نداء القلب .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1988

 نداء القلب .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1988

نداء القلب .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1988

 

إنني من المؤمنين دائماً بأهمية موافقة الأهل على الزواج.. ومن المؤمنين دائما بسمو منزلة الأب ومسئوليته عن أبنائه .. والرسول الكريم الذي ينهى عن عقوق الأبناء للآباء ويطالبنا دائما بأن نعرف للأب حقه وفضله هو نفسه من يقول: رحم الله والدا أعان ولده على بره .. أي أعانه على أن يكون بارا به  بعدله معه وبرحمته له.

عبد الوهاب مطاوع


أنا شاب أبلغ من العمر 29 عاما ، كان أبي موظفاً بسيطاً يعيش في وئام مع أمي ويرعى أسرته المكونة مني ومن شقيقي الأصغر، وشقيقتي الصغرى، فعشت طفولة عادية تعلمت فيها من أبي الاعتماد على نفسي فى كل شىء، فلقد كان يقوم بإصلاح الكهرباء وأعمال السباكة والنجارة في البيت، ويحتفظ بأدوات كل ذلك، ومنه تعلمت من صغري أعمال الكهرباء، ومضت حياتنا عادية إلى أن ضاق بنقص الإمكانيات فسوى معاشه المبكر وهاجر إلى إحدى الدول العربية ليعمل هناك على أمل أن يستقدمنا إليه فغاب سنة لم تنقطع عنا خلالها رسائله ولا نقوده .. ثم سنة أخرى تباعدت فيها الرسائل والنقود، ثم سنة ثالثة انقطع فيها كل شىء، وعادت إلينا الرسائل لعدم الاستدلال إلى المرسل إليه.. وحارت أمي في البحث عنه فمن قائل إنه هاجر من هذا البلد إلى بلد آخر، ومن قائل أنه غير عنوانه وتزوج وأنجب .

 

ولولا المعاش الذي تقبضه أمي بتوكيل منه لهلكنا من الجوع.

وبدأنا نستسلم لليأس من عودته أو عودة رسائله.. وعجز المعاش الصغير عن تلبية مطالبنا، وكنت في السادسة عشر من عمري حين وجدت نفسي مسؤلا عن أسرتي، فحملت أدوات الكهرباء البسيطة ونزلت إلى محل الكهربائي القريب من بيتنا، وقابلت صاحبه وشرحت له ظروفي وطلبت منه السماح لي بالوقوف أمام محله 3 ساعات كل يوم لألبي طلبات إصلاح الكهرباء في المنازل على أن يستفيد هو بثمن الأدوات التي تشترى من محله، ورحب الرجل بى وبدأت حياتي العملية في هذه السن المبكرة، وأصبحت أخرج من المدرسة فأتناول الغداء ثم أنزل إلى المحل وأعود في السابعة فأذاكر حتى العاشرة وأنام، وأسهم عملي الجديد في تيسير حياتنا بعض الشىء، فأصبحنا نشتري الملابس الضرورية وندفع إيجار الشقة بانتظام، ولم أعان صعوبة كبيرة في الدراسة فانتقلت إلى الثانوية العامة وضاعفت من ساعات المذاكرة مع العمل حتى كدت أهلك في أيام الامتحانات، وكلل الله مجهودي بالنجاح فيها بمجموع ضعيف، ولم يقلل ذلك من فرحتي ولا من فرحة أمي بهذا النجاح في مثل ظروفي.

 

أما صاحب المحل فقد استقبلني بعد ظهور النتيجة بتوزيع زجاجات المياه الغازية على جيرانه احتفالاً بنجاحي، وقبلني فخورا، فدمعت عيناي من التأثر وأنا أرى من لا تربطه بى صلة الدم سعيداً بى، ومن أنجبني من صلبه لا يهمه من أمري شيئاً نجحت أم رسبت.. جعت أم طعمت، لكني على أي حال كنت قد رضيت بنصيبي من زمن طويل، ورشحني مجموعي للالتحاق بمعهد فوق المتوسط فرحبت بذلك لأن يختصر المشوار ويعطيني شهادة تدفع عني شر الحاجة عند الضرورة، وأقبلت على دراستي بنشاط، وفى إحدى المحاضرات انقطع النور عن القاعة وطلب الأستاذ إحضار المختص، فتقدمت من فوري وتطوعت لإصلاحه ونفذت ذلك بالفعل في دقائق، فسألني كيف اكتسبت هذه الخبرة، فرويت له قصتي فعبر عن إعجابه بى.. وجعل مني مادة للحديث في المحاضرة مؤكدا أن من يستطيع أن يقوم بأعمال الإصلاح البسيطة هو إنسان متحضر يعتمد عليه، وجعلني هذا الحديث معروفاً بين زملائي بخبرتي بالكهرباء وإصلاح الأجهزة الدقيقة.

 

 وذات يوم اقتربت مني طالبة وعرضت علي جهاز تسجيلها الذي تحمله في المحاضرات وطلبت إصلاحه فكان ذلك بداية لصداقة جديدة بيني وبينها.

واستمرت هذه الصداقة طوال العام الأول، وفى منتصف العام الثاني تحولت إلى ارتباط عاطفي عميق، وسألتني عن ظروفي فقصصت عليها كل شىء بصدق، وعرفت منها إنها ابنة موجه بالتعليم قارب سن المعاش.

وتخرجنا في المعهد هي بتفوق وأنا بدرجات متوسطة لانشغالي بعملي الذي يعول أسرتي، واستمرت علاقتي بها بعد التخرج عن طريق تليفون المحل، وفى لقاءات متباعدة، وبدأنا نفكر في المستقبل فطالبتني بالتقدم لها، واستشرت أمي فأشفقت علي من الرفض لأني غير جاهز، لكني استخرت الله وذهبت إلى مقابلة أبيها، وشرحت له كل ظروفي، وأني أكسب ما يعين أسرتي على الحياة وما يسمح لي بإدخار البعض لتكوين مستقبلي، وقلت له أنني أستطيع الزواج في شقة أمي الواسعة وأستطيع أيضاً الحصول على شقة خلال 3 أو 4 سنوات، فوعدني بالتفكير والرد، وفى الموعد المحدد ذهبت إليه ففوجئت يتحدث معي في موضوعات عامة، ثم يطلب مني فجأة تغيير بعض أسلاك الكهرباء التالفة في بالشقة .. فقمت بذلك عن طيب خاطر، وانصرفت بلا رد شاف، واتصلت بى فتاتي تتعجلني لمقابلة أبيها مرة أخرى، لأن أحد أقاربها قد تقدم لها، فذهبت إليه من جديد.. فإذا به يطلب مني إصلاح الثلاجة فأصلحتها وانصرفت بلا طائل.

 

 واستمرت الحال على هذا المنوال طوال سنة كاملة أذهب إليه فلا يرفضني ولا يقبلني ويطلب منى إصلاح أعطال الكهرباء في شقته أو النجف.. أو الأباجورة.. إلخ.

ورأيت الإشفاق في عين أمي، لكني لم أيأس وأفرغت همي في العمل وفي الدخول في مقاولات صغيرة لأعمال الكهرباء وفى تلبية مطالب إخوتي، وأخيرا اتصلت بى فتاتي لتبلغني أن أباها وأمها يرفضانني لأني غير جاهز بالشقة، وأعبائي الأسرية كبيرة ولعدم وجود أبي.

وتعجبت من أن يكون غياب أبي سببا أحاسب عليه، وأنا ضحية لهذا الغياب ولست مسئولاً عنه.. لكني استسلمت لقدري ووعدت فتاتي بألا أيأس وبأن أبني حياتي لأكون جديرا بها.

وفى هذه الأثناء نجحت بمعجزة في الحصول على وظيفة بإحدى المدن الجديدة القريبة من القاهرة، كان شفيعي الأول فيها هو خبرتي بالكهرباء رغم شهادتي النظرية، وبعد شهور تسلمت شقة جميلة من غرفتين وأثثتها بأثاث بسيط، واشتريت (فسبا) للتنقل بين مقر عملي وبين أسرتي التي أتحمل مسئوليتها.

واتصلت بى فتاتي تطلب مني التقدم مرة أخرى، فقلت لها إنني جرحت بما فيه الكفاية وأني لن أتقدم لها إلا إذا ضمنت لي القبول وطالبتها بتحمل مسئوليتها في الدفاع عن سعادتنا، فقالت لى إنها واقعة تحت ضغط أسرتها لقبول قريبها وهو تاجر ميسور وجاهز بالشقة، وأنها تطالبني أنا بالتحرك.

 

 فاستجمعت إرادتي وتنازلت عن كرامتي وذهبت لمقابلة أبيها، وبعد الأحاديث التقليدية هممت بالدخول في الموضوع فإذا به يطالبني بفحص التليفون لأنه كذا..وكذا.. فقاطعته بأدب وقلت يا سيدي إنني لم أحضر إليك لأتحدث عن التليفون، وإنما عن ابنتك فأنا وهى متحابان منذ 5 سنوات، وأنا شاب مكافح كان أبي موظفا مثلك وأسرتي شريفة، وإن كانت بسيطة وأنا موظف ولي نشاط خاص اكتسب منه ما يكفي لتحمل مسئولية أسرتي ورعاية ابنتك.. فلماذا تحرمنا من حقنا في السعادة؟!

فبدأ يتحدث.. ويؤكد لى أنه يقدر ظروفي لكنه أب ومن واجبه أن يطمئن على ابنته، وأن يوفر لها الأمان، ثم راح يعدد لى أسباب الرفض على أصابعه كأنه يلقى درساً في المدرسة.. وكل أصبع يشير بها تنغرس فى قلبي كأنها خنجر مسموم.. وفى النهاية غادرت بيته مطعونا في قلبي وفى كرامتي ومشلولا بالقهر والعجز.. وذهبت إلى بيت أمي وكانت النتيجة واضحة على وجهي فلم تسألني.. ولم تناقشني حين قلت لها إني سأقيم في الشقة الجديدة بصفة مستمرة وإن عليها أن تأتي مع أخوتي كل خميس لزيارتي، واعتزلت الدنيا في هذه المدينة الجديدة عدة شهور لا أذهب إلى القاهرة وكلما جاءت أسرتي تسقطت من شقيقي الذي حل مكاني في محل الكهرباء أخبار فتاتي، فيقول لي أنها تسأل عني كل يومين في التليفون، وإنها قد استسلمت في النهاية فقبلت خطبة قريبها.

 

وبعد شهور أخرى قال لي شقيقي أنها اتصلت به وأبلغته أن خطبتها قد فسخت لعدم التوافق، وإنها تطالبني بالتحرك من جديد، لكني بعد أن سمعت حيثيات الحكم بإعدام حبي على أصابع أبيها، لم أكن على استعداد لأن أتعذب من جديد بأمل كالسراب، وتفرغت تماما للعمل ولمقاولات أعمال الكهرباء الصغيرة.. وذات صباح كنت أباشر إحدى العمليات في المدينة حين جاءني عامل وأنا معلق فوق سلم عال وقال لى : (فيه ناس عايزينك يا بشمهندس)، فنزلت لأجد فتاتي واقفة أمام المبنى في يدها حقيبة صغيرة.. تنظر إلي في انكسار.. وعتاب واندفعت أرحب بها وأحمل عنها الشنطة وأمسكت بها وسرنا في الطريق إلى المبنى الإداري، وجلسنا فى مكتبي وقبل أن أسألها عن شىء انسابت دموعها.. وانسابت معها دموعي ومضت دقائق طويلة قبل أن نتمالك أنفسنا ونتحدث عما جرى، وعرفت أن خطيبها هو الذي فسخ الخطوبة بعد أن استشعر جفاءها وعدم رغبتها فيه.. ثم طلبت مني في النهاية أن استدعى المأذون وأن أعقد قراني عليها لأضع أسرتها أمام الأمر الواقع، وأن هذا هو الحل الوحيد لقصتنا معا.

 

وأكدت لها أني لن أفرط فيها مهما حدث.. وقد عانيت جحيم فقدها وذقت مرارته.. لكني أرفض أتزوجها على غير رغبة أهلها وسأعيدها إلى بيتها.. وأقابل أبيها وسأطلبه للمرة الأخيرة بقبول ارتباطي بها.. بالطريقة الطبيعية لأنها أكرم له ولي ولأسرتينا، وإذا أشار إلي بأصابعه أو حدثني عن التليفزيون فسوف أحطمه فوق رأسه.

فانهارت حبيبتي وبكت واتهمتني بالتخلي عنها ونهضت غاضبة تريد أن تركب الأتوبيس فأسرعت وراءها وأصررت على أن أوصلها ( بالفسبة).. فقبلت مرغمة وهى ساخطة وترفض الحديث معي طوال الطريق.. ولا تجيب علي سوى بكلمة واحدة وهى يا خاين، ثم تركتني إلى بيتها وهى تقسم لى إنها سترفضنى إذا وافق أبوها علي.

إنني أكتب إليك هذه الرسالة من القاهرة وقد حصلت على أجازة من عملي لأنهي هذا الموضوع، وأسألك هل أخطأت حقاً يا سيدي برفضي عقد قراني عليها بغير رضا أهلها.. وهل كنت جبانا كما تتهمني فتاتي.. وهل سيوافق أبوها على قبولي بعد كل ما جرى.. ولو وافق هل ستنفذ حبيبتي قسمها.. وترفضني حقا كما توعدتني؟


 

ولكاتب هذه الرسالة أقول :

 

لا يا صديقي لم تخطيء حين رفضت أن تضع أسرة فتاتك أمام الأمر الواقع، وأن تنهي عذابك الطويل بهذه الطريقة .. فلقد تصرفت بدافع قوى من إحساسك بالمسئولية العائلية، فرفضت لفتاتك ما لا تقبله لشقيقتك، وأبيت أن تضع أباها في الحرج الذي لا ترضاه أنت لنفسك إذا وضعتك فيه ظروف مشابهة، مع إنك لو استجبت لرغبتها لما لامك كثيرون بعد كل هذا الكفاح من جانبك لتنال فتاتك، وكل هذا التحجر من جانب أبيها، لكنك اخترت الحسنى و التصرف النبيل وهذا هو قمة الإحساس بالواجب والمسئولية عمن تحب، ويبدو يا صديقي أن تحملك لمسئولية أسرتك منذ الصغر قد أكسبك نضجاً وعقلانية يفوقان سنك بمراحل فهل مثلك يرفضه العاقل؟ وهل من المنطق أن تحرم من فتاتك وتحرم هي منك وأنتما تكافحان منذ 5 سنوات لنيل موافقة أب يرى غضاضة في قبولك لظروفك العائلية، ولا يرى أية غضاضة في استغلالك وتكليفك بإصلاح أجهزته المنزلية وتحدثه عن ابنته فيحدثك عن أكباس الكهرباء.

 

إنني من المؤمنين دائما بأهمية موافقة الأهل على الزواج.. ومن المؤمنين دائما بسمو منزلة الأب ومسئوليته عن أبنائه، بل ولعلي من المعجبين أيضاً بما تعطيه الفلسفة الكونفوشية من منزلة للأب فى الأسرة ترفعه إلى منزلة الإمبراطورية فى الدولة، لكن هذه الإمبراطورية لابد أن تقوم دائما على دعائم من الرحمة والعدل والفهم لمشاعر الأبناء وتقديرها، لكي يستحق الأب منزلته فيها ولكيلا تنهار هذه الامبراطورية من أساسها.. ويشق عليها رعاياها عصا الطاعة.

والرسول الكريم الذي ينهى عن عقوق الأبناء للآباء ويطالبنا دائما بأن نعرف للأب حقه وفضله هو نفسه من يقول: رحم الله والدا أعان ولده على بره. أي أعانه على أن يكون بارا به  بعدله معه وبرحمته له، وما فعله أبوها معها ليس من الرحمة ولا من العدل فى شىء، فرغبة ابنته فيك صادقة، وليس من العقل أن نحرم أبناءنا من السعادة ونحن نتصور أننا بذلك نحققها لهم، ونحن لا نستطيع مهما أوتينا من الحكمة أن نحس بمشاعرهم ولا أن نختار لهم ما لا يقبلون.. فلماذا هذا العذاب وطريق السعادة واضح ؟

 

إنك لست جباناً يا صديقي كما تتهمك فتاتك في غضبها، بل أنت شجاع شجاعة العقل والقلب معاً. فاذهب إلى أبيها للمرة الأخيرة وأرو له كل ما حدث بلا مواربة.. وقل له أنك كنت تستطيع أن تضعه أمام الأمر الواقع لكنك رب أسرة مثله ولا تقبل له ما لا تقبله لنفسك، لذلك فقد فضلت أن تأتي البيوت من أبوابها.. فإما أن يوافق للمرة الأخيرة.. وإما أن تصبح أنت في حل من أي تصرف تراه مناسباً للجمع بينك وبين فتاتك، وهي في النهاية لن تعدم الوسيلة لتحقيق رغبتها.. ولا أنت كذلك، فإن استجاب لك كما ينبغي لعاقل أن يفعل، كان بها.. إما إذا رفض من جديد وحدثك عن التليفزيون فأنت في حل من أن تحطم التليفزيون والثلاجة أيضاً فوق رأسه المتحجر.. والله معك.

 

أما قسم فتاتك برفضك إذا قبلك أبوها.. فلا تخش شيئا منه فهو ليس سوى انفعال عابر عن ضيقها وقنوطها، فهي فى ضيق أشد من ضيقك وسوف تكفر عن حنثها باليمين حين تتحقق الأحلام، وستكون أسعد الناس بأداء الكفارة ودفع هذا الثمن البسيط مقابل أن يجمع الله بينكما بعد طول انتظار.

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1988

شارك في إعداد النص / ياسمين عرابي

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات