الحل الأخير .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992
تزوجت منذ عشرين عاماً بعد حب عنيف جمع بيني وبين زوجي وعشنا معا حياة سعيدة وأنجبت له ولداً وثلاث بنات .. وبعد مجيء الولد شهدت حياتنا تحولاً غريباً فلقد أحب زوجي ابنه حباً ملك عليه كيانه ودللـه تدليلاً لا حدود له , وأحس الولد ابتداء من عمر العامين تقريباً بحب أبيه الغريب له وبأنه يستجب لأي طلب يطلبه سواء أكان الوقت ليلاً أو نهاراً , فكان إذا رغب في أي شيء مما يرغب فيه الأطفال وتعذر تلبيته لسبب أو لآخر انخرط في بكاء غريب متواصل وراح يكسر أي شيء أمامه , فلا يجرؤ أبوه على تركه يبكي وينهض لإحضار الشيء المطلوب مهما كان الوقت أو حال الجو في الخارج , وكنت كأي أم أعاقب طفلي على كل خطأ يرتكبه فيسكت إلى أن يعود أبوه من عمله ثم ينفجر فجأة في البكاء ويشكوني إليه . فكان زوجي يقوم ضاحكاً بتكتيفي ويقول لابننا : اضرب ماما كما ضربتك !
فيضربني الولد بيديه الصغيرتين وأتظاهر أنا بالبكاء فيرضى ويسعد ويكف عن بكائه وكانت هذه هي طريقة زوجي للتعامل مع ابننا حتى كبر والتحق بالمدرسة ثم بالجامعة ولعلك سوف تسألني بالضرورة كيف انعكست عليه هذه الطريقة في تربيته وأجيب بأن ابني اعتاد للأسف على أن يتعامل معي بغلظة منذ صباه كما اعتاد أن يتهور علي بالصياح والألفاظ غير اللائقة كلما طلب مني طلباً ورفضت تلبيته لعدم ملائمته أو لعجزنا عنه وكنت في طفولته وصباه لا أغضب منه لذلك وأقول لنفسي أنه سيكبر غدا ويصل إلى الرشد ويكفَّ عن هذه الأفعال الطائشة .. لكنه لم ينضج ولم يرشُد للأسف وإنما تمادى في مطالبه بغير أن يجرؤ أحدنا على أن يواجهه بالرفض أو بأننا لا نستطيع مادياً تلبية مطالبه لأنها تفوق دخلنا , والتحق بالجامعة وطلب من أبيه سيارة فاشترى له سيارة قديمة أرهقنا أنفسنا بتحمل ثمنها , ثم أحيل زوجي إلى المعاش وانخفض دخله انخفاضا كبيرا وعجزنا مادياً عن ملاحقة طلبات ابني فوقعت الطامة الكبرى وأصبح يتشاجر معي يومياً على النقود ويتطاول عليّ بالسباب ويكاد يضربني إن لم أعطه ما يريد , فكنت أعطيه نقودا من مصروف البيت ..ثم أعجز عن مواجهة مطالب البيت في نهاية الشهر .. ورغم ذلك فلقد استمر يطلب مني ولا يطلب من أبيه الذي ضاق به أخيرا رغم حبه الشديد له , وأصبح يقف ضده كثيراً .
لقد أصبح ابني يحتك بي مرتين أو ثلاث مرات كل يوم ليأخذ مني ما يريد وتنتابه نوبات غريبة من العصبية الشديدة يقوم خلالها بضربي أنا وبناتي , حتى أصبحت أخشى على سمعة البنات من هذا الحال مع إنهن من أسرة محترمة جدا وجميلات , وكلما تهور علينا ابني هذا أنظر إلى بناتي بحسرة ونظل نبكي معا حتى يغادر البيت وكثيراً ما تركت البيت هرباً منه وذهبت إلى بيوت جميع أقاربي لعلِّي أجد أحداً يحل لي هذا الإشكال , ولكن بلا فائدة لأن ابني لا يعمل حساباً لأحد ولا يريد أن يتنازل عن مطالبه وهو للأسف يكرهني جداً منذ طفولته المبكرة .
إنني أتعذب أنا وبناتي ونصاب بالرعب حين يرفع صوته علينا ويسمعه الجيران وقد أصبحت البنات يهرعن إلى الفراش إذا سمعن صوته قادماً إلى البيت ويتظاهرن بالنوم رعباً منه وزوجي عاجزاً عن أن يفعل شيئاً معه , وأنا مرضت بالضغط والسكر وطلبت من زوجي الطلاق لكي آخذ بناتي ونعيش معاً في أي مكان وحدنا لكي نستريح مما نعانيه وأرجو أن تشير علي بما أفعل لكي أتخلص من هذا العذاب بشرط ألا تنصحني بأن أبلغ عنه الشرطة لأنه ابني الوحيد وإنني أموت ولا أشهد مثل هذا اليوم .
وحبذا لو تطوع أحد قرائك من أهل الإسكندرية بأن يوجد لنا شقة ولو من حجرة واحدة لأعيش فيها مع بناتي وحدنا بشرط أن يكون صاحب البيت قادراً على حمايتنا من الولد الذي يتتبعني أينما ذهبت ويطمع في أي شيء نملكه بحجة أنه ولد وحيد وستؤثر تصرفاته على زواج البنات رغم أني أدعو له بالهداية وكل ذلك بسبب التدليل في الصغر .. ولا حول ولا قوة إلا بالله .
ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
لا يملك المرء بعد أن يقرأ رسالتك إلا أن يردد معك متألماً : لا حول ولا قوة إلا بالله , لكن العقل يتمرد بعد ذلك سائلاً : وماذا كان زوجك ينتظر من ابن درَّبه وهو طفل صغير على أن يعتدي على أمه بالضرب وعلى ألا يهنأ ويكف عن البكاء إلا إذا رآها تبكي أو تتظاهر بالبكاء أمامه ؟
لقد ساهم الأب بتربيته الخاطئة له وبتدليله والاستجابة دائماً لكل ما يطلبه في إثقال الحياة بكائن جديد اعتاد الأخذ من الآخرين دائما وليس قادراً على العطاء المادي أو المعنوي لهم .
وأخشى أن أقول أنك قد شاركتِ زوجك في هذه الجريمة .. لقد كان ابنك يتوسل لنيل ما يريد وهو طفل بالبكاء .. فأصبح يتوسل لنيله الآن بالضغط المعنوي والجسدي عليكم جميعاً , ولأن العالم الخارجي ليس فيه من هو على استعداد لأن يقابل عدوانه بالانكماش أمامه باكياً أو متظاهراً بالنوم فهو يخصكم وحدكم بإرهابه وبالنوبات العصبية الغريبة التي يفتعلها مطمئناً إلى ضعفكم أمامه وإلى عدم احتمال تعرضه لأي ردع يعاقب عليه , والمؤسف حقاً أننا لا نتذرع بالعصبية الشديدة للعدوان على الآخرين إلا مع الأعزاء الذين نعرف تماماً أنهم سوف يتحملوننا ويصبرون علينا , أما مع الآخرين الذين يبطشون بنا فإننا نعرف جيداً كيف نتحلَّى معهم بالحكمة وضبط النفس ولا غرابة في ذلك لأن القدرة على الأعزاء .. والعجز في مواجهة الغرباء هو الجبن بعينه وابنك هذا طفل خائر الإرادة أمام رغباته وأخشى أن يكون قد استسلم لما سلبه هذه الإرادة وحوله إلى وحش أناني لا يرى إلا مطالبه ونفسه فقط ولا يستشعر واجباته الإنسانية والعائلية تجاهكم .
أما مطالبتك بالطلاق .. ورغبتك في هجر البيت مع بناتك واللجوء إلى حماية صاحب بيت شهم فليست حلاً لمشكلة هذا الابن ولا لمشكلتك , وإنما الحل هو مواجهته بكل سبل المواجهة الممكنة ورده عن تجاوز الحدود التي ألزم بها الله الأبناء في تعاملهم مع أمهاتهم وشقيقاتهم , ولست أتصور أنكم قد استنفدتم كل طرق المواجهة العائلية معه .. فإن كنتم فعلتم فإن تهديده – إن لم يرتدع – بالسلطة الوحيدة التي تستطيع ردع أمثاله يصبح للأسف هو الحل الوحيد لمشكلته .. إنني أعرف أنه أمر شديد الإيلام للنفس وان الاعتبارات العائلية والاجتماعية تفرض علينا في كثير من الأحيان النأي بهذه النزاعات عن تدخل الشرطة تجنباً للفضائح أو تخوفاً من العواقب , لكن ماذا نفعل مع ابن يعتدي على أمه بالضرب والسب كل يوم وفشلت معه كل طرق الهداية والإرشاد والتعامل بالحسنى ؟
إن من ينجرف إلى هذه الخطيئة لا يجدي معه فقط أن نخاطب عقله ودينه ونطالبه بأن يرعى حدود ربه مع أسرته أو أن نذكره بما سوف يناله من عقاب أليم في الدنيا وفي الآخرة جزاء لما يفعل ولا أن نذكره بأن من يعقَّ أبويه يعقه ولده في المستقبل كما نفعل مع الأسوياء .
لا يا سيدتي لا يجدي مع أمثاله شيء من ذلك وإنما يجدي معه أن نذكره بأننا لن نتحمل منه أكثر مما احتملنا , وبأننا إن لم نجد من الأهل والأقارب من يستطيع أن يتصدى له بالقوة ويرده عن الاعتداء على الضعفاء منا , فإنه لن يكون لنا خيار إلا التغاضي عن كل الاعتبارات العائلية التي تشل إرادتنا معه ونلجأ إلى سلطة المجتمع التي تنظم علاقات أفراده وتمنع عدوان بعض أفراده على الآخرين , وأتصور أنه إذا تيقن تماماً من صدق هذا التهديد وجديّته فإنه سيفكر ألف مرة قبل أن يرفع يده الآثمة على من ينبغي أن يخفض لها جناح الذل من الرحمة , ولن يتمادى في إرهابكم وإكراهكم جسديًّأ ونفسيًا على ما لا تريدون ..ذلك أن اكبر مشجع له على التمادي فيما يفعل هو اطمئنانه الراسخ إلى ضعفكم العاطفي تجاهه , وإلى احتمالكم لكل ما يفعله بكم كأنه قدر لا حيلة لكم فيه وإني لعلى استعداد لمساعدتك في هذا الأمر إذا اضطررتم للجوء إليه كحل أخير وفي الحدود الآمنة التي لن تؤثر على مستقبله بإذن الله وإنما تحميه من شر نفسه وتدق له جرس الإنذار الذي يذكره بأن لكل شيء حدوداً ولكل احتمال نهاية ففكري في الأمر طويلا واكتبي إليَّ بما تريدين .
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر