة الإنسانية معنى أشمل وأوسع من مفهوم الغيرة الأنثوية الضيقة لزوجة على زوجها، وأن هذه الغيرة الإنسانية قد يحس بها أي إنسان تجاه أي إنسان آخر قريب منه يجد غيره يفوز منه بما يرى نفسه أجدر به وأحق..
كما غاب عنه أيضاً أن يدرك عمق المشكلة في وقت مبكر، فيفهم أن اعتراضاتك على بعض سلوكيات هذه الفتاة، ليست مجرد اعتراضات تربوية، وإنما هي كذلك تعبير نفسي مستتر عن الغيرة منها، والاحتجاج على مكانتها المغالى فيها لديه، واعتزاز هذه الفتاة الاستفزازي بدلالها على أبيها البديل وتمكنها منه. ولو ساعدته طبيعته على إدراك ذلك في الوقت المناسب لما ألح عليك في إعادتها إلى بيتكما في المرة الأولى، ولما تفاقمت المشكلة حتى أدت إلى طردك لها مرتين بعد ذلك وانفصاله عنك منذ أكثر من عامين.
والآن يا سيدتي فإن مجال الاختيار أمامك ليس متسعاً للأسف، فزوجك يشترط لعودته للحياة معك إرجاع هذه الفتاة إلى بيتكما، أو كان يشترط ذلك حين هجر البيت ولا أدري إذا ما كان مازال قابلاً للعودة مع هذا الشرط الآن، أم أن العلاقة بينكما قد فسدت إلى الحد الذي لا يرجي معه أي إصلاح حتى ولو قبلت أنت بعودة الفتاة؟
فالواضح أن المشكلات قد تراكمت بينكما في الفترة التي تلت الطرد الثالث، وكانت هذه الفتاة هي أحد أسبابها الرئيسية، لكنها ليست وحدها كل الأسباب وفي ظروف زوجين مثلكما لا يربط الأبناء بينهما بروابطهما الأبدية، فليس هناك ما يدعو أحدهما لاحتمال حياته مع الآخر إن لم يجد في صحبته سكينة النفس واطمئنان القلب.. ولست استطيع بالرغم من ذلك أن أعفي زوجك من نصيبه من المسئولية عن تدهور العلاقة بينكما إلى هذا الحد بعد ثلاثين عاماً من الزواج، وفي هذه المرحلة من العمر.. ولا عن إهداره لتضحيتك الثمينة من أجله بالحرمان من الإنجاب، تفضيلاً لاستمرار الحياة معه.
وفي كل الأحوال فلست أستطيع مطالبتك بقبول شرطه عليك بإعادة هذه الفتاة إلى حياتكما، بعد أن فسدت العلاقة نهائياً بينك وبينها، لكني قد أقترح عليك وعليه التوصل معاً إلى نفس هذا الحل الوسط الذي كان ينبغي لكما الأخذ به منذ عدة سنوات، وهو أن يرجع زوجك للحياة معك، وأن تتغاضى أنت عن استمراره في كفالة هذه الفتاة والاهتمام بأمرها بشرط ألا تعود للحياة بينكما، وألا تكدري عليه وعليك صفو الحياة بمحاسبته عن اهتمامه بها أو عطائه لها ولا بأس بذلك يا سيدتي إذا رضيتما به لأن الحياة تطالبنا في كثير من الأحيان بأن نقبل ببعض ما لا نرغبه ولا نرضاه ، وحرصاً على سلامنا العائلي والنفسي، وإذا لم يكن أمامنا بديل آخر سوى الوحدة والألم ومكابدة قسوة الحياة وحدنا.
أما إذا كنت ترغبين في الطلاق لغير هدف سوى حرمان زوجك من الشقة التي تقيمين بها حين يحم القضاء بعد عمر طويل بإذن الله، فلا معنى لذلك سوى تعذيب النفس بالأفكار الاكتئابية السوداء، وإهدار الطاقة النفسية في التفكير في الانتقام حتى بعد الرحيل، ومكابدة المشاعر السلبية التي تعانينها الآن كلما سمعت أخبار زوجك واهتمامه بأمر ربيبته هذه، إذ لا يضير الشاه سلخها بعد ذبحها وعفواً لهذا التعبير المجازي، وتكفينا همومنا ونحن على قيد الحياة لكيلا نضيف إليها همنا الآخر بما سيجري فيها بعد غيابنا عنها، كما أنه لن يطول الوقت حتى تكشف لك الأيام عن جديد يطمئن بعض خواطرك تجاه زوجك، فخلال وقت قصير سوف ترتبط هذه الفتاة بشاب ملائم لها.. وسوف تجدين زوجك يقف منها موقف الأب البديل الذي يسعد بارتباط "ابنته" وسعادتها، وليس ذلك الموقف الآخر الذي تظنينه في غمار معاناتك للهيب الغيرة الجامحة.. فحاولي ألا تعذبي نفسك بتسقط أخبارهما معاً الآن، واعرضي عليه هذا الحل الوسط الذي تأخر عن موعده كثيراً، فإن لم يقبل به، وأصر على الابتعاد نهائياً أو اشتراط عودة الفتاة للإقامة الكاملة بينكما فلابد في هذه الحالة مما ليس منه بد وهو الانفصال الرسمي بينكما، إذ أنك في تقديري ومهما حاولت أن تغالبي نفسك فلن تنجحي في احتمال الحياة المشتركة معها مرة أخرى، بعد أن تراكمت المرارات وساءت الظنون ، بل إنني أحسبها سترفض هي نفسها العودة مرة أخرى إلى بيتك حتى ولو نجحتِ في تعديل بعض أفكارك بشأن طبيعة العلاقة بينها وبين زوجك، ولن تعدك مثل هذه الحياة المشتركة معها ومع زوجك إلا بالمزيد من الاحتراق النفسي كل يوم.. ومزيد من المشكلات العائلية والنزاع معه حول كل حركة أو كلمة شاردة من جانبه تجاه هذه الفتاة.
وما دام الأمر كذلك فلا داعي لدخول حقل الألغام من جديد ومكابدة الخوف من الخطر كل لحظة، ولتدعي للأيام فرصتها في تهدئة النفوس وتقريب المسافات.. والسلام.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد
الجمعة" عام 1997
شارك في
إعداد النص / أحمد محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر