قبل الشروق .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1987

 قبل الشروق .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1987

قبل الشروق .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1987

أطالب كل شاب راغب في الزواج رغم معارضة الأهل بأن يثابر أولاً على محاولة نيل رضاهم.. وأن يبذل كل ما في طاقته لتحقيق ذلك.. وأقول دائماً : قد يدرك المتأني بعض حاجته .. وأن المسالة تحتاج فعلاً إلى (جهاد) ، لأن رمز الأب يستحق كل هذا وأكثر.

عبد الوهاب مطاوع


صديقي .. أرجو أن تسمح لي أولا بأن أدعوك بصديقي رغم أنني لا أعرفك، لأنه سبق أن أرسلت إليك منذ عدة شهور رسالة بمشكلتي اطلب رأيك فيها، وقرأت ردك المختصر عليها في باب ردود خاصة، ونفذت ما أشرت علي به، وعاهدت نفسي أنه لو تحقق أملي أن اكتب لك عن تطورات قصتي لعلها تنفع غيري من الشباب.

 

أما قصتي أنى كيميائي عمري 29 سنة جئت إلى القاهرة منذ 11 سنة لالتحق بالجامعة .. فنزلت إلى العاصمة الكبرى لأول مرة في حياتي من مدينتي الصغيرة جدا في الصعيد، وسكنت في شقة من غرفتين وصالة في حي بين السرايات القريب من الجامعة، وانتظمت حياتي بين الكلية وبين المسكن الصغير وكان أبى يزورني في القاهرة كل شهرين أو ثلاثة شهور فيمضى معي عدة ليال.

وكانت وصاياه المستمرة لي هي أن أرعى الله في غربتي .. وكنت حقا وصدقا ملتزما بذلك بأمانة.. وحافظت على استقامتي هذه طوال سنوات الدراسة حتى تخرجت في الكلية، ووفقني الله في الحصول على عمل في القاهرة.

 

وخلال السنة الأخيرة من دراستي كانت استقامتي وطول العشرة قد خلقا بيني وبين جار لي في البيت الذي أقيم فيه نوعا من الألفة والاحترام المتبادل.. فأصبحنا يحيى كل منا الآخر إذا التقينا على السلم، بعد أن ظل يتجنبني 3 سنوات نفورا منى لأني طالب أعزب، ثم شيئاً فشيئاً خلقت هذه العشرة نوعاً من الألفة مع ابنيه الطالبين بالمدرسة الإعدادية، ثم شيئا فشيئاُ بيني وبين ابنته الوحيدة الطالبة بكلية التجارة.. حتى أصبحنا نتبادل التحية على السلم.. ثم بعد فترة من الشرفة.. ثم لم اشعر بنفسي إلا وأنا اشعر بحب عظيم لها.. وهى تبادلني نفس الشعور، فتعاهدنا بعد فترة على أن أتقدم لخطبتها فور تخرجي.

 

ولأن أبى رغم شدته وتحفظه قد رباني على مصارحته بكل شيء لأنه رجل متنور ومتعلم درس في صغره بالأزهر، لأنه كذلك، فلقد فكرت أن أصارحه بالأمر كله .. لكني ما إن اقتربت من الموضوع حتى فاجأني بأنه غير موافق بالمرة على زواجي قاهرية لا نعرفها ولا تعرفنا، وأنه قبل مضطرا أن اعمل في القاهرة لصعوبة العثور على عمل في بلدتنا أو قريباً منها، لكنه لن يقبل أن أتزوج بقاهرية تقطع ما تبقى من روابط بيني وبين بلدتي، وأنه يفضل لي أن أتزوج من إحدى قريباتي ليكون هناك دافع قوى يربطني إلى نهاية العمر ببلدتي وأسرتي.

 

فسكت مرغماً، وقررت أن اترك الأمر للزمن، واستمرت علاقتي الشريفة بفتاتي.. ورأيت من الأمانة إلا تستمر في الخفاء أكثر من هذا.. فزرت أباها وصارحته بكل شيء.. وعرفته أن أبي عنيد لكنه متنور.. وأنه إذا تزوجت رغما عنه فقد لا يمنعني بالقوة، لكنه سوف يرفع يده عني ولا يساعدني في الزواج.. وسيتألم ألما نفسياً كبيراً لأنه لا يتصور أن أخالفه وأنا وحيده الذي يحبه حباً جماً.. فقال لي الأب أنه يرى في أنساناً مستقيماً.. وزوجاً كريماً لابنته لكنه لا يقبل على كرامته أن أتقدم إلى ابنته بغير موافقة أبي وأسرتي، ونصحني بأن أحاول معه من جديد.

 

ومضت شهور وبدأت فتاتي تقلق خصوصاً بعد أن ظهر في الأفق خطيب جديد من الأسرة، وطالبتني بالتحرك قبل أن يضيع الأمل، وسافرت إلى بلدتي، ورويت القصة لأمي وطلبت مساعدتها في أقناع أبي، فرفض بإصرار، واستعنت بعمي وهو شقيق أبي الأصغر.. وهو شريكه في الأرض المحدودة، ففشل في إقناعه، وعدت للقاهرة بالخيبة .. ورأتني فتاتي عائدا محطما وحزينا فعرفت النتيجة، لكنها لم تتخل عني ورفضت الخطيب الآخر بإصرار.. وغضب منها أبواها وخاصمها وقال لها أنها تحلم بالمستحيل لأن أبي لن يغير موقفه، أما أمها فكانت متعاطفة معها.

ورحت اكتب الرسائل إلى أبي أناشده فيها أن يعفيني من الإحساس بالذنب تجاهه، لأني متمسك بالزواج من فتاتي فرد علي بالرفض من جديد.. فسافرت إلى البلدة بعد شهرين وقابلت أخوالي الثلاثة.. وطلبت وساطتهم مع أبي .. فحدثوه جميعاً.. فلم يلن.. وعدت مرة أخرى بالخيبة.

 

وفى هذه الفترة جاء أبي إلى القاهرة ليؤدى العمرة، وذهبت أودعه في

المطار وهو محرم، وقبل أن يدخل أسوار الجمرك قلت له وأنا اقبل يده (حلفتك بمن ستضع يدك على شباكه) ألا تظلمني وأنا ابنك الوحيد.. فنظر إلي صامتا ثم وضع يده على راسي وقال لي.. (ربنا يعمل ما فيه الخير) ثم سافر.

وخلال غيابه خطرت لي فكرة اعتبرتها وقتها جنونية بالنسبة لظروفي، وهي أنه حتى هذه اللحظة لم ير فتاتي وأنه لعله يظنها (خواجاية) أو متبرجة، ولا يعرف أنها فتاة محافظة من أسرة كريمة متدينة تحترم الأب كما نحترمه تحت.. وتصلي وتصوم مثلنا، فماذا لو قدمتها إليه ليراها على الطبيعة.. أليس من المحتمل آن يغير رأيه؟!!

 

ونفذت الفكرة وحين عاد من العمرة وجدني في انتظاره، والى جواري فتاة مظهرها محترم جداً شبه محجبة، والى جوارها شقيقها الأصغر فسلمت عليه وقبلت يده، وتقدمت هي منه بعدي وسلمت عليه باحترام وهنأته بالسلامة، فرد عليها بذوق وأدب وصافحه شقيقها، وركبنا سيارة الأجرة إلى مسكني وهو صامت هادئ لا يعبر وجهه عن رفض أو قبول، وعند البيت انصرفت فتاتي وشقيقها إلى مسكنها، وصعدت معه إلى مسكني فلم يسألني عن شيء، وأمضى الليلة معي في حديث ودي، وكلما حاولت أن استدرجه للحديث عن الخطبة أو فتاتي، سكت ثم حول الحديث وجهة أخرى، وفى الصباح عاد إلى البلدة.. وانتظرت أن يرسل إلي بموافقته فلم يفعل، فكتبت إليه من جديد.. فلم يرد.. فكدت اجن، ماذا افعل يا ربي؟! إنني لم ارتكب جرماً ودخلت البيوت من أبوابها، وقد مضى أكثر من عام وأنا استرضيه واطلب موافقته بلا جدوى ولا سلطان على قلبي.. فماذا افعل لكي أحقق سعادتي وأنال رضا أبى ورضا ربى في نفس الوقت؟

 

وفي هذه الأيام بلغت أزمتي قمتها ويئست من كل شيء، فقلت لفتاتي حين تقدم لها خاطب آخر.. لا فائدة.. ابحثي عن مستقبلك.. لن يقبلني أبوك بغير أبي و أسرتي، ولن يقبل أبي بك وبأسرتك، فانهارت وبكت وقالت لي ابعد كل هذا العذاب والانتظار نضحي بكل شيء؟ ورفضت، وطالبتني بألا أيأس، واشهد لها أمام الله أنها في كل هذه المراحل لم تطلب مني أبدا أن اخرج عن طاعة أبي، وإنما طالبتني بأن أحاول، وفى هذه الفترة كتبت إليك بقصتي وسألتك النصح والمشورة، فقلت لي أنك ضد أن يتزوج الابن أو البنت على غير رغبة الأب والأم، لأن موقف الأسرة الرافض يؤثر سلباً فيما بعد بالفعل على الزواج، إذا تم رغما عنهما ولأن الإنسان لا يعيش مع زوجته وحدهما في غابة وإنما مع بشر هم أقاربهم، وأنك لا تسوغ لنفسك أن تنصح شاباً أو فتاة بالزواج على غير رغبة الأب أو الأسرة إلا في حالات نادرة، يكون تعنت الأب فيها صارخا وليس له ما يبرره من عقل أو دين أو خلق، وأنك رغم أنك ترى أن حالتي هذه من الحالات الصارخة التي تسمح لنفسك فيها بأن توافقني على الزواج بغير موافقة الأب، حرصاً على هذه الفتاة التي ارتبطت بك أكثر من ثلاث سنوات، فإنك رغم كل ذلك تطالبني بأن أحاول مرة أخرى وثانية وثالثة إلى أن يطمئن ضميرك تماما إلى أنك قد أرضيت ربك في محاولة استرضاء أبيك ونوال موافقته، فإذا رفض بعد كل ذلك. فتزوج والله مطلع على القلوب.   هذا ما قلته لي.. وهذا ما نفذته رغم كل ما عانيت، فزرته مرة أخرى وقلت له كل هذا الكلام وبكيت وأنا اطلب مباركته لزواجي لكيلا أتزوج وأنا أعاني الشعور بالذنب نحوه، فلاحظت أنه يغالب مشاعره.. وأن عينيه تدمعان وهو يعلنني للمرة الأخيرة بأنه غير موافق!

 

وكان قد مضى على تعييني ثلاثة أعوام، وكنت قد ادخرت مبلغا صغيرا وكانت فتاتي قد بدأ صبرها ينفد، فاستجمعت إرادتي وذهبت إلى أبيها، وقلت له إنني أرجوك ألا تكون أنت والدنيا ضدي.. فأنا أريد ابنتك وليس ذنبي أن أبي يرفض الموافقة بعد أن فعلت معه المستحيل، ولقد حافظت عليها أمام الله أكثر من ثلاث سنوات فماذا تريدون مني أن افعل أكثر من ذلك ولماذا تتركونا للضياع، ولماذا تحكمون على كل منا بأن يتزوج ممن لا يحبه؟

ففكر الأب طويلاً ثم قال لي : لا استطيع أن ارفض أكثر من ذلك، وقرأنا الفاتحة، وحددنا موعداً لعقد القران، وكتبت لأبي رسالة طويلة اشرح له الأمر واطلب عفوه ورضاه عني .. وأعلن له موعد القران .. فلم يرد علي.

 

فأرسلت إليه خطاباً ثانيا فلم يرد أيضاً علي .. فكتبت إلى عمى وأخوالي وأزواج شقيقاتي الثلاث اطلب منهم مساعدتي.. وأقول لهم أني لن (أزعل) إذا لم يجيئوا لأني أدرك الموقف.. فكلموه فلم يتزحزح عن موقفه.

واقترب الموعد.. فأرسلت إليه تلغرافا .. فلم يرد علي فبكيت من القهر.. وقمت للصلاة فصليت ودعوت الله أن يغفر لي ولأبي إن كنت مخطئا .. ورتبت نفسي على أني سأكون عريسا وحيدا بلا أهل في عقد القران.. وبدأت استعد له.. وقال لي صهري إنه يعرف ظروفي وأنه لن يطلب مني أي شيء فشكرته على هذا الموقف، واشتريت بكل ما معي شبكة متواضعة جدا لا تليق بخطيبتي، لكن ماذا افعل؟ وخلال اليومين السابقين للقران التف حولي أصدقائي الوحيدون من أيام الدراسة وهم أصدقاء ورجال أوفياء.. وفيهم نخوة وشهامة.. وكانوا يعرفون قصتي ويشدون أزري ويساعدنني، فراحوا يتولون أمور القران.. وبغير أن اطلب من احد شيئا.. جاءني كل منهم بما معه من نقود لاستعد بها على طلبات القران وأنفقنا كل ما معنا، وأبقينا أجر المأذون على جنب.. ثم اكتشف أحدنا وكان قد زوج شقيقته منذ فترة، أنه لابد لكل قران من علب توزع على (المعازيم) وإنها من مسئولية العريس واحترنا ماذا نفعل.. وراح كل منا يخرج ما في جيبه فلم يزد ما جمعنا على 40 جنيهاً، واحترت .. وشعرت بالعجز.. وأفلتت مني مشاعري فسقطت دمعة من عيني.. ليس حزنا على حالي، وإنما على حال خطيبتي التي يعجز خطيبها عن شراء علب الملبس.

 

فهزني أحد هؤلاء الأصدقاء وقال لي (ولا يهمك) ساعة واحدة وحيكون عندك علب الفرح .. وخرج يجرى ليركب سيارته الفولكس الصغيرة القديمة، ثم عاد بعد 3 ساعات ومعه 100 علبة من حلواني بالعتبة، علمت فيما بعد أنه باع ساعته الثمينة وولاعته الذهبية، وخاتمه لصائغ في شارع الصاغة بنصف الثمن ثم اشترى العلب وعاد إلى بين السرايات جريا.

في نفس اللحظة كان صديق آخر قد جاءني ببدلته الجديدة ، لأني لم استطع شراء بدلة مناسبة في هذه الظروف.. فارتديتها وبدأت أحاول الابتسام من جديد. وجلسوا جميعاً حولي يضحكون ويهللون وأنا اضحك معهم أحيانا.. واسرح أحيانا أخرى، وأتخيل حال أمي وحزنها علي، وحال أبي وغضبه مني فتموت الفرحة في قلبي، وكل فترة يدق الباب فنفتح لنجد أحدا من طرف بيت العروسة يطلب شيئاً أو يبلغنا بشيء.. أو يذكرنا بمن سيذهب لإحضار المأذون.. واقترب الوقت من الرابعة وبدأ أصدقائي الخمسة يستعدون للنهوض لكي نخرج معا لنذهب إلى شقة العروسة، حين دق الباب وكنت قريبا منه ففتحته، فإذا بى أرى وجها لم أتبين ملامحه في البداية من شدة انفعالي.. ثم بدأت أفيق وارى أمامي.. يا إلهي إنه أبي، أبي بعينه.. وليس غاضبا .. بل يبتسم.. يبتسم بخجل كعادته حين يكون محرجاً، وإلى جانبه عمي .. وأزواج شقيقاتي.. ثم أمي .. ثم شقيقاتي.. ثم أخوالي الأربعة، ثم 4 من أبناء عمى.. ثم.. ثم لم اشعر بنفسي إلا وأنا احتضن أبي واقبل رأسه ويده وكتفه.. وانحنيت دون وعي لأقبل قدمه.. فرفعني قبل أن أصل إليها وقبلني وتلفت حولي فإذا أنا وسط مندبة لا فرح فالجميع يبكون، أمي تبكى وشقيقاتي وأخوالي وأصدقائي، وأنا وأبي يمسح دمعته بكف يده، وهو يتظاهر بالمرح ثم أراد أن يتخلص من الموقف فقال تأخرنا على الفرح هيا بنا، ثم خرج من الشقة ونحن وراءه إلى شقة صهري.

 

ولا تتصور ما حدث حين رأوا وعلموا أن أبي قد صفح عني، ولا فرحة خطيبتي وأمها وأبيها وأخوتها بأبي وأمي وشقيقاتي وأهلي، لقد انقلب الفرح الصامت إلى فرح حقيقي ولعلعت الزغاريد من القلب هذه المرة وحين جاء المأذون تقدم أبي ووضع يده في يد صهري، وهو سعيد ودمعت عيناه وهو يقرأ صيغة العقد، وهو يقرأ الفاتحة، أما أنا فلم تجف دمعتي طوال هذه اللحظات رغم سعادتي وابتسامتي العريضة وحين جاءت لي حماتي بالشبكة الفقيرة لكي ألبسها لزوجتي نحاها أبي بيده جانباً وأشار إلى عمي فأعطاه علبة بها شبكة عظيمة فقدمها لي بفخر وقال لي: لبس عروستك شبكتها يا ولد، فكانت أحلى كلمة ولد سمعتاه منه طوال عمري، رغم أنه كثيرا ما قالها لي وأقسمت أمام الجميع أني لن أخذها إلا إذا سمح لي بتقبيل يده أولا.

 

وكانت ليلة من ليالي العمر.. وبعد القران عدنا إلى شقتي الصغيرة وسهرنا حتى وقت متأخر، وعرف أبي ما فعله أصدقائي وما فعله صهري، فازداد لهم إكبارا، وسد عني في اليوم التالي كل ما اقترضته من أصدقائي، وذهب إلى الصائغ الذي باع له صديقي ساعته وخاتمه وولاعته واستردها منه جميعا، ودفع له فيها فوق ما دفع وما أراده، وأعاده لصديقي، ودفع لي مهرا معقولا، رغم محاولة صهري الرفض أكثر من مرة، وأمرني ببياض الشقة ودفع التكاليف، وحدد مع صهري موعد الزفاف فى ابريل القادم.

 وأمضى معي يومين في القاهرة.. كانا من أجمل أيام العمر، ثم عاد مصحوباً بالسلامة مع أسرتي إلى البلدة صباح اليوم الثالث.

ولقد مر على عقد القران شهر، وأنا سعيد وعروستي سعيدة، وقررت أن تشاركنا سعادتنا بأن أروي لك ما حدث لكي أقول لكل من يواجهون هذا الموقف أنه لولا أني أرضيت ربي وضميري في استرضاء أبي طوال حوالي ثلاث سنوات، ولولا أن زوجتي فتاة طيبة ومتدينة ومن أسرة كريمة، لما سمحت لنفسي أبدا بالخروج على إرادة أبي. لأن طاعة الأب العادل العطوف من طاعة الرب، لكن القلب له أحكام ولقد نصرني الله لأني أخلصت الطاعة له وأخلصت النية في استرضاء أبى. فكان ما كان والحمد لله على ما كان وعلى ما سيجيء والسلام عليكم ورحمة الله.

 

ولكاتب هذه الرسالة أقول:

حقا يا صديقي الحمد لله على ما كان وما سيكون بأمر الله.. لقد فاجأتني رسالتك وأبهجتني كثيرا بعد أن سمحت لي الظروف بأن اعرف فصولها الأولى.

والحق أقول لك إنني لم أتصور أنها سوف تنتهي هذه النهاية الرائعة، لما لمسته من صلابة أبيك خلال تلك السنوات الماضية، فلقد كان أقصى ما تصورته هو أن يذوب الخلاف بعد أن يتم الزواج، ويصبح أبوك أمام الأمر الواقع.. فتتحرك عاطفته الأبوية تجاهك.. ويعرف أن رفضه لم يعد له ما يبرره، لكنك حققت المستحيل بصبرك وكفاحك وإخلاصك النية في الحصول على رضا أبيك، أرضاء لربك وضميرك ومشاعرك الشخصية الحميمة تجاهه.. وهذا ما أطالب به دائماً من يستشيرني في مثل قصتك هذه.. فأطالبه بأن يثابر أولاً على محاولة نيل رضا الأهل.. وأن يبذل كل ما في طاقته لتحقيق ذلك.. وأقول دائماً :( قد يدرك المتأني بعض حاجته) وأن المسالة تحتاج فعلا  إلى (جهاد) من نوع جهادك هذا، لأن رمز الأب يستحق كل هذا وأكثر، وأروى لمن سألني أن الخليفة عمر بن الخطاب قد أعاد أبناً وحيداً من الغزو في جيش العراق لأن أباه توجع لفراقه ، وقال له ( ألزم أبويك فجاهد فيهما ما بقيا من الدنيا ، ثم شأنك بنفسك بعدهما وسيأتيك عطاؤك ). لأنه اعتبر جهاد الابن في رعاية أبيه والبر به في منزلة الجهاد في سبيل الله، ثم أمر بعد ذلك بالا (يغزو) من له أب شيخ ألا بعد أذنه.. فما بالك بمن سيتزوج؟

 

ألا يستحق هذا الأمر وهو الأقل منزلة من الغزو أن يكون بإذن الأب ورضاه.. لكن ذلك لا يعنى أيضا إطلاق الأمر على غاربه.. لأن على الآباء أيضا أن يكونوا منصفين لأبنائهم وعطوفين عليهم.. وان يعينوهم بعدم التعسف على طاعتهم وعدم الخروج على إرادتهم، لهذا جاء في الحديث الشريف: ( رحم الله امرءًا أعان ولده على بره ) أي أعانه بعدله ورحمته وعطفه على أن يكون نعم الابن له.. ونعم النصير، ولو عرف كلا الطرفين واجبهما لكانت كل النهايات سعيدة كهذه النهاية الدرامية العجيبة التي صنعها أبوك، حين تغلبت عليه عاطفته الأبوية في النهاية، فجاء شامخاً كالأسد ليساند ابنه الوحيد في اليوم الذي يحتاج إليه فيه.. ويفخر به ويستند إليه فيه.. وهل الأبوة إلا رحمة وعدلاً وسنداً وفخراً للأبناء؟!

 

أما أصدقائك الخمسة هؤلاء فلقد أحببتهم من كل قلبي، لأنهم فعلاً رجال بحق وأوفياء بحق.. وذوو نخوة وشهامة بحق، ولابد انك أنت أيضا كذلك.. لأن (المرء يعرف بأقرانه) كما يقولون. فاهنأ بسعادتك يا صديقي.. وألزم أباك العظيم ( المتنور بحق) هذا بعد ما حدث ولا تخرج عليه أبدا.. واعرف له قدره لأنه جاهد نفسه طويلاً كما جاهدت أنت ظروفك وغالب مشاعر عديدة ترتبط بتقاليد مجتمعه وانتصر في النهاية للحق والعدل والرحمة.. فلم يكابر أكثر من ذلك، في حين يكابر بعض الآباء ممن يحسبون من قمم العلم والثقافة والمراكز الاجتماعية إلى النهاية، ويصرون على الوقوف في وجه (أحلام) أبنائهم فيدفعونهم دفعا إلى الخروج عليهم. إن أباك في رأيي أكثر حكمة وثقافة ووعياً من كثيرين من أمثال هؤلاء.. فاعرف له قدره مرة أخرى، واسعد بفتاتك وبحبك العظيم هذا، وكن كأصدقائك عوناً للآخرين وسنداَ لهم عند الحاجة، وستكون كذلك بالتأكيد لان هذا الشبل من ذاك الأسد (الصعيدي) المتنور الذي يستحق كل الحب وكل الإعجاب مع خالص تمنياتي لك باستمرار السعادة والتوفيق.

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1987

شارك في إعداد النص / ياسمين عرابي

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات