الإجابة غير المرضية ! .. رسالة من بريد الجمعة عام 1999

 الإجابة غير المرضية ! .. رسالة من بريد الجمعة عام 1999

الإجابة غير المرضية ! .. رسالة من بريد الجمعة عام 1999

 

أنا زوجة عمري‏ 24عاما وأم لطفلين جميلين‏,‏ وقد تزوجت عقب تخرجي مباشرة في الجامعة‏,‏ واعمل بوظيفة محترمة يتمناها الكثيرون وعلى خلق ودين‏,‏ وأؤدي فرائضي الدينية وأرعى الله في زوجي وبيتي وعملي‏,‏ فأجتهد في العمل وأتمتع فيه بالكفاءة والسمعة الطيبة‏,‏ وأقوم في البيت بكل الأعمال المنزلية وحدي وأعد لزوجي كل ما يحب من طعام وحلوى وعصائر أقدمها له مزينة بالديكور الجميل‏,‏ واجعل له مائدة الطعام كالحديقة الغناء‏,‏ وأعتني بالطفلين عناية كاملة إلى جانب عنايتي التامة بنفسي في البيت من حيث تسريحة الشعر والملابس الجميلة وطلاء الأظافر والعطور الفواحة‏..‏ الخ‏.‏
أما زوجي فهو يكبرني بعشرين عاما أو يزيد‏,‏ لا اعرف على وجه التحديد‏,‏ لأنه يفرض الغموض والسرية علي كل بياناته الشخصية كما لو كانت سرا حربيا غير قابل للنشر‏,‏ كما أنه حاصل على مؤهل متوسط ويشغل وظيفة عادية وليس له أي دخل خارجي وقد اكتشفت ذلك أخيرا فقط‏,‏ كما انه يعول والدته التي تقيم معنا من حين لآخر وتتنقل بين بيوت بناتها كما تشاء‏,‏ ولا تجد مني كلما جاءت إلا كل احترام ومحبة وتلبية لكل طلباتها.
ولقد منحني الله نعمة الجمال والرشاقة والأناقة‏..‏ ولست امدح نفسي بقولي هذا ولكن بماذا أصف الشعر المسترسل والوجه الحسن والقوام الملفوف سوى بذلك؟ ومع هذا فان زوجي لا يحبني ولا يقبل على صداقتي والخروج معي في المناسبات والرحلات‏,‏ ويحاول دائما الانتقاص من شأني والتهوين من قيمة ما أقوم به من تضحيات‏,‏ وما أبذله من مجهود داخل وخارج البيت‏,‏ مع العلم بأنني لا أكلفه ما لا يطيق ولا اطلب منه شيئا لان مرتبه محدود‏,‏ ومرتبي يمكنني والحمد لله من شراء ما أريد بالتقسيط المريح‏,‏ كما أن زوجي ينصرف عني تماما حتى أصبحت اشعر بأنه مضطر للاستمرار في هذا الزواج‏,‏ ولقد ألححت عليه بالسؤال عن سبب هذا السلوك تجاهي‏,‏ وأنا الزوجة المخلصة التي تتفانى في إسعاده‏,‏ وفي جلب السعادة إلى المنزل بروح المرح والمحبة ونشر الجمال والزهور ونباتات الزينة في أرجائه ولكن دون جدوى‏,‏ وكلما طلبت منه أن يفسر لي سر عدم رضائه عني‏,‏ ويكشف لي عن عيوبي لأقوم بإصلاحها يتركني ويذهب دون إجابة‏,‏ وذات يوم أصررت على أن احصل منه على إجابة‏,‏ وخيرته بين أمرين‏..‏ إما أن يشعرني بالاهتمام ونسعد معا‏,‏ وإما الطلاق‏,‏ فقال لي أن إجابته لن تسعدني ولن ترضيني فأصررت على سماعها‏,‏ فقال لي أن انفي طويل وان هذا هو ما ينفره مني ومن الخروج معي‏!‏
فقلت له إنني اعلم انه طويل بعض الشيء‏,‏ لكني اسأله هل هو غير متناسق مع وجهي‏,‏ فأجابني بالإيجاب‏!‏ فعارضته على الفور بأنني مستعدة لأن أجري له عملية تجميل لكي أرضيه‏,‏ وفي اليوم التالي شغلني موضوع انفي طوال اليوم ورحت اسأل كل زملائي في العمل وأقاربي عن رأيهم في انفي‏,‏ وهل هو طويل بالفعل إلى هذا الحد‏,‏ فكانت إجابة الجميع انه ليس طويلا ولا كبيرا‏,‏ وإنما هو متناسق مع ملامح وجهي الجميل وعيوني الساحرة‏!‏
ولم أكتف بذلك‏,‏ وإنما ذهبت إلى احد أطباء التجميل لاستشارته فكان رأيه أن انفي مثالي وجميل‏,‏ ونصحني بألا أدع زوجي يدخل الشك في جمالي إلى نفسي‏,‏ ولفت نظري إلى أن زوجي يريد إضعاف ثقتي في نفسي لأنشغل بأنفي عن الفوارق التي بيننا كفارق السن وفارق المؤهل‏..‏ الخ‏.‏
ورجعت إلى زوجي وأبلغته برأي الطبيب ورأي زملائي في العمل وأقاربي في أنفي‏,‏ فهز رأسه ولم يقتنع‏!‏ وأصبح بعد ذلك بدلا من أن يقول لي كل يوم صباح الخير‏,‏ يضع إصبعه علي انفه ويضغط عليه لأعلى ولأسفل ثم ينصرف دون كلام‏,‏ وحتى حين ذهبنا إلى المصيف عن طريق عمله لمدة أسبوعين‏,‏ امضى معنا أسبوعا واحدا ورجع إلي القاهرة بحجة أن لديه عملا فيها وتركني وحيدة مع الطفلين حتى أثار عليه سخط زملائه الذين كانوا معنا في المصيف‏,‏ وسمعت تعليقاتهم وكانت من نوع‏:‏ كيف يترك كل هذا الجمال وهذه الأخلاق ويرحل؟
‏..‏ أو كيف يترك زوجة شابة صغيرة وطفلين صغيرين في مدينة غريبة عليها ويسافر؟ وساعدني كثيرون في رعاية الأطفال حتى لا اشعر بالغربة في المصيف الذي اختاره هو لنا عن طريق عمله‏..‏ فماذا افعل يا سيدي؟

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏

بداية التسلل إلى عقل أية امرأة هو إطراء جمالها والمبالغة في إظهار الإعجاب به‏..‏ كما أن بداية الاجتراء على مغازلتها هو رضاها عن هذا الإطراء وسعادتها به واستزادتها منه‏!‏
ولهذا فإنني أوفر حديثي عن موقف زوجك منك‏,‏ لكي أقول لك انك بسؤالك للرجال من الزملاء والأقارب عن رأيهم في أنفك‏,‏ وضمنا في جمالك‏,‏ هو اقتراب من الخطر ينبغي لك أن تتنبهي له‏,‏ وما كان أغناك عنه بسؤال الصديقات والقريبات عما تريدين السؤال عنه‏,‏ إذا كان هناك حقا ما يستدعي اجراء استفتاء عام لآراء الغير فيه‏,‏ وإذا كنت آخذ عليك ابتهاجك بآراء الرجال في انفك وجمالك‏,‏ فإنني الفت نظرك فقط إلى الحكمة القديمة التي تقول‏,‏ انه لا يعجب بفستان امرأة من يدفع ثمنه‏!‏ ومغزاه انه لا يعجب بامرأة غالبا إلا من لا يكلفه الإعجاب بها شيئا‏..‏ وقد يعده تكلف الإعجاب بها بأمل مرغوب في فوز قريب‏!.‏ فاحترسي يا سيدتي لأنك تحومين الآن من حيث لا تدرين حول الحمى‏..‏ ورسولنا الكريم صلوات الله عليه وسلامه يقول لنا ما معناه‏:‏ أن من يرتع حول الحمى يوشك أن يخالطه‏,‏ وان من يخالط الريبة يوشك أن يجسر‏!‏أي يجسر على ارتكاب ما يأثم به فلعل زوجك يسعد الآن بأنه قد أوشك على أن يعرضك بجهله وقصر نظره وإعراضه عنك لمخالطة الحمى‏,‏ والتعرض للإغراءات‏,‏ إذ إنه لم يكتف فقط بتجاهل مشاعرك والإعراض عنك والتقصير في أداء حقوقك الإنسانية عليه‏..‏ وإنما رغب أكثر من هذا في أن يبرر ذلك بضرر هو أقبح من الذنب وهو التعريض بأنفك والتشكيك في ثقتك في نفسك كأنثى‏,‏ وفي نصيبك من الجمال الذين ترينه أنت سابغا وموفورا إلى جانب ما تكيلين لنفسك من صفات ومزايا لا حصر لها والرجل حين يعرض بجمال زوجته ويشعرها بإنكاره لهيئتها به‏..‏ ويشككها في جمالها وفي نفسها كأنثى‏,‏ فكأنما يغريها بذلك على اختبار هذا الجمال والتحقق منه في مرآة غيره من الرجال‏,‏ ولأنه لا يعجب بفستان امرأة من يدفع ثمنه كما قلت‏,‏ فلسوف تجد دائما من ينبهر بهذا الجمال مهما يكن متواضعا أو قليلا‏,‏ ومن يسارع بإعلان إعجابه به و الرثاء لهذه الزوجة المظلومة التي لا تجد ما تستحقه من تقدير لجمالها لدى شريك حياتها فتكون هذه هي البداية‏!‏
ولهذا فإنني أقول لزوجك أن إعراضه عنك بلا مبرر مقبول خطأ بالغ في حق زوجته وفي حقه هو كرجل‏,‏ أما تبرير هذا الإعراض بمثل هذا المبرر السخيف فهو أكثر من جريمة لما له من أثر نفسي سيء على الزوجة‏..‏ قد يوردها موارد الخطأ في محاولتها للتأكد من صحة ما قاله زوجها فيها‏!‏
ولن أقول لمثل هذا الزوج مرة أخرى أين تخفت زوجتك بأنفها الطويل حين ارتبطت بها وأنجبت منها الطفلين؟ وإنما سأقول له فقط انه إذا كان يكرر خطأ بعض الأزواج حين يميلون لإشعار زوجاتهم بالنقص لكي يضعفوا شوكتهن في التعامل معهم‏,‏ فإن زوجتك كما تبدو لي من رسالتها منزوعة الأشواك‏,‏ ولا تحتاج منك لمثل هذا السلوك‏,‏ أما إذا كان يفعل ذلك لكي يشغلها عن فوارق السن والمؤهل والوظيفة بينهما‏,‏ فإنني أقول له أن الرجل هو الرجل في علاقته بزوجته أيا كانت مؤهلاته ومؤهلاتها‏,‏ وإن من خبث الطوية أن ينطوي المرء لمن تشاركه حياته على مثل هذا الإحساس بالنقص تجاهها والرغبة في سلبها ثقتها بالجدارة ومن واجبه في كل الأحوال ألا يعرض عن زوجته أو يتجنب الخروج معها لمثل هذه الأعذار القبيحة‏..‏
أما نصيحتي لك أنت يا سيدتي في النهاية فهي أن تكفي عن استجداء شهادة الرجال لك بالجمال‏,‏ تجنبا للمزالق والشبهات‏,‏ وان تستعيني علي زوجك بوالدته لكي تحثه علي حسن معاملتك‏..‏ وبالأهل من جانبك لنفس هذا الهدف‏,‏ فإذا فشلت كل الجهود معه‏..‏ فان التهديد الجدي بالانفصال عنه قد يكون منبها له إلى ما هو غافل عنه‏.‏

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1999

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات