جسر العودة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994



جسر العودة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

أنا مدرسة عمرها 29 سنة، تزوجت منذ 9 سنوات من مدرس بالتعليم الثانوي، وبدأنا حياتنا الزوجية في بلدة ساحلية صغيرة حيث نعمل معًا بعيدًا عن مدينتنا الأصلية في وسط الدلتا، ولم أتحمل طويلاً في هذه البلدة الصغيرة مع ظروفنا القاسية وقلة الدخل، فسعيت للعمل في الخارج وحصلت على فرصة عمل في إحدى الدول وسافرت إليها لأقيم في سكن المدرسات وحيدة وبعيدة عن زوجي الحبيب .

 

وواظبت على إرسال كل ما أدخره من مرتبي إليه، لكي يحقق لنا حلمنا الكبير في الحصول على شقة في مدينتنا الأصلية . وبعد شهور حصل زوجي بالفعل على الشقة المطلوبة في مدينتنا وكتبها باسمه ورجعت من غربتي بعد سنة واحدة لأستأنف معه حياتنا الزوجية مرة أخرى وأنجبت طفلة وعرفت طعم الأمومة لأول مرة وبعد فترة بدأت أضيق بالشقة الصغيرة التي حصلنا عليها، وأحلم بشقة أخرى أجمل وأوسع، فقدمت أوراقي مع زوجي لنفس الدولة التي عملت بها لمدة سنة، وفوجئت بقبول أوراقي وحدي ورفض أوراق زوجي .. وفكرنا فيما نفعله إزاء هذا الوضع الغريب وانتهى تفكيرنا وبتأييد وإلحاح مني على أن أسافر وحيدة وأحاول إيجاد فرصة عمل لزوجي واستقدامه إلى حيث أقيم لنستعيد حياتنا معًا .. وسافرت وتركت طفلتي الرضيعة لدى أختي وحاولت كثيرًا العثور على فرصة عمل لزوجي بلا جدوى .. فركزت أملي في اختصار فترة افتراقنا بادخار كل ما أستطيع ادخاره وإرساله لزوجي أولاً بأول .. واشتدت عليّ ظروف وحدتي وابتعادي عن زوجي وطفلتي الرضيعة، فأصبحت أيامي كئيبة وبطيئة .. وفي هذه الظروف النفسية غير المريحة فوجئت برسالة من أسرتي تحمل لي خبرًا غريبًا هو أن زوجي المحبوب الذي اغتربت لأوفر لنا إمكانات حياة أفضل معًا، على علاقة غير شريفة مع جارتي المتزوجة والأم لأولاد وبنات ! .. وقرأت الرسالة في ذهول ورفضت أن أصدق هذا النبأ الغريب أو أصدق أن يسلوني زوجي الذي أتحمل عناء الغربة من أجله بهذه السرعة الغريبة ، واستنكرت ذلك في أعماقي بشدة وأصررت على ألا أصدقه لكن الرسائل توالت عليّ بعد ذلك من أفراد أسرتي تؤكد لي ما أرفض تصديقه، ولم أملك أن أفعل شيئًا .. وأنا بعيدة عن زوجي وبيتي، وانتظرت بفارغ الصبر انتهاء عقدي ورجعت إلى بلدي وزوجي وطفلتي وفوجئت بأن ما أرسلته لزوجي من مدخرات لشراء الشقة الجديدة قد تبخر في الهواء .. وجدته – كما قيل – غارقًا حتى أذنيه في اللهو المحرم مع هذه السيدة العابثة .. ومع ذلك فلم أواجهه ولم أثر عليه لأني لا أملك دليلاً مؤكدًا على خيانته لي سوى أنه قد بدد بعض مدخراتي بحجج ومبررات غير مقنعة . وذات يوم كنت أنظف شقتنا فعثرت على بعض شرائط التسجيل مخبأة في أحد أركان الشقة فأثارت اهتمامي وريبتي ووضعتها في جهاز التسجيل فإذا بها رسائل صوتية من الجارة الفاضلة تبث فيها زوجي لواعج حبها وتؤكد له استعدادها للانفصال عن زوجها لتتزوج منه .. ونظرت إلى طفلتي التي كانت تلعب أمامي في هذه اللحظة وعمرها لا يتجاوز أربعة أعوام ، واشتعلت نيران الغضب في رأسي .. وجاء زوجي فواجهته لأول مرة بكل ما عرفته وفوجئت به يبكي وينهار ويقول لي إنها سيدة عابثة لكنه عاجز عن التخلص منها، وسوف يفعل المستحيل ليقطع علاقته بها ويعوضني عن كل ما مضى من أخطاء !! ووجدت نفسي أصدقه يا سيدي رغمًا عني وأحاول مساعدته على إصلاح خطئه .. وبذلت كل جهدي لرعايته وإحاطته بحبي واهتمامي بعد هذه المواجهة وسعد بما أفعله من أجله فهدأت نفسي إلى أنه قد رجع عن خطيئته وقطع علاقته بهذه السيدة العابثة ، وحملت مرة أخرى وأنجبت طفلة ثانية .. وبعد ولادتي بأسبوع فوجئت بمن يؤكد لي أن علاقة زوجي بالأخرى لم تنقطع يومًا واحدًا منذ عودتي من العمل بالخارج برغم كل الوعود والعهود وبرغم كل ما أبذله له ومن أجله .. وكدت أصاب بالجنون .. وواجهته مواجهة صاخبة مرة أخرى .. وصرخت فيه باكية طالبة منه أن يذكر لي الشيء الناقص الذي يفتقده فيّ ويجده عندها لأستكمله مؤكدة له أنني سوف أغير مالا يعجبه من شكلي .. ومالا يعجبه من طباعي وسلوكي حتى لا يبحث عن أي شيء مفقود لدى الأخرى .. فأقسم لي بأغلظ الأيمان أنه قد قطع علاقته بهذه السيدة منذ عودتي لمصر وبرغم عدم اقتناعي بما يقول فقد صدقته أو اضطررت لأن أصدقه إنقاذًا لبيتي وأسرتي والطفلتين، وبعد عذاب طويل وجدت أنني لن أستريح من هواجس الشك مادمت أقيم في الشقة المجاورة لشقة المرأة الأخرى خاطفة الأزواج، فقررت أن أبيع هذه الشقة ونشتري بثمنها شقة أخرى في حي بعيد، وبعت الشقة بالفعل واشتريت شقة أخرى تحت التشطيب في حي بعيد ..

 

وانتظرت بفارغ الصبر انتهاء تشطيب الشقة الجديدة ليجتمع شملنا فيها من جديد وانتهى التشطيب بعد معاناة فاصطحبت شقيقتي وذهبنا إلى الشقة الخالية لنقوم بتنظيفها استعدادًا لنقل الأثاث إليها .. ودخلت الشقة فإذا بي أجد نفسي أمام زوجي ومعه السيدة العابثة التي أقسم لي بأغلظ الأيمان أنه قد قطع كل علاقة له بها .. ومادت بي الأرض وقبل أن أتمالك نفسي ، وأنطق بأي شيء كانت الأخرى قد هرولت هاربة وبقي زوجي يتعثر في الكلام ويحاول أن ينطق بأي اعتذار فلا يجد ما يقوله ! .. وأحسست باليأس القاتل من أي أمل في إصلاحه بعد أن بذلت معه المستحيل لإصلاحه ، فطلبت الطلاق فرفض طلاقي إلا إذا تنازلت له عن كل حقوقي، وبعد مداولات ومحاولات عديدة اتفقنا على أن نبيع الشقة الجديدة التي لم يقدر لنا أن نعيش فيها ونقتسم معًا ثمنها وفعلنا ذلك، وتم الطلاق وعدت إلى بيت أسرتي أحمل لقب مطلقة برغم أنفها .. وبرغم كل محاولاتها لإصلاح زوجها والصفح عنه .. وواجهت نظرة المجتمع غير الصحي للمرأة المطلقة حتى ولو كانت قد فعلت كل ما في مقدورها لتفادي الطلاق وتنازلت في سبيل ذلك حتى عن كرامتها كامرأة – كما فعلت – وواجهت أيضًا معاملة غير مريحة من أمي وأخوتي للطفلتين اللتين لا ذنب لهما سوى أن أباهما لم يفكر في مصيرهما وهو ينساق وراء نزواته وأهوائه، وكان أقسى ما يجرح مشاعري وينكأ جراحي هو أن تسب أمي أو أخوتي الطفلتين بأبيهما تعبيرًا عن حنقهم عليه وعلى ما فعل، وأحسست باليأس من حياتي وفقدت ثقتي في نفسي وفيمن حولي من بشر، وبدلاً من أن أزداد حنوًا على الطفلتين البريئتين وجدت نفسي أنفعل عليهما كثيرًا رغمًا عني وضيقًا بما أنا فيه وما آل إليه حالي .. فلقد كنت أسأل نفسي دائمًا : ماذا جنيت حتى ألقى ما لقيته من زوجي .. وماذا قصرت فيه .. حتى يكون هذا هو جزائي ؟ .. فأزداد اكتئابًا ويقل صبري على الطفلتين ثم أفيق إلى نفسي أبكي بكاءً مرًا .. وهربًا من كل شيء سعيت مرة أخرى وراء العمل في الخارج ، وتعاقدت للعمل بإحدى الدول العربية وتركت الطفلتين لدى أختي وسافرت إليها حزينة ومكتئبة وبعد سفري بشهور ذهب زوجي السابق إلى أختي وطلب استرداد الطفلتين لتعيشا معه ، ولم تجد شقيقتي مفرًا من الاستجابة لرغبته، وبعد أسبوعين بدأ زوجي السابق يكتب إليّ الرسائل ليطمئني فيها على أحوال الطفلتين، ثم بدأ يعبر لي بعد فترة عن ندمه عما فعل وارتكب من أخطاء كبيرة في حقي، ويقول لي إنه نادم أشد الندم على علاقته هذه المرأة وإنه قد تاب عن خطيئته وخير الخطائين التوابون ، ثم روى لي في إحدى رسائله أنه قد اشترى شقة تمليك جديدة وأنه مستعد لاستئناف حياتنا الزوجية معًا بأي شروط من أجل طفلتينا، وبعد عامين من انفصالنا .

 

ووجدت نفسي في ظروف غربتي ووحدتي أفكر فيما يعرضه عليّ برغم انعدام ثقتي في عهوده السابقة بعد تجربتي المريرة معه ، لكني يا سيدي قد جربت آلام الوحدة ، وجربت عذاب البعاد عن طفلتيّ ..  وجربت معاناة لقب المطلقة ووضعها ولم يعد بي قدرة على مزيد من الاحتمال برغم أن أهلي يكرهون زوجي السابق كراهية شديدة، ولا يطيقون مجرد سماع اسمه بعدما نالني منه لكني حائرة ومترددة .. وأميل للعودة إليه من أجل طفلتيّ ومن أجل أشياء كثير أخرى وليس لي من شروط للعودة إليه سوى أن أرجع إليه على أساس متين من الثقة والأمان .. فالأمان هو أهم شيء عندي الآن وشرطي لأن أشعر بالأمان معه هو أن يكتب الشقة الجديدة باسمي كما سبق أن كتب شقة باسمه في البداية ، وقد كان على استعداد لأن يفعل ذلك لكن أهله أقنعوه بالعدول عن ذلك خوفًا من أن أغدر به ذات يوم .. وفي الحقيقة فإنه لا يهمني في كثير أو قليل أن يكتب الشقة باسمي أو لا يفعل ، لكني أريد الأمان والاستقرار فقط لي ولأولادي ، وأشعر أن ذلك لن يتحقق إلا إذا ضحّى واستجاب لشرطي .. لهذا أرجوك أن تشير عليّ بالرأي الصائب في أسرع وقت لأن عقدي على وشك الانتهاء وسأعود إلى بلدي خلال أسابيع ، كما أرجو أن تكتب لزوجي السابق الذي يقرأ لك بانتظام ويقتنع بآرائك أن يتنازل بعض الشيء عن موقفه ، ويوافق على طلبي الوحيد من أجل طفلتينا ، كما أريدك أن تفيني بما إذا كان تفكيري في شرط الشقة من أجل الأمان والاستقرار صحيحًا أم خطأ .. وشكرًا لك على كل شيء ..

 

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :

 

الأصل في المعاملات أن يتم تسجيل الشيء المشترى باسم من يدفع ثمنه وليس باسم أي إنسان آخر لأن المرء أحق بما كسبت يداه ، وما ينطبق على الزوج في هذا الشأن ينسحب أيضًا على الزوجة فيما تشتريه بحر مالها ومن عائد عملها وكفاحها ، فلا يجوز لأحد الطرفين أن يضغط على الطرف الآخر ليستوهبه شيئًا يملكه أو اشتراه مهما كانت الحجج والمبررات ، وللمال حرمة لا ينبغي المساس بها ، وقد نبهنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم منذ قديم الزمان إلى أن ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام ، فما بالنا بسيف الإرغام والتوريط والإحراج ؟ .. إن الهبة التي يعلم من نالها جيدًا أن واهبها قد وهبها له حرجًا وتوريطًا هي هبة حرام بكل المقاييس على من استحلها لنفسه وأرغم واهبها عليها بالابتزاز المعنوي والإكراه الأدبي .. ويندرج تحت هذا النوع المحرم من الهبات والعطايا كل ما يؤديه المرء للآخرين خضوعًا لشرط قسري يملى عليه الاستجابة له رغمًا عن إرادته وبغير أن تسمح به نفسه ، وبهذا المعيار فإن اشتراطك على زوجك السابق أن يسجل باسمك الشقة التي اشتراها بماله مقابل العودة واجتماع الشمل يعد من الشروط القسرية التي لا تدع للإنسان حرية الاختيار والتصرف فيما يملكه بمحض إرادته وحريته ، ومع أن ظروفك الخاصة قد تبرر لك التماس الأمان في مثل هذا الشرط ، إلا أن أمانك مع زوجك لن يتحقق للأسف بمجرد تسجيل شقة الزوجية باسمك ، وإنما يتحقق فقط بصدق استيعاب زوجك لظروف تجربته معك ، وصدق ندمه على خطيئته السابقة وعلى أخطائه في حقك وحق طفلتيه ، وبصدق رغبته أيضًا في توفير الأمان والاستقرار لطفلتيه وتعويضك عما لاقيت منه في الماضي . إذ ما أسهل أن يستجيب لشرطك ويسجل الشقة باسمك ويعيدك إلى عصمته ثم ينطلق وراء أهوائه بعد ذلك من جديد .. أو يكرهك بكل أنواع الإكراه الجسدي والمعنوي على أن تعيدي إليه ملكية شقته فلا تجدين في النهاية .. ومهما قاومت ورفضت .. مفرًا من الاستجابة لرغبته ، والتخلص من ضغوطه الهائلة عليك .

 

لهذا فلست أرى الأمان الذي تبحثين عنه في تسجيل الشقة باسمك ، وإنما أراه في مدى تغير نظرة زوجك السابق للحياة ومدى صدق نيته في أن يرعى زوجته وطفلتيه ويسكن إليهن حتى نهاية الرحلة .. وأنت وحدك التي تستطيعين الحكم على جدية هذا التغيير ومدى ايجابيته ، فإذا لمست منه ما يؤكد لك صدق ندمه وصدق استفادته بدروس التجربة فلا تتوقفي طويلاً أمام شرط الشقة لكي تعودي إليه وتحتضني طفلتيك الصغيرتين معه في بيت واحد .. وإذا لم تلمسي ما يطمئنك إلى ذلك فلا تترددي أيضا في تأجيل قرار العودة إلي أن يستوعب تمامًا درس التجربة ويستفيد منه ، وإن كنت أحسب أنه لابد قد استفاد منها الكثير والكثير ، فتجربة الانفصال تحفر في شخصية الرجل آثارها العميقة وتغير الكثير من أفكاره ونظرته للحياة تمامًا كما تفعل في شخصية المرأة ، وإذا كنت أنت قد عانيت الكثير من وحدتك وابتعادك عن طفلتيك حتى بدأت تميلين للعودة لزوجك برغم كل ما جرى وبرغم مواقف أسرتك منه ، فلابد أنه أيضًا قد عانى الكثير من وحدته ومكابدته لرعاية طفلتيه الصغيرتين وحده ، حتى بدأ هو الآخر يراجع أخطاءه ويعترف بها ويعلن توبته عنها ، فلماذا لا نستفيد من هذا الجانب الإيجابي في شخصيته ونعمقه فيه ؟ ولماذا لا نعتبر حرصه على أن يضم طفلتيه إليه ليرعاهما وحيدًا بعد سفرك مؤشرًا إيجابيًا لإدراكه لحقوق طفلتيه عليه وهو في رأيي مؤشر أهم بكثير من تسجيله شقة الزوجية باسمك مرغمًا ومبيتًا النية على أن يستردها منك في أقرب وقت ؟ يا سيدتي إنني أؤيدك في عدالة مطلبك بأن يتنازل زوجك السابق بعض الشيء ليكفر عن ماضيه معك ويثبت حسن نيته تجاهك ، لكني لا أرى في تسجيل الشقة باسمك شرطًا يستحق أن ترتهن به سعادة طفلتيك واستقرارهما ، وإنما قد أرى بعض هذه التنازلات العادلة في أن يقدم لك مهرا مناسبًا يعتبره قربان للصفح عنه والعودة إليه ومؤخر صداق ملائم يشعرك بصدق رغبته في أن يركن إلى الحياة معك ومع طفلتيه إلى نهاية العمر ، أما أمانك المادي الذي تبحثين عنه فقد يكون في مدخراتك من عملك وفي قدرتك على رعاية نفسك والاستقلال بمسكن خاص بك إذا اضطرتك الظروف إلى ذلك في المستقبل ، ولن تحتاجي إلى مثل هذا الإجراء ذات يوم بإذن الله فلقد أذن ليل همومك بالإصباح وسوف تطيب لك الحياة حين تتحد إرادتك مع إرادة زوجك وحول هدف إسعاد طفلتيكما وتوفير الأمان والاستقرار لهما إن شاء الله .

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" أغسطس عام 1994

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات