المستحيل .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990

 المستحيل .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990

المستحيل .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990

أتابع بريد الجمعة بانتظام منذ أكثر من خمس سنوات وكم حزنت وكم مرضت مع بعض رسائل قرائك لكنى لم أفكر أن اكتب إليك من قبل لأن مشكلتي شائكة جداّ.. ولأنني لا أرجو لها حلا.. ثم قررت أن أكتب بعد أن قرأت الرسالتين اللتين بعث بهما قارئان يشكوان لك فيهما من أن زوجتيهما تتمنعان عليهما فيما أحله الله لهما, ورددت عليهما بأن الزوجة إذا امتنعت عن زوجها, وبات زوجها غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح حتى لو طلبها زوجها على ظهر "قتب" كما جاء فى الحديث الشريف الذى استشهدت به, لهذا أرجو أن تفسح لى صدرك لأروى لك الجانب الآخر من المشكلة..

فأنا سيدة عمري 24 سنة تزوجت منذ عام, قبل زواجي كنت قد خطبت لمدة سنة تقريبا لشخص آخر ولم نتفق أنا وخطيبي الأول بسبب بعض المشاكل المادية وتنصله من مسئولياته ففسخت الخطبة بعد مشاكل عديدة مع أهلي الذين يفضلون أي حل فى الدنيا إلا فسخ الخطبة, وبعد ذلك أنهيت دراستي الجامعية وعملت لفترة إلى أن بلغت الثالثة والعشرين من عمري وطوال ذلك عشت تحت ضغط نفسي وعصبي شديد من أسرتي لأني كما قالوا قد بلغت سنا خطيرة.. كما أن فلانة وفلانة قد تزوجتا.. وأنهم صبروا علي طويلا لهذا فلابد لى من الزواج.. فوافقت على خطبتي لزوجي الحالي بعد أسبوعين فقط من تعرفي به.. وشجعني على ذلك أنه مهنى شاب ناجح فى عمله مقبول الشكل وكريم ومن أسره طيبه ويحبني, وإن كان يكبرني ب 15 سنة, وبعد شهرين من الخطبة بدأت المشاكل بسبب اختلاف الطباع.. وأصبحت معظم لقاءاتنا مجرد مشاحنات فبدأت أتهرب من الخروج معه بشتى الحجج المقبولة وغير المقبولة ثم اقتنعت بإنى لن استطيع الاستمرار معه فصارحت أمي برغبتي فى فسخ الخطبة فما أن نطقت بأول كلمة فى هذا الموضوع حتى صرخت فى وجهي وهى شبة منهارة بأنها لن تسمح لى بذلك أبدا.. وبأني إذا كنت أريد قتلها وقتل أبى فلا أتحدث فى هذا الموضوع إذ ماذا سيقول الناس إذا فسخت خطبتك للمرة الثانية.. فكانت المرة الأولى والأخيرة التى أفاتحها فى هذا الأمر, وتم الزواج وأنا امني نفسي بالأمل فى حياة مقبولة وأقول لنفسي انه كم من فتيات قد تزوجن ممن لا يحببن وعشن رغم ذلك حياة سعيدة, وجاءت ليلة الزفاف.. ولا أستطيع أن اصف لك مشاعري بعد أن تمت إلى نهايتها الطبيعية.. فلقد أحسست بعدها بأننى اغتصبت.. وتولاني إحساس غريب يتأرجح بين الشعور بالخجل والقرف والسخط والكره ثم انتابتني فجأة حالة غثيان فتقيأت وأحسست فى تلك اللحظة بكراهية شديدة لزوجي ولنفسي ولضعفها بل ولأبى وأمي اللذين لم يرحماني ولكل المجتمع الذى فرض على أن أتزوج شخصا لا أحبه لكى أنجو من القيل والقال!

ومنذ تلك الليلة يا سيدى وأنا أحس نفس الإحساس البشع كلما نال منى زوجي حقه الشرعي.. فاشعر كل مرة بأني اغتصبت ثم أتقيأ بشدة!

ومضت الشهور على هذه الحال ولم أحمل حتى الآن.. ثم سيطرت على فكرة أن الله غاضب على غضبا شديدا فارتديت الحجاب وواظبت على الصلاة وقراءة القرآن الكريم, لكن حالي لم يتحسن بل ازددت سوءاّ كما يقول زوجي فأصبحت تنتابني نوبات بكاء لساعات طويلة كلما خلوت إلى نفسي وصبر على زوجي فترة طويلة.. ثم بدأ ييأس من أن أبادله الحب.. فأصبح فجأة يبادلني الكراهية وأصبحت علاقتنا شديدة التوتر.. ولا يستطيع احدنا رغم ذلك أن يصارح الآخر بحقيقة مشاعره, ثم تطورت علاقتنا تطوراّ خطيراّ منذ حوالى شهرين فبدأت أتمنع على زوجي فيما يطلبه وأحس بان هذه هى الطريقة الوحيدة التى تجعلني استرد بعض كرامتي وآدميتي.. فهل يستطيع احد أن يلومني على ذلك؟ إنني أفعل ذلك رغم عنى- وقد حاولت كثيراّ أن أتقرب من زوجي وأتقبله لكنى عجزت عن ذلك تماما.. وأنا لا اكتب لك طلبا للنصح والمشورة لأنى أعتقد أنك قد عرفت الآن أى نوع من الآباء والأمهات هما أبى وأمى وأنه إذا كان فسخ الخطبة عندهما جريمة.. فان الطلاق هو المستحيل بعينه.. كما أنى لا أكتب لك لأوذي مشاعر قرائك.. وإنما لكى تلتمسوا لى ولمثيلاتي العذر فيما نفعل مضطرات أحيانا فأنا أحس بأنني ضحية لأهلي وللمجتمع ولكلام الناس الذى فرض على أن أتزوج شخصا لا أحبه حتى لا يقال عنى أنني قد فسخت خطبتي وفشلت مرتين أو ثلاثا.. وأرجو من الله أن يساعدني ويخلصني مما أنا فيه.. وألا يكون حكمك قاسيا على.. لأنه يكفيني ما أعانيه..وشكرا لك.

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :

لن أزيد متاعبك بقسوتي عليك.. لكنى أتعجب من أمر الإنسان الذى يطلب السعادة أحيانا لنفسه.. لكنه قد لا يضع سعادة الآخرين فى اعتباره ولا يشغل نفسه بها.. فإذا خاب سعيه أطلق اتهاماته ولومه فى كل الاتجاهات.. وأعفى نفسه من كل لوم لهذا فأننا قد نشكو جميعاّ من حظوظنا.. لكننا لا نشكو أبداّ من عقولنا أو سوء تدبيرنا.

يا سيدتي الشابة.. إن رسالتك تكشف-رغم حساسيتها- الجانب الآخر فعلا من المشكلة.. وهى رسالة صادقة فى تعبيراتها وأحاسيسها, فالمرأة حين تكره تحس بأنها قد اغتصبت وينتابها الإحساس بالتقزز والغثيان إذا نالها من تكرهه.. وأنا أدرك ما تعانين.. لكنك ظلمت نفسك وظلمت إنسانا لم يبادرك بأي سوء حين قبلت الزواج منه وأنت ترفضينه داخلياّ لمجرد أن أمك قد صاحت فى وجهك رافضة حين فاتحتها فى فسخ الخطبة أو لأنك صاحبة تجربة خطبة فاشلة قبلها.. أو لأن بعض زميلاتك قد تزوجن أو لأنك تشفقين على نفسك من القيل والقال كما تقولين.. فالمشكلة هى أن كل هذه الحسابات حسابات شخصية تخصك وحدك ولا تصلح أبداّ أساسا لزواج سعيد.. فلقد بنيت قرارك بقبول الخطبة.. ثم قرارك بالاستمرار والزواج على أساسها وحدها.. ونسيت طرفاّ هاماّ وأساسيا فى الموضوع كله هو هذا الشاب الناجح الكريم مقبول الشكل الذى لم يأثم ولم يرتكب جريمة سوى انه قد طلب السعادة لنفسه فدخل البيوت من أبوابها وتقدم لخطبتك فقبلته وتزوجت منه واقبل عليك وهو يتطلع إلى السعادة مع من يحب فإذا بينابيع الجحيم تتفجر فى وجهه بغير ذنب جناه.. وإذا بك تشعرين بالكراهية الشديدة له وللمجتمع ولأبويك ولنفسك ولكل الناس, ثم تستمر حياتكما على نفس الحال إلى أن يئس من أن تبادليه الحب فبدأ يبادلك الكره المكتوم كما تقولين وان كنت اشك فى انه قد كرهك كراهية حقيقية بدليل تمسكه بك حتى الآن رغم هجرك له.. ورغم أنكما لم تنجبا طفلا يمكن أن يكون سببا لاستمرار الزواج ودعيني أسألك يا سيدتي بغير أي رغبة فى إيلامك ماذا لو كان هذا الشاب أخاك.. وكان من اختارتها له الأقدار زوجة له مثلك تماما فى كل التفاصيل والدوافع للزوج.. ثم شكا لك شقيقك همه مع زوجته الشابة التى لم يقصر فى حقها ولم يرغمها على الزواج منه وقولى لى بأمانة ماذا سيكون إحساسك تجاهها ورأيك فيها؟ هل كنت ستقبلين منها نفس هذه الأعذار التى تعتذرين بها الآن لإتمامها الزواج من إنسان استقر فى صدرها النفور منه من قبل الزفاف.. وألن ترين أنها بذلك قد ظلمت شقيقك وظلمت نفسها حين تزوجته بغير أن تحبه أو على الأقل تتقبله إنسانيا وتأمل فى أن تخلق المعاشرة الحب بينهما.. ألن تتساءلي لائمة لماذا لم ترفضه بدلا من أن تجرعه كؤوس الكراهية والنفور والتقزز الذى يصل بها إلى حد الغثيان بعد كل تلاق بينهما؟.. ألن تتهميها بالأنانية لأنها أجرت كل حساباتها على أساس من دوافعها الشخصية وحدها؟

ألن تقولي صراحة أنها كانت تستطيع أن تصمد لضغط الأبوين لأنهما مهما كانا متشددين فلن يرغماها فى النهاية على زواج من تكره.. ألن تقولي أنها قد تزوجت وعمرها 22 أو 23 سنة وأنها سن صغيرة لا تبرر الجزع من التأخر فى الزواج ولا الحديث عن المجتمع وكلام الآخرين؟

ألن تقولى كل ذلك يا سيدتي صادقة ثم تنصحي أخاك أن ينفصل عنها مؤكدة له أن من هن أفضل منها يتمنين ويحلمن بالزواج منه؟ ألن تقولي كل ذلك بأمانه يا سيدتى؟

إن من الأمانة مع النفس ألا يتنصل الإنسان من مسئوليته عما فعل ويلقيها على الآخرين, ومن العدل والرحمة ألا نحملهم مسئولية ما اقترفتاه بملء إرادتنا أو على الأقل بخطأ حساباتنا أو تقصيرنا فى حق أنفسنا وباستسلامنا بلا مقاومة جدية لاعتبارات كان يمكن بشئ قليل من الصمود ألا نستسلم لها. لقد فصل الرسول الكريم فى خلاف بين زوجين فاستمع لزوجة طلبت الطلاق من زوجها فسألها عن رأيها فيه فقالت:

"لست أنكر عليه خلقا ولا دينا لكنى اكره الكفر فى الإسلام" , أي أنها لا تشكو من خلقه او دينه لكنها لا تحبه وإنما تكرهه وتخشى ان تدفعها كراهيتها له إلى تقصيرها فى حقوقه عليها فتأثم وتبوء بغضب ربها عليها.

فسألها الرسول: أتردين عليه حديقته "وكانت مهرها" فأجابت نعم فقال لها ردى عليه حديقته وقال زوجها طلقها طلقة واحدة.

وهكذا تفعل من لا تريد أن تظلم غيرها وألا تأثم إذا استقر فى يقينها أنها قد كرهت زوجها وانه لا أمل لها فى ان تتغير مشاعرها تجاهه ولو بالقبول النفسي له وبعد ان تستنفد كل الوسائل الخاصة إذا لم يكن يربطها بزوجها أبناء يستوجبون التضحية من أجل رعايتهم وحمايتهم من أنواء الحياة, أما أن تستمر زوجة شابة فى معاشرة زوج تكرهه فى أعماقها لمجرد أنها لا تريد ان تواجه نفسها بفشلها فى الزواج وتواجه أسرتها والمجتمع بذلك فهذا هو الظلم المضاعف بعينه لنفسها ولزوجها! لأنها ليست فقط تجرعه الإيلام والإحساس المرير بأنه يعاشر من لا تحبه وإنما أيضا لأنها تحرمه من حقه المشروع فى ان يجد السعادة التى افتقدها معها مع أخرى تفخر به وتهواه وتظلله بأجنحة الحب والسعادة.

لقد قال الكاتب المسرحى الروسى اندرييف على لسان إحدى شخصياته مرة: إنني أدير ناظري حول الأرض فلا أرى أبشع من حياة الإنسان!

ورغم رفضي لهذه الروح التشاؤمية.. إلا أنى أحس بان هذه العبارة المتشائمة تصدق على حياة بعض الناس.. ويزيد من مرارتها أن هذه البشاعة قد تكون أحيانا من صنع الإنسان نفسه وبنفسه.. وليست من صنع الآخرين ولك تحياتي!

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" نوفمبر عام 1990

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات