السلك المشدود .. رسالة من بريد الجمعة عام 1997

 السلك المشدود .. رسالة من بريد الجمعة عام 1997

السلك المشدود .. رسالة من بريد الجمعة عام 1997

أكتب رسالتي هذه لأقول لك إنني سيدة رحل زوجي عن الحياة فجأة منذ سبع سنوات، إثر حادث تعرض له أثناء عودته إلى البيت فواجهت تجهم الحياة كأرملة لها ثلاث بنات على مشارف الزواج, وابن في عامه الأخير بالمدرسة الصناعية المتوسطة.

وبعد رحيل زوجي بأسابيع, حصل ابني على شهادته وشاركني تحمل أعباء الحياة، فعمل في إحدى الشركات صباحاً .. وعمل كضابط أمن ليلاً؟ ليساعدني في تدبير نفقات زواج شقيقاته, وكلما عرضت عليه أن أعمل بإحدى المدارس القريبة كداده أو عاملة نظافة, لأخفف عنه بعض مسئولياته, كان يرفض ذلك بشدة, لأنه رجل البيت من بعد أبيه, ولا يقبل أن أتعرض للبهدلة في مثل سني.

وهكذا .. واصل ابني كفاحه وعمله الشاق ليلاً ونهاراً, حتى تزوجت البنات واحدة وراء الأخرى.

وكلما وفقنا الله في زواج إحداهن, شعرت وشعر معي بأن حجراً ثقيلاً قد ارتفع عن صدرينا, ودعونا الله أن يعيننا على رفع بقية أحجار المسئولية الثقيلة .. إلى أن تم زواج البنات, وتنفسنا معاً الصعداء.

وبدأنا نلتقط أنفاسنا ونستريح, فإذا بالقدر يختطف إحدى بناتي وهي في ريعان شبابها, فترحل عن الحياة تاركة وراءها ثلاثة أطفال حيارى .. وإذا بزوجها يأتينا بعد قليل، ليبلغنا أنه سوف يتزوج من أجنبيه ويسافر إلى بلدها, ولن يستطيع اصطحاب أطفاله معه, لأن زوجته الأجنبية لن تستطيع تربيتهم وفقاً لعادتنا وتقاليدنا.

ولم يكن أمامنا إلا أن نقبل الأمر الواقع, ونضم هؤلاء الأطفال الأيتام إلى أسرتنا, لأنهم دمنا ولحمنا, ورجعت أحجار المسئولية الثقيلة تجثم فوق صدورنا من جديد مع الأحزان والآلام , وقبل أن نألف هذه الأوضاع الجديدة إذا بنا نفاجأ بابنتي الثانية تأتي إلينا مطلقة, ومعها طفلتها الصغيرة, فأصبح بيتنا يضم أطفال ابنتي الراحلة .. وطفلة ابنتي المطلقة التعيسة, وأمّا شهدت في سبع سنوات فقط من ترملها من الأحداث، ما لم تشهده في كل سنوات حياتها السابقة, وابنا يواجه أقداره بصبر, ويكافح في الحياة ليتحمل مسئولياته, ولم يضق بوجود أخته المطلقة وطفلتها ..ولا بوجود الأطفال الثلاثة.

أما ابنتي المطلقة فهي تحنو على أطفال أختها الراحلة, وتساعدني في تربيتهم .. ثم سافر ابني في مهمة عمل إلى الإسكندرية ذات يوم, فبحث عن عنوان شقيقتي التي تزوجت هناك منذ عشرين سنه , وانقطعت الصلات بيننا تقريباً طوال هذه الفترة , وزارها وقوبل منها ومن أسرتها بالحفاوة والترحيب , فتجددت الصلة بيننا مرة أخرى وأصبحت دائمة.

ثم جاءني ذات يوم وأبلغني أنه يرغب في أن يتزوج ابنه أختي هذه ورحبت برغبته , وتمنيت له الخير والسعادة من كل قلبي, بعد ما عانى معي من أعباء الحياة طوال السنوات الماضية, وتمت الخطبة بالفعل واستطعت خلال فترة الخطبة, أن أجد له بتوفيق من الله شقة مناسبة قريبة مني, واستطاع هو تأثيثها وتدبير تكاليف الزواج.

وتم الزواج منذ حوالي ستة شهور, وسعدنا بسعادة هذا الابن المضحي الطيب, الذي تتمثل فيه الرجولة بكل معانيها , فإذا بزوجته ابنه شقيقي, ترفض منذ الأيام الأولى لزواجها أن تزورني في البيت, بدعوى أنها لا ترغب في ذلك , لكيلا تتجشم عناء خدمتنا نحن والأطفال الثلاثة, مع أننا لم نكلفها بشئ من ذلك, ولم ننتظره منها , وترفض أيضاً السماح لابني بزيارتنا , فلا يستجيب لها ويزورنا بمفرده.

ونشأت للأسف بيني وبين ابنة شقيقتي عداوة, لا أعرف لها سبباً, ولم أسع إليها , ولم يمض وقت طويل حتى هجرت بيتها ورجعت إلى أمها ورفضت العودة لزوجها مرة أخرى, وحددت شروطها في أمرين لا ثالث لهما, هما: إما أن يوفر لها شقة في الإسكندرية بجانب أمها, وينقل حياته إلى هناك, وإما أن يطلقها ويرسل إليها نفقتها الشهرية ومنقولاتها, وإلا لجأت إلى المحاكم.

إن زوجة ابني يا سيدي حامل , وقد علمنا أنها التحقت بوظيفة بالإسكندرية, وابني حائر , لا يريد أن يفقد زوجته بعد أن تحمل ما تحمل, لكي ينشئ بيت الزوجية, ولا يريد من ناحية أخرى أن يتخلى عني, ولا عن أخته المطلقة, وأبناء أخته الراحلة, وإنني أكتب إليك لكي ترقق قلب زوجته هذه , وتناشدها العودة إليه, لأن قلبه متعلق بها, ولا يرغب في طلاقها ولا يتحمل في الوقت نفسه فراقنا, وإنني أعد زوجته, وأقسم لها أمامك أنني لن أتردد عليها في بيت الزوجية, بعد رجوعها إليه ولن أكون سبباً في أية مشكلة لها, لا أنا ولا ابنتي المطلقة, ولا أحفادي الأيتام بل إنني لن أطالب ابني حتى بأن يزورني إرضاءً لها, ويكفيني أن أشعر أنه بخير وقريب مني وإلى جواري, حتى ولو لم أره.

ويكفيني يا ابنتي من فقدت من زوج راحل وابنه رحلت في ريعان الشباب , فضلاً عن ظروفنا المؤلمة الأخرى, ووجود ثلاثة أبناء يتامى تركهم والدهم, ليتولاهم الله برعايته من بعده وابنه مطلقة ومعها طفلتها.

إنني أرجوك أن تناشدها باسمي العودة إلى زوجها وبيتها , خاصة وأنها حامل , ولسوف يزيد من حسرتي أن ينشأ حفيدي بين أبوين منفصلين: الأب في القاهرة والأم في الإسكندرية .. فقل لها يا سيدي على لساني: عودي يا زوجة ابني , وإعتبرينا أنا وابنتي المطلقة وأحفادي اليتامى في حكم الأموات بالنسبة لك .. ولا تحرمي ابني هذا من أول نسمة راحة وسعادة في حياته منذ رحيل والده .. وشكرا لك يا سيدي والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته!

 

ولــكــاتبة هـــذه الرســالة أقــــــول:

 

أحد "أحوال" الحب أن "يستذل" الإنسان نفسه للغير , طلباً لسعادة من يحب , ولا شك يا سيدتي في أنك تحبين ابنك الشهم هذا أعمق الحب وتطلبين له السعادة, ولو على حساب كرامتك وحرمانك منه ومن حقوقك كأم عليه, كأنما تريدين بذلك أن تبادلية تضحية وإنكاراً للذات بإنكار أشد.

غير أني أتساءل أيستحيل حقا أن ينعم مثل هذا الشاب الطيب بالسعادة في حياته الخاصة مع زوجته, بغير أن تقدمي لها هذا القربان المؤلم؟..ولماذا تصبح المسئولية العائلية والإنسانية التي تضعها الأقدار أحياناً على كاهل مثل هذا الشاب "نقيصة" من نقائصه التي لا تغتفر عند مثل هذه الزوجة الشابة, بدلاً من أن يكون نهوضه بها دليلاً على رجولته وأصالة أخلاقياته ونبله مع ذويه وأولهم زوجته؟

إنني أعرف أن بعض الزوجات الشابات يضقن حتى الموت بمثل هذه الأعباء العائلية والإنسانية, خشية أن تستغرق طاقة الزوج النفسية والمادية , فلا يبقى لديه ما يقدمه لزوجته من اهتمام وعطاء, ويعتبرن مجرد الاهتمام الإنساني من جانبه بمشاكل حياة الأم والإخوة, خصماً من عطاء , كان ينبغي لها أن تستأثر به وحدها , دون الجميع.

ولكن القصة ليست بهذا التعقيد, الذي يستحيل معه أن يوفق هذا الزوج بين مسئولياته العائلية, وبين واجباته والتزاماته تجاه زوجته وأسرته الصغيرة, ففي قدرة الإنسان أن يفي للطرفين بالتزاماته تجاههما, بغير أن يجور أحدهما عليه, أو يميل بشقه ناحيته والمشكلة ليست في القدرة على التوفيق بين الاهتمامين بالأساس, وإنما هذه "النظرة العدائية" الغريبة المتبادلة في معظم الأحيان بين الأم وزوجة الابن, خاصة في مثل هذه الظروف , التي تعتمد فيها الأم اعتماداً أساسياً على ابنها بعد رحيل زوجها عن الحياة, ولا تخلو أيضاً من تأثير حب التملك الغريزي لدى الطرفين في أحيان كثيرة.

مع أن العدل كفيل بحل كل المشكلات المستعصية والاعتدال أيضاً حتى في الفضائل مطلوب ومرغوب دائماً لتيسير الحياة وتجنب العثرات والعقبات ,وبشئ من الفهم وسعة الأفق تستطيع مثل هذه الزوجة الشابة , التي لم تحتمل "غربتها" عن أمها وأهلها, أكثر من ستة شهور أن تعتبر أداء زوجها لالتزاماته الإنسانية تجاه أمه وأخته المطلقة وأطفال شقيقته اليتامى , مع حبه لها وحرصه عليها, مؤشراً صادقاً لفضائل زوجها وأمانته وأصالة معدنه وقيمه الأخلاقية, إذ هل كان يرضيها حقاً أن تعاشر "نذلاً" يتخلي عن أمه وأخته المطلقة والأطفال الحيارى لغير سبب ما سوى أن يتفرغ لها وحدها بجماع قلبه وعقله وفكره؟..وهل تأمن حقاً لمثل هذا النوع من الرجال, وتضمن ألا يظلمها ,وألا يتخلي عنها,إذا اختبرتها الحياة بعض اختباراتها القاسية؟

لقد تعجلت هذه الزوجة الشابة تفجير المشكلة, ولم يمضي على زواجها سوى ستة شهور, وقد يكون لبعدها عن أسرتها التي لم تبتعد عنها من قبل, ولصعوبات العام الأول من الزواج المألوفة أثر في عدم صمودها للتجربة, وعدم محاولتها التواؤم مع الأوضاع الجديدة في حياتها, كما قد يكون لنقص خبرة ابنك بالحياة , وبنفسية المرأة بعض الأثر, أيضاً في عجزه عن احتواء المشكلة , وعن التوفيق بين واجبه تجاهكم وواجبه تجاه زوجته في البداية.

لكن ألم يكن من المستطاع أن تمهله زوجته بعض الوقت, ليكتسب مثل هذه الخبرة الثمينة اللازمة, للمشي على السلك المشدود بين أسرته وزوجته , بغير أن يغضب أحدهما أو يقصر في واجباته تجاهه؟

لقد كانت مسألة وقت وخبرة لا سبيل لاكتسابها غالباً إلا بالممارسة, وإلا بالتجربة والخطأ..كما أنها "محنة" يواجهها شباب كثيرون, كهذا الشاب الحائر ,فتكسبهم الحياة رغماً عنهم "مهارة" السير فوق هذا السلك الرفيع, بغير السقوط منه إلى هاوية التعاسة, وإغضاب أحد الطرفين , ولكن زوجته الشابة تعجلت الأمور, ولم تمهله الوقت الكافي, لكي ينجح في إقناع زوجته بأنها في بؤرة اهتمامه الأولى, وبأنه لا تعارض بين ذلك وبين واجباته الإنسانية الأخرى تجاه أمه وأخته والأطفال الحيارى , فلماذا لم تترفق به هذه الزوجة الشابة..ولماذا لم تعنه على تحمل أقداره بدلاً من أن تعين أقداره عليه؟!

إنني يا سيدتي لن أناشدها بالعودة إلى زوجها ,وعلى أساس اعتباركم أنتم أسرة هذا الشاب الطيب في "حكم الأموات", كما تقولين في عبارتك المؤلمة, وإنما سوف أطالبها بأن تراجع نفسها وضميرها فيما فعلت, وفي هذا الاختيار اللا إنساني ,الذي تضع زوجها أمامه بينها وبين أمه وأخته وأطفال أسرته الحائرين..

ولسوف أطلب منها أن تترفق بمن اختبرتهم الحياة,اختباراتها المؤلمة وأن تتفهم ظروفهم واحتياجاتهم الإنسانية لدى زوجها, وهي لا تتعارض أبداً مع وفائه لها بكل حقوقها عليه خاصة, وإنما لا تنكر عليه, كما فهمت من رسالتك شيئاَ أخر سوى ذلك بدليل استعدادها لاستئناف الحياة الزوجية معه, بشرط انتقاله للعيش معها بالإسكندرية.

ولسوف أذكرها بما نشرته في هذا المكان منذ أقل من عامين للزوجة التي كتبت إليّ لتروي أن شقيقة زوجها قد ترملت وواجهت الحياة مع أطفالها الأيتام, فكان أول ما فعلت هذه الزوجة , هو أن ضاقت باهتمام زوجها بها, وبمشاكل أبنائها بعد رحيل أبيهم, فأنكرت عليه ذلك, وافتعلت المشاكل بينها وبين هذه الشقيقة, لكي "تنقذ" زوجها من الغرق في"مستنقع" مشاكلها ومشاكل أبنائها الكثيرة, ونجحت في ذلك فوقعت القطيعة بين زوجها وشقيقته الأرملة الحزينة, وسعدت هي باستثارتها به لنفسه ولأطفالها ,فلم تمض سنوات قليلة, حتى رحل هو الآخر عن الحياة, ووجدت الزوجة التي كرهت اهتمام زوجها بأخته بعد ترملها نفسها تعيش ظروفها الإنسانية القاسية نفسها..وتألمت غاية الألم حين استشعرت من زوجة شقيقها نفس الجفاء, الذي أبدته هي تجاه شقيقة زوجها ونفس محاولاتها لأبعاد شقيقها عنها, حتى لا يغرق في "المستنقع" نفسه, ويوجه بعض اهتمامه  لها و لأبنائها , فأدركت لأول مرة عمق احتياج من كانت في مثل ظروفها إلى اهتمام ذويه بأمره ومساندتهم له, ولم تجد من يقف إلى جوارها بالعطف والمساندة النفسية , سوى شقيقة زوجها الراحل التي سبقتها من قبل إلى تجرع الكأس نفسها , والتي جفتها هي, وأبعدت زوجها عنها حين كانت في أشد الحاجة إليه.

فهل تريد هذه الزوجة الشابة ألا تحصن نفسها ضد غدو الأيام بمثل هذا الخيار القاسي, الذي تضع زوجها الآن أمامه؟

وهل ترغب حقاً في ألا تتفهم عمق احتياجكم الإنساني العاطفي لوجود زوجها في حياتكم , بغير أن ينقص ذلك شيئاً من حقوقها لديه, إلا بعد أن تختبرها الحياة اختباراتها القاسية فتفهم, ما لم تكن تفهم من قبل ,وكل شئ حولنا على ما يرام؟

إنني أربأ بها أن تكون ممن لا يقدرون ظروف الآخرين, ولا يترفقون بالتعساء والممتحنين, وأترك لها الخيار..لأن تضع نفسها بين أصحاب القلوب الحكيمة والفهم الإنساني الذين لا يحاكمون الآخرين بظروفهم الإنسانية المؤلمة ولا يدينونهم بها,أو بين ما لا يرون سوى رغباتهم واحتياجاتهم, ولا يترفقون بأصحاب الظروف الإنسانية , حتى إذا وضعتهم الأقدار في ظروفهم ذات يوم..ندموا علي ما كان من غرور الدنيا السابق .. وجاروا بالشكوى من قسوة القلوب.

 

وما أحسبها إلا من أهل الرفق والعطف ..وما أنتظر منها إلا أن تبدي الفهم وبعض التقدير لظروف زوجها الإنسانية وظروف أسرته..وشكرا لها مقدماً..ولك أنت أيضاً يا سيدتي

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1997

شارك في إعداد النص / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات