النظرات الصامتة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1997
أنا مهندس شاب تخرجت منذ ثلاث سنوات ، وحين التحقت بكليتي وهي إحدى كليات الأقاليم لفتت نظري في السنة الإعدادية فتاة كالملاك شدتني إليها بجمالها وأخلاقياتها ، فتقاربنا وعرفت منها أن لها أختا بنفس السنة الدراسية بالكلية لكنها لم تنتظم في الدراسة بها طويلا لإحساسها بأنها لن تنجح فيها وسوف تحول أوراقها إذا رسبت إلى كلية نظرية في العام الجديد ، وظهرت نتيجة العام الدراسي الأول فكنت أول الدفعة وكانت فتاتي الثانية ، واعتزمت الالتحاق بأحد أقسام الكلية التي أفضلها ، لكن فتاتي كانت قد اختارت قسما آخر لا أحبه ، وحاولت معها طويلا أن تغيره كيلا نفترق في الدراسة فلم تقتنع ، ولم أجد مفرا من تغيير دراستي أنا والانتقال إلى قسمها، وبذلت جهدا خارقا للتواؤم مع نوع الدراسة التي لا أحبها والتفوق فيها ، وظهرت نتيجة الامتحان في نهاية السنة فجاءت فتاتي الأولى وجئت أنا في الترتيب الثاني ، وظللنا نتبادل الترتيب الأول والثاني طوال سنوات الدراسة ، وكانت فتاتي تقول لي دائما أنها لن تتزوج إلا معيدا في الكلية، فأعدها بأن أكون كذلك ، إلى أن جاءت السنة النهائية وتوفي أبي يرحمه الله قبيل الامتحان بأسابيع وحزنت لرحيله حزنا شديدا أثر على تركيزي في دراستي ، وأديت الامتحان النهائي وأنا مشوش الفكر، فإذا بترتیبي بنظام التقديرات التراكمية يبعدني عن المراكز الأولى .. وإذا بفتاتي تعين معيدة بالكلية دوني وبالرغم من سعى رئيس القسم لتعييننا معا.
وانهرت لذلك نفسيا وأمضيت بضعة أسابيع في البيت لا أغادره ولم تسأل عني فتاتي خلالها سوى بضع مرات ، ثم اتصل بي أستاذي يدعوني للخروج من عزلتي والالتحاق بالدراسات العليا ، فاستجبت له وعدت للكلية والتقيت بفتاتي وعاتبتها لعدم اتصالها بي لفترة طويلة ، فلامتني على انهياري بسبب عدم التعيين كمعيد وطلبت مني مواجهة الموقف كرجل وليس كطفل صغير ، وبررت عدم اتصالها بی بانشغالها بعملها الجديد ، وبعد هذه المقابلة قررت أن أؤجل موضوع الزواج إلى ما بعد الحصول على الماجستير والالتحاق بعمل مناسب ، ولاحظت أن فتاتي بعد ذلك لم تعد تتحدث معي حين نلتقي ، وإنما تكتفي بالنظرات الصامتة التي تنطق بالحب ومضت ثلاث سنوات اجتزت خلالها الدراسات التمهيدية وقطعت شوطا كبيرا في رسالة الماجستير ، فإذا بي التقى بشقيقة فتاتي بالكلية وإذا بها تبلغني بأن أختها سوف تتزوج من شاب يعمل بإحدى الدول العربية بعد أسبوع واحد، وثرت عليها ثورة عارمة تحملتني خلالها بصبر وأدب ، وسألتها كيف لا تبلغني أختها بذلك إلا قبل أسبوع واحد من الزفاف ، واسودت الدنيا في وجهي ، وتوجهت إلى بيت فتاتي والتقيت بوالدها وطلبت منه يد ابنته فأجابني بصرامة بأن الموضوع منته وأن ابنته في حكم المتزوجة وانصرفت مخذولا وذهبت إلى الكلية لأبحث عن فتاتي واسألها كيف فعلت بي ذلك ، فإذا بها قد حصلت على أجازة لمدة شهر ، وانهرت مرة أخرى كما أنهرت حين فقدت أبي وحين فقدت فرصتي في التعيين كمعيد وأهملت مظهری ودراستي وعجزت عن الاستمرار في أي عمل خارج مدينتي حيث لا أجد مجالا لتخصصی سوی خارجها لأكثر من أسبوعين ثم ارجع تاركا العمل لأذهب للكلية لأرى فتاتي عن بعد، أو أطوف ببيتها لعلي أراها وأفصل من هذا العمل بعد حين .
أما هي فقد أصبحت لا تطيق رؤيتي لأني اذكرها بما تريد أن تنساه ! ولقد نصحتني أختها التي أراها في كليتها بأن أحاول نسيانها ، وأن أفكر في غيرها مؤكدة على أن هناك كثيرات يتمنين الارتباط بي ، لكن هيهات يا سيدي أن أستطيع ذلك فلقد واصلت محاولة رؤيتها عن بعد أو عن قرب كما واصلت الطواف ببيتها كل حين لأكثر من سنة حتى الآن إلى أن جاءتني فرصة للعمل في إحدى الدول العربية وبدأت استعد للسفر ، وكنت قد لاحظت أن شقيقة فتاتي تتقرب إلي خلال هذه الفترة لكني لم أعرف هل تقترب مني بدافع الحب أم هو اقتراب جريح من جريح مثله وهي التي فقدت ارتباطها هي الأخرى بجار لها ؟
لكني وجدت نفسي أفكر فيها رغم ذلك وأريد أن تشير علي بالرأي السديد في هذا الاختيار الصعب الذي أواجهه وهو : هل تنصحني بأن اقترح عليها أن تتزوجني قبل السفر ، أم هل أسافر بغير مفاتحتها في ذلك .. وأخشى في هذه الحالة ألا أحتمل البعد طويلا وأن أرجع بعد فترة قصيرة بغير أن أحقق لنفسي شيئا ، وتضيع علي فرصة جيدة للعمل .. وإنني أرجو أن تسرع بالرد علي قبل فوات الأوان وشكرا لك مقدما !
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
معظم من يعانون من محنة الحب من طرف واحد يعولون كثيرا على مسالة النظرات الصامتة هذه ، ويحملونها ويحملون كل اللفتات العابرة التي قد تصدر عفوا عن الطرف الآخر أكثر مما تحتمل ، ويتلمسون غالبا في أبسط الأشياء والتصرفات ، ما يطمئن قلوبهم الحائرة إلى أن لهم نصيبا في قلوب من يحبون مع أن المرأة قد تخفى الكراهية 40 عاما كما قال أحد الأدباء لكنها لا تستطيع إخفاء الحب يوما واحدا مهما جاهدت نفسها لمداراته كما أن "الألسنة" لم تعد تتردد في التعبير الصريح عن المشاعر.. فما معنى التعويل إذن على هذه النظرات الخرساء وبناء قصور الأحلام والأوهام فوق رمالها الهشة ؟
إن الواضح يا صديقي هو إنك واحد ممن يعانون هذه المحنة وهي ليست محنة هينة لأنها في بعض مضاعفاتها وإذا لم يتداركها الإنسان بالإرادة العاقلة قد تتخذ أطوارا شبه هيستيرية تؤثر أبلغ الأثر في حياة الإنسان وقد تفسد عليه أمره وحياته سنين طوالا ، كما أنه من الواضح أيضا أنك قد حملت علاقة الزمالة والتنافس الدراسي بينك وبين فتاتك هذه أكثر مما كانت تمثل بالنسبة لها فحمل قلبك الغض لها طوفانا من المشاعر الغلابة ، لم تجد ما يكافئها أو يقاربها في قلب هذه الفتاة ، أو لعلك وهو الأرجح كنت بالنسبة لها زميلا واعدا بالتفوق والنبوغ ويمكن أن ترتبط به في المستقبل ، لكن تكرار انهياراتك أمام اختبارات الحياة المختلفة قد أثار لديها شكوكها في صلابة شخصيتك وقدرتك على أن تكون زوجا قادرا على حمايتها إذا ارتبطت بك في المستقبل.
وكل فتاة في النهاية مهما كانت قوة شخصيتها وتفوقها العلمي تتطلع لأن ترتبط بإنسان تجد لديه الحماية النفسية والسند الذي تستند إليه في رحلة الحياة ، ولا يرضيها أن تكون هي السند والدعامة التي تقيم ظهر شريك حياتها ، لهذا فقد انصرفت عنك بتفكيرها فيك كزوج للمستقبل بعد الانهيار الثاني أمام مشكلة عدم التعيين كمعيد ، ولم تنصرف عنك بمشاعرها لأن هذه المشاعر لم تكن غالبا قائمة منذ البداية ، أو ربما كانت قائمة لكنها لم تكن قوية أو حقيقية بحيث تصمد لتخوفها مما بدا لها من هشاشتك في مواجهة مواقف الحياة الصعبة ، كما أنك من ناحية أخرى قد أمضيت ثلاث سنوات أخرى بعد التخرج دون أن تقدم على خطوة جدية واحدة على طريق الارتباط بها، فلا لوم عليها إذن إذا هي ارتبطت بغيرك ، ولا معنى لمحاولتك اليائسة لخطبتها بعد فوات الأوان، أما ملاحقتك لها في الكلية لكي تراها عن قرب أو عن بعد ، بعد ارتباطها وبعد أن أصبحت لا تطيق رؤيتك ، وأما طوافك ببيتها طواف العاشق الولهان بأطلال بيتها هاتفا مع الشاعر الراحل إبراهيم ناجی:
أين ناديك وأين السمر .. أين أهلوك بساطا وندامی
كلما أرسلت عینی تنظر .. وثب الدمع إلى عيني وغاما!
أما كل ذلك يا صديقي فمما يؤسف له ومما يثير الإشفاق عليك حقا، خاصة وقد بدأت به طورا آخر من أطوار هذه الحال وهو عدم الصبر على العمل في مدينة أخرى غير مدينتك لأكثر من أسبوعين تضحي بعدهما بعملك وترجع لكي تتنفس الهواء الذي تتنفسه فتاتك وتلاحقها بنظراتك وطوافك المحزن حول بيتها.
ولقد كان من الممكن أن تظل المأساة العاطفية الصغيرة في حدودها المألوفة إلى أن يؤدي الزمن دوره الخالد وتسلو هذه الفتاة وترتبط بغيرها ، لولا أنك قد اقتربت من منطقة شائكة وخطيرة وتنذر بأوخم العواقب ، وهي شقيقة فتاتك !
فأنت تسألني هل تفاتحها في الزواج قبل السفر أم تسافر بغیر مفاتحتها ، وفي هذه الحالة فإنك تخشى ألا تصبر على البعد طويلا وأن ترجع بغير أن تصنع لنفسك شيئا وتفقد فرصة العمل التي أتيحت لك ! وسؤالي لك بدوري هو : ولمن سترجع إذا رجعت یا صدیقی المعذب ؟ إلى من تفكر في خطبتها أم إلى شقيقتها التي تتوسل بخطبتك لأختها لكي تدخل دنیاها من طريق مشروع وتواصل حبك الغلاب لها في القرب والبعد ..؟
إنك إن رجعت فسوف ترجع إلى فتاتك السابقة التي مازال حبك لها يغلبك على أمرك ، وما تفكيرك في الارتباط بشقيقتها سوى حيلة نفسية أخری کی تدخل عالمها من الباب العائلي الذي لا تستطيع له صدا بعد أن أغلقت هي في وجهك باب الزمالة والكلية، فإذا كانت لا تطيق رؤيتك الآن فلسوف تضطرها الالتزامات العائلية إلى التعامل معك في الحدود العائلية المألوفة ، ولسوف تواصل أنت "التعبد" في محرابها صامتا ، ولسوف تتلمس في النظرة العابرة .. واللفتة الشاردة ما تفسره أنت بأنه "إشارة" على أنها لم تنس ما تتصور أنها تريد نسيانه ، فأين شقيقة فتاتك من كل ذلك يا صديقي ؟
وكيف يقبل ضميرك أن ترتبط بها لكي تجعل منها مدخلا مشروعا للاقتراب من شقيقتها التي تعاني من حبها القاهر لإرادتك إلى الحد الذي غير مسار دراستك من القسم الذي أردته أنت للقسم الذي التحقت هي به ، وإلى الحد الذي يحرمك من الاستقرار في أي عمل بعيد عن مدينتها لأكثر من أسبوعين ؟
إنك سوف تظلم هذه الفتاة التي لا ذنب لها معك حتى ولو تزوجتها وأنجبت منها كما سوف تظلم نفسك أشد الظلم وتحرمها من الاستقرار وراحة القلب إلى ما لا نهاية ، لأن دخولك دنیا فتاتك ولو من الباب العائلي سوف يبقي شعلة حبك لها متأججة على الدوام .. ولسوف يتلظى اللهب دائما كلما تلقى نظرة طائشة أو كلمة عفوية غير مقصودة تشي ببعض الود لك.
فلا تعذب نفسك أكثر مما عذبتها حتى الآن بهذا الحب الذي يقترب بك من الحدود الهيستيرية الخطيرة ، ولا تعذب شقيقة فتاتك هذه معك ، وسافر إلى عملك راشدا ومصحوبا بالسلامة وبغير أن تفاتح هذه الفتاة أو غيرها الآن في الزواج وانشغل بحياتك الجديدة وطموحك لبناء مستقبلك وانغمس في العمل بكل طاقتك واهتمامك إلى أن يأذن الله لك ببداية جديدة مع إنسانة أخرى والسلام .
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي
برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر