الحبال الواهية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

 

الحبال الواهية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

 الحبال الواهية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995


أسوأ ما يفعله الإنسان هو أن يكرر مع الآخرين ما سبق أن بكى منه بمرارة حين ارتكبه البعض ضده من قبل!

عبد الوهاب مطاوع

 

أنا طبيبة شابة عمري ثلاثون عاما ، وقد سبق أن كتبت لك من قبل لأستشيرك بشأن أستاذي الأستاذ الجامعي الذي كنت أعد رسالتي العلمية تحت إشرافه ، والذي كنت أعتقد انه معجب بي ويريد الارتباط بی، فنما حبي له تحت السطح وتعملق حتى تمكن مني تماما وهو يشجعني ويقربني إليه ولكن دون أن يتورط معي في كلمة أو عبارة صريحة تحسب عليه أو أستطيع تفسيرها کوعد منه بالارتباط بی.

وقد نصحتني وقتها بالابتعاد عنه وقلت لي إنه لا يحمل لي أية مشاعر عاطفية ولا يفكر في الارتباط بي ذات يوم لكنه كأي رجل يسعده أن يجد من يحبه ويتعلق به . وقلت لي أيضا أنه ليس من الأمانة أن يوهمني بما لا يعتزم الإقدام عليه حتى يحتفظ بحبي وتعلقي الشديد به إلى مالا نهاية مما يضيع علي فرصتي في السعادة مع غيره وقد أثبتت إلي الأيام صدق حكمك بعد شهور ، فلقد جعل أستاذي مني أضحوكة بين زملائي وتحدث ساخرا عن غرامی به وسخر منه ومني بلا رحمة أمام بعض الزملاء فتركت الماجستير التي كنت أعدها تحت إشرافه وانتقلت بها إلى جامعة أخرى ، وعانيت من الألم النفسي ما كاد يدمرني ويشوه كل أفكاري عن الحياة .

 

ومررت بفترة عصيبة من حياتي إلى أن بدأت أتماسك من جديد وأغير كل حياتي فانتقلت للعمل في مستشفى جديد لا يعمل به هذا الأستاذ الجامعي ولا يتعامل معه حتى لا يتصادف أن أراه أو يراني وتفرغت لعملي ولرسالة الماجستير ولحياتي العائلية حتى بدأت أنسى ما تعرضت له من مهانة وإيلام في تلك الأيام العصيبة ، إلى أن جاء يوم وحدثت مشكلة طارئة في المستشفى بشأن معمل التحليل الخاص به، وكلفتني إدارة المستشفى بالتحقيق فيها وحلها ، فقمت بزيارة المعمل عدة مرات وتحدثت إلى كل العاملين به فلفت نظري شاب يحمل مؤهلا متوسطا يعمل فنيا للتحاليل ولمست فيه الأمانة والجدية والاستقامة ، وقد حصل على رقم تليفوني واتصل بي في البيت وأبلغني بما حرص غيره من العاملين بالعمل على إخفائه عني وأبدى لي استياءه من عدم الأمانة والتسيب .

 

وكثرت اتصالاته بی من حين لآخر ليبلغني بما يهمني أن أعرفه وعلمت منه أنه حاول الاستذكار من جديد للحصول على الثانوية العامة بمجموع يؤهله للانتساب إلى إحدى الكليات الجامعية ، وبعد فترة من التعامل اليومي معه وجدت نفسي أعرض عليه مساعدته في مادتي الكيمياء والطبيعة وتكرر لقاؤنا في مكتبي بالمستشفى حتى تأكدت من إعجابي بأخلاقه .. لكن أبي أنزعج من اتصاله بي في البيت لطلب مساعدتي له في دراسته. وقال لي أنه ليس من مستواي الثقافي أو الاجتماعي وطالبني بعدم الاتصال به واحترمت رأي أبي . ولكن هذا الشاب طلب مني بعد ذلك كتابا في الكيمياء كنت قد أشرت له عن وجوده لدي فقدمت له الكتاب وفوجئت به يصر على أن يهديني كتابا في الأدب اشتراه خصيصا ليكون ردا على هديتي له، وأخذت منه الكتاب شاكرة فوجدت بین صفحاته رسالة قصيرة مهذبة يسألني فيها هل هناك أمل ولو بنسبة واحد في المليون في أن أبادله مشاعره ذات يوم ويقول لي أنه إذا كان الجواب بالنفي فإنه لن يتصل بي مرة أخرى وسوف يترك العمل بالمستشفى ويبحث عن عمل آخر كما يرجوني أيضا في هذه الحالة أن أعفيه من اتصالي به حتى لا يتعلق بحبال الأمل الواهية إلى ما لا نهاية.

 

والمشكلة التي أواجهها الآن يا سیدی هي أنني أريده بالفعل ولكن بعد أن يصل إلى المستوى الذي لا اضطر معه إلى الدفاع عن ارتباطي به أو تبريره لأسرتي أو للآخرين وهذا المستوى يبدأ بنجاحه في الثانوية العامة وانتسابه إلى إحدى الكليات الجامعية وهو على استعداد لأن يفعل أي شي وكل شيء متاح أو مستحيل لإرضائي ، كما أنه يحبني حبا جارفا يخيفني وأخشى أنه إذا لم يوفق في الحصول على الثانوية العامة أن تضيع فرصه معي مما سوف يسبب له بكل تأكيد أزمة نفسية شديدة . كما أني إن توقفت عن إعطائه الأمل في إمكان الارتباط بی ذات يوم وعن الاتصال به فلسوف يترك عمله أو يهمل دراسته .. فماذا أفعل ؟

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :

أسوا ما يفعله الإنسان هو أن يكرر مع الآخرين ما سبق أن بكی منه بمرارة حين ارتكبه البعض ضده من قبل ! ويبدو يا آنستي إنني مضطر الآن لأن أقول لك "عنك" ، ما سبق أن قلته لك عن أستاذك الجامعي الذي استمتع بحبك له عدة سنوات كان خلالها يشدك إليه بحبال الأمل الواهية كلما ارتخت أو بدا له أن مشاعرك تجاهه قد فترت أو أن اليأس منه قد بدأ يتسرب إلى نفسك ، ولست اتهمك بأنك تفعلين بهذا الشاب ما سبق أن فعل بك الأستاذ الجامعي عمدا أو عن وعي کامل بما تفعلين ، لكني أتصور أن عقلك الباطن هو الذي يدفعك بغير وعي غالبا إلى محاولة تجربة هذا "الإحساس" الذي طالما ارتوى منه أستاذك السابق معك فاشتقت إلى تذوقه ومعرفة كنهه .. وهو إحساس "المحبوب" المسيطر الذي يتفانى أخر في السعي لنيل حبه وإرضائه بعد أن جربت طويلا إحساس المحب الذليل ضعيف الإرادة مع من يحب.

 

ومن سوء حظ هذا الشاب أنه قد صادفك بعد اجتيازك لهذه المحنة المؤلمة ، فأتاح ذلك لعقلك الباطن الفرصة لإجراء هذه التجربة العكسية معه والتعرف على ما يشعر به الطرف الآخر فيها .. فكأنما تريدين بغير أن تعرفي بماذا كان يحس أستاذك السابق وأنت تذبحين قرابين الحب بين يديه ولست أتهمك بسوء النية ولا بالرغبة في إيلام هذا الشاب الطيب في كل ذلك .

لكني أقول لك فقط إنك تكررين معه نفس التجربة التي آلمتك وتركت بصماتها الغائرة على شخصيتك وحياتك حتى تركت عملك ورسالتك وانتقلت بهما إلى مجال جديد . كما أقول لك أيضا إنك لا تحملين لهذا الشاب من المشاعر العاطفية جزءا من المليون مما يحمله لك هو من أحاسيس نقية وجارفة حتى ولو حملت له بعض الإعجاب بأخلاقياته.

لهذا كله فإن فرصتك معه ضعيفة للغاية ورهينة بعوامل وظروف تعليمية واجتماعية ليست تحت سيطرتك ولا يتسع العمر لتداركها بعد أن بلغت الثلاثين من عمرك ، ولو كنت قد استشعرت من رسالتك حبا صادقا حقيقيا لهذا الشاب لنصحتك بأن ترفعي من مستواه الثقافي والاجتماعي وتكملي معه المشوار الطويل رغم ما يكتنف ذلك من صعوبات وتعقيدات اجتماعية أنت في غنى عنها، لكني للأسف لم استشعر في حديثك عنه هذا " الحب الباني"  الذي يبني الطرف الآخر ويرتفع به إلى أقصى ما تسمح به قدراته وملكاته من درجات ، وإنما ألمس فيها فقط إعجابا بشخصيته لا يكفي وحده لتجاوز ما بينكما من تفاوت ثقافي واجتماعي كما ألمس فيه أيضا شيئا من التعويض النفسي الذي تستشعرينه وتستمدينه من حب هذا الشاب الجارف الذي أعاد لك بعض اعتبارك وثقتك بنفسك وإحساسك المفقود بالجدارة ، وهذان العاملان لا يكفيان وحدهما لبناء حياة سعيدة وواعدة بالأمان والاستقرار على المدى الطويل يا آنستي.

 

لهذا فإني أنصحك بأن تطلقي سراح هذا الشاب من أسر حبه لك قبل أن يتمادى في الحلم والأمل في نيلك والفوز بحبك ، وقبل أن تتضاعف الآثار النفسية المؤلمة لانهيار البناء بعد أن يكون قد ارتفع وعلا وناطح السحاب ، ولن يكون ذلك صعبا عليك الآن إذا حرصت على احترام مشاعر هذا الشاب وكرامته .. وتوقفت عن بث الأمل في نفسه ولسوف يكون ذلك مؤلما وجارحا إذا تأخر كثيرا عن موعده أو إذا تم بطريقة قاسية تؤلم المشاعر أو تؤذي القلوب البريئة .. فلا تترددي أمام هذا ولا ذاك .. وشكرا .

 

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1995

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات