قبل الوصول .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991

 


 قبل الوصول .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991

قبل الوصول .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991


لست أدري كيف أبدأ رسالتي إليك .. فالحق أني لم أتصور أبدا أن يأتي يوم أحتاج فيه إلى الكتابة لأحد عن نفسي . فلقد نشأت نشأة طبيعة وسعيدة، وكنت طالبا متفوقا في كل مراحل دراستي ، وبعد حصولي على الشهادة الجامعية عينت في وظيفة مرموقة يتمناها أي خريج بإحدى الهيئات الهامة ، وتزوجت من زوجة فاضلة جميلة ، وعشنا معا حياة طبيعية سعيدة ، وأنجبت بنتين جميلتين وناجحتين في دراستهما .. ومضت بنا الحياة من توفيق إلى توفيق أكبر فتقدمت في عملي وتقدمت الفتاتان في الدراسة حتى تخرجتا الواحدة بعد الأخرى وعملتا وتمت خطبة إحداهما .. وقد بلغت سن الخمسين وأنا بصحة جيدة ولم أذهب لطبيب في حياتي كلها مرة واحدة وزوجتي سعيدة وقد أنعم الله علينا بالرزق الوفير وبالحج والعمرة أكثر من مرة معا .. وأصبحت مرشحة لمنصب كبير بنفس الهيئة والدنيا من حولنا سعيدة وجميلة وواعدة بأجمل الآمال فإذا بكل هذا السلام ينهار فجأة .. وأعود ذات يوم إلى بيتي فأجد زوجتی الفاضلة الجميلة تطلب مني الطلاق بعد عشرة خمسة وعشرين عاما وتصر عليه بلا أي مبرر إلا ما يكون بين الأزواج العاديين أحيانا من ملاحاة .. فصعقت وسألتها عن السبب فلم أعرف شيئا .

 

 واهتزت ثقتي في نفسي وتعرضت لمحنة نفسية شديدة ، وسألت ابنتي وهما شابتان عن الحقيقة فلم أجد جوابا لديهما ، وتدخل بعض أقارب زوجتي بيني وبينها فلم يجدوا منها سوى الإصرار على طلب الطلاق ! .. الطلاق الآن یا سیدی بعد خمس وعشرين سنة من العشرة الهادئة بلا أية مشاكل جوهرية وبعد أن بلغت ابنتي الكبرى الثالثة والعشرين ومخطوبة وبلغت الأخرى سن الحادية والعشرين ويتقدم لها الخطاب من حين لآخر.

إن هذا ما حدث وأشارت شقيقتها علي بأن أغادر البيت لفترة عسی أن تهدأ أعصابها وتتخلى عن طلب الطلاق .. فقمت خلال يومين بشراء شقة تمليك وأثثتها وانتقلت إليها وغادرت مسكن الزوجية الذي عشت فيه خمسة وعشرين عاما ، واختارت ابنتاي أن تخرجا للإقامة معي. وبدأت حياتي كزوج منفصل عن زوجته ويتكتم الخبر خجلا من زملائه ومعارفه ومرؤوسيه وينتظر عودة الرشد إلى شريكة حياته .. ومضت الأيام ثقيلة والفتاتان تنتقلان بيني وبينها .. وفي كل يوم أنتظر أن تعيد زوجتي التفكير في موقفها وتضع سعادة الفتاتين وسمعتهما في اعتبارها فينتهي اليوم بلا أي بادرة أمل .. وبينما أنا أنتظر هذا الأمل فوجئت بدعوى طلاق في المحكمة من زوجتي الفاضلة ضدی !

 

وذهلت واتصلت بها وسألتها عما إذا كانت تتصور أني سأقف ذات يوم في ساحة المحكمة ضدها. فأجابتني رفيقة الدرب لمدة ربع قرن من الزمان  بصراحة جارحة بأنها لا تريدني ! فسألتها ألم تفكري فيما سيصيب ابنتيك من جراء هذا الطلاق ؟ فأجابتني إجابة أشد قسوة وهي أنها غير معنية الآن سوى بنفسها ! ووجدت نفسي في خيار صعب بين أن أقف مع زوجتي أمام المحكمة وبين أن أطلقها .. واستشرت الفتاتين فكان من رأيها أنه مادامت الأمور قد تدنت إلى هذا المستوى فالأكرم هو الطلاق لعله يريحها نفسيا ويفتح باب الأمل في الإصلاح بعد حين . واقتنعت برأي الفتاتين خاصة أن زوجتي قد أكدت لي أن الطلاق سيريح أعصابها .. واصطحبت المأذون إلى عش الزوجية الذي شهد مجيء البنات وتدرجنا في الوظائف وفي مراحل العمر من سن الشباب إلى سن النضج والاكتمال . ونظر المأذون إلي وإلى زوجتي والحاضرين ثم أقسم ألا يوقع الطلاق لأنه إثم كبير حين يكون بلا سبب ، فرجوته أن يؤدي مهمته لأنه لا معنى لرفضه سوى أن نحضر مأذونا آخر .. فأصر على أن يعطينا فرصة أخرى لإصلاح الحال ، ولم يتغير شيء بالطبع فعدت بالمأذون مرة أخرى ونطقت بكلمة الطلاق التي لم ترد على لسانی مرة واحدة من قبل وذرفت دموعي لأول مرة في حياتي .

 

 وعدت إلى مسکني ومعي ابنتای وفي مسکني سألتهما صادقا هل تريان في شيئا غير طبیعی في أخلاقي أو معاملتي للآخرين ؟ فأجابتاني بالنفي - فسألتهما : هل أنا منفر لا تطيق امرأة النظر إليه ؟.. فأجابتانی أيضا بالنفي . فانطويت على آلامي وأصبح كل همي هو ألا يعرف أحد في العمل أو محيط الزملاء بالطعنة التي تلقيتها وأنا في سن الثالثة والخمسين . ورغم جرحي النازف فإني لم أمنع البنتين عن زيارتها بل شجعتهما أن تتناوبا الإقامة معها .

وجاء الصيف وأردت أن أخفف عن البنتين أحزانهما فدعوتهما لقضاء فترة في أحد المصايف .. وهناك اتصلت الفتاتان بها وسألتانی : هل ندعوها للحضور لفترة ؟ فأجبتهما بالإيجاب مؤكد أني سأمضي الليالي التي تقيمها معهما في أحد الفنادق ، وجاءت واستقبلتها بترحيب .. وسألتني الفتاتان عن إمكانية الصلح فأجبتها بصراحة بأني راغب فيه رغم كل شيء من أجلهما ومن أجل أشياء أخرى كثيرة وطلبت منها أن يتحدثا إليها فأجابتهما بأنها تريد أن تهتم بنفسها ، ورغم ذلك فقد كانت ودودة معي ومع الجميع . وعادت من حيث جاءت واستبشرت الفتاتان خيرا بزيارتها لهما في المصيف وبروح الود التي كانت تعاملني بها خلال وجودها في المصيف ، وأملنا أن تعرب عن رغبتها في العودة قريبا . لكن لم تجيء من ناحيتها أية إشارة .. وانتهت العدة .. وفي اليوم الأول بعد انقضائها ذهبت الفتاتان لزيارة أمها بتشجيع مني .. فهل تعرف یا سیدی ماذا وجدتا في انتظارهما هناك ؟

 

لقد وجدتا مأذونا يعقد زواج أمهما وهي في سن السابعة والأربعين على رجل آخر لا يتناسب مع أبيهما مركزا ولا أي شيء وأمهما سعيدة بالزواج الجديد في اليوم الأول لانقضاء عدة طلاقها من الزوج الذي عاشرته ربع قرن ، وعادت الفتاتان من هناك في أشد حالات الذهول ومنهارتين نفسيا وجسديا .. وهما تسألانني : هل يمكن أن تفقد الأم أمومتها إلى هذا الحد ؟

 

لقد مضى على الزواج السعيد الآن شهر لم تحاول خلاله الأم العروس أن تسأل فيه عن ابنتيها مرة واحدة في حين عرفت أنا لأول مرة الطريق إلى عيادات الأطباء . وأصبحت من روادها الدائمين . ومازلت مذهولا مما حدث .. أتساءل كيف ينقلب الإنسان من النقيض إلى النقيض بلا مقدمات هكذا ؟ وماذا فعلت لكي تتعرض حیاتی لهذه العاصفة في سن الهدوء والراحة وجني ثمار الكفاح الطويل ؟ وأحيانا تهاجمني الأفكار السوداء فأفكر في الانتقام منها بشكل أو بآخر ثم أعود لنفسي - وأنا الرجل الذي يعرف ربه - وأفيق من هذه الأفكار السوداء على صوت إحدى البنتين وهي تمسح بيدها على رأسي وتؤكد لي أن الله سوف ينتقم لي ممن ظلمني . والأخرى تقول لي إنها إذا تزوجت فلن تدعوها لزفافها لأنها لم ترع موقفها ولم تسأل عنها ولم ترع أمومتها لهما ، فماذا أفعل یا سیدی ؟.. وهل تنصحني بالزواج مرة أخرى ؟ وما رأيك فيما فعلت زوجتي السابقة ؟ وألست معي في أنها مأساة فاجأتني على غير انتظار وأنا في خريف العمر وبعد أن كنت أظن أني قد بلغت كل ما أصبو إليه من آمال ولم يبق سوى الوصول إلى الوظيفة الخطيرة المنتظرة لأقول إني قد نلت من الحياة كل ما أرتجي ؟

 

•• ولكاتب هذه الرسالة أقول:

جراح الحياة يا صديقي قد تفاجيء الإنسان في أي مرحلة من مراحل العمر .. وهي حين تجيء لا تفرق بين مغمور ومشهور ولا بين شخص بسيط وآخر خطير الشأن .. فالجميع أمام همومهم سواء .. بل وصغار أيضا أمام الألم والأحزان .

 فهون عليك ما تحسه من «عار» شخصي ينبغي أن تتستر عليه وتخفيه عن الآخرين كأنما هو أمر يضع من قدرك عند الآخرين . وهو بكل تأكيد ليس كذلك . فالفشل في الزواج قدر مقدور قد يصيب أي إنسان وفي أي مرحلة من العمر . وقد أصاب من قبلك ملوكا وعظماء . بل وعرفه اثنان من الأنبياء هما نوح ولوط اللذان خانتهما زوجتاهما في العقيدة وشقيا بهما.

 

لقد اختارت لك الأقدار أن تنزل بك هذه المحنة وأنت في سن النضج والحكمة ففكر في الأمر بروية وحاول أن تتفهم أبعاده .. وسوف تعرف أن ما جرى كان "الأكرم" لك رغم إيلامه وقسوته . فلقد كانت هناك قصة ما تجري تحت السطح وتمكنت من الطرفين فقررا أن يواجها الدنيا بها وبغير اعتبار لأي شيء سوى سعادتهما الشخصية .. إذن فالعيب ليس في شخصيتك أنت یا سیدی وإنما فيمن لم تغالب أهواءها كما ينبغي للأم أن تفعل حرصا على صالح أبنائها واستسلمت لهذه الأهواء ولم تر باسا في أن تهدم المعبد فوق رؤوس الجميع غير مبالية بما يصيبهم جميعا من شظايا نفسية وأدبية لكي تتوج " قصتها" بالزواج في يوم انقضاء عدتها . وهذا هو شأن الرجل أو المرأة إذا استسلم كل منهما لأهوائه ورجح سعادته الخاصة على باقي الاعتبارات .

 

 ورغم أننا ندین هذا التصرف فإننا قد لا ننزعج له كثيرة لاعتياده من بعض الرجال ، أما حين يجيء من جانب الأم فإن انزعاجنا له يكون أشد لأن طلب السعادة الخاصة على حساب تعاسة الأبناء أمر يتنافر تنافرا شديدا مع طبيعة الأمومة ومع عطائها المستمر للأبناء . لكن ما جرى قد جرى ولم يعد يجدي التعجب من حدوثه ، ويبقى الأهم الآن وهو أن تنجو من آثار هذه المحنة وان تستعيد توازنك ، وألا تضاعف من خسارتك الشخصية بالاستسلام للحزن والأفكار السوداء فتضاعف من بلائك ويصعب عليك احتماله ويكفيك تعاطف ابنتيك معك وإحساسهما بمدى الظلم الذي تعرضت له ، فحاول أن تلتمس العزاء والسلوى في الجوانب العديدة الأخرى من حياتك التي وفقك الله في معظم مجالاتها وأهمها حب ابنتيك الصادق لك ، ولا بأس في أن تفكر - بعد فترة نقاهة كافية - في الزواج مرة أخرى من سيدة ملائمة لك في السن والوضع الاجتماعي وباقتناع ابنتيك وبمشورتهما ، وتأكد أنها سوف تسعدان بذلك في الوقت الملائم إذا رأتا فيه ما يخرجك من أحزانك ولمستا حاجتك إليه ، وسوف تكونان سفيرتيك لاختيار من تليق بك .. ومن تخفف عنك آلامك . أما الانتقام فلا مبرر له .. ولا معنى ولا هو من حقك أصلا ، ثم هل تريد انتقاما أبلغ من الانتقام الإلهي الذي جاء على لسان ابنتها الرشيدة من أنها لن تدعوها إلى زفافها حين تتزوج ؟

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" سبتمبر عام 1991

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات