الآذان الصماء .. رسالة من بريد الجمعة عام 1997
من الحكمة أن يعرف الإنسان متى يسلم بالفشل ويكف عن محاولة بلوغ ما يستحيل عليه بلوغه من أهداف ، ليتحول عنها إلى أهداف أخرى أقرب منالا.
عبد الوهاب مطاوع
أنا موظفة
بإحدى الجامعات وزوجي كذلك ، ونحن الاثنان من هؤلاء الآباء والأمهات الذين ينزفون
الدم لكي يوفروا لأبنائهم أفضل حياة ممكنة، برغم مرضى واحتياجي لإجراء جراحة كبيرة
في القلب ، يؤجل الجراح إجراءها حتى تستقر حالة الكبد، أولا,
ولقد قرأت رسالة
"التعليقات الجارحة" للأم المنكوبة التي روت أنها قد تركت الحبل على
الغارب لابنتها الصغرى ، وتركتها تخرج كما تشاء وترتدي الملابس القصيرة ، وتضع
الماكياج بدعوى أنها صغيرة ومدللة ، فكانت النتيجة وبالا عليها، وتعجبت حين قرأت
هذه الرسالة لأنني لم اترك لابنتي الحبل على الغارب ، وإنما أحكمت الرقابة عليها
حتى كنت أجلس على الرصيف أمام بيت المدرسة حتى تنتهي من الدرس الخصوصي ، لكيلا
يشاغلها أحد ويصرفها عن اهتمامها بدروسها، ولاحقتها طوال العام الدراسي من مكان
إلى مكان حتى حصلت على المجموع الكبير والتحقت بإحدى كليات القمة ، ورغم ذلك كله
فإنني لم استطع السيطرة عليها، وتحولت علاقتها بي وبوالدها إلى جحيم إلى الحد الذي
يخيل إلي معه في بعض الأحيان أنها تتمنى لنا الموت .. وإلى حد أنني أشعر بتعاطف كل
من حولي مع مرضي ما عداها هي .. وكلما أجل الجراح الكبير إجراء العملية لي ، شعرت وكأن
لسان حالها يقول لي : أجرى هذه العملية و خلصينا !
ولماذا كل ذلك
يا سيدي ، لأنها تعرفت على جار لنا حاصل على مؤهل متوسط ولا يرتدي إلا الجلباب و"الشبشب"
.. ومع ذلك فقد
تعلقت به
تعلقا جنونيا ، وراح هو من منطلق عقده يلاحقها ، وهي في الثانوية العامة من مكان
إلى مكان ليشغلها عن دراستها حتى لا تتفوق عليه وتلتحق بالجامعة ، فقمت معه بلعبة
القط والفار ، ولاحقتها كذلك في كل مكان تذهب إليه، وتجاهلت كل حيله ومناوراته حتى
نجحت ابنتي والتحقت بالجامعة ، وبعد التحاقها بها صارحناها بأنه لا يليق بها أن
تنشغل بشاب حاصل على مؤهل متوسط وأقل منها في المستوى المادي والاجتماعي ، فضلا عن
حكاية الجلباب و الشبشب اللذين لا يرتدي سواهما دائما ، فإذا بابنتي تنقل إليه هذا
الكلام بالحرف الواحد ، فتتخذ علاقته بنا شكل العناد والعداء ويصرح في كل مكان بأننا
سوف نرى ما يستطيع ذو الجلباب والشبشب ، أن يفعله! .. وتراهن مع أصدقائه من منطلق
ضلالات الإحساس بالعظمة على أنه يعرف فتاة جامعية وأنها تحبه ، وسوف يظفر بها رغم
إرادة أبويها ، بل وسوف يضيع عليها فرصة دخول امتحان آخر العام وهي في السنة
الثانية بكليتها ، انتقاما منا.
وانتشر الخبر في المدينة التي نقيم بها وهي من
المدن الجديدة ، ويعرف معظم سكانها بعضهم بعضا.. فما كان مني إلا أن تفرغت لابنتي
هذه تماما ورحت أصطحبها من يدها في الصباح إلى لجنة الامتحان ولا أدعها حتى تدخله
، ثم أجلس أمام اللجنة ثلاث ساعات في الشمس الحارقة إلى أن تنتهي منه وأرجع بها
إلى البيت ، فكادت في إحدى المرات أن تترك امتحان مادة من موادها وتخرج لمقابلته
لولا أن عرفت أنني أجلس أمام باب اللجنة !
إنني أكاد أجن
مما يحدث يا سیدي واحترت واحتار دلیلي مع هذه الابنة ، وأخيرا فلقد لجأنا إلى
مواجهة هذا الشاب على أساس أن مواجهة المشكلة أفضل من تجاهلها ودعوناه لمقابلتنا ،
وسألناه أمام شقيقه الأكبر عما يريد منها ومنا .. فإذا به يجيبنا بأنه هو الذي
يريد أن يعرف ماذا نريد نحن منه ، ويقول لنا إنه لم يات لطلب يدها - كما نظن - بل
ليعرف ماذا نريد منه بهذه التصرفات ؟ وأكد ذلك شقيقه أيضا الذي قال إنه لا يملك
مليما للزواج وأنه سوف يؤدي الخدمة العسكرية بعد أيام وأن والده ليس مقتنعا بهذه
العلاقة ، ويراها لعبا من ألعاب الأطفال .
وصارحنا
ابنتنا بما قال هذا الشاب وشقيقه ، ولكن هيهات أن تصدقنا نحن وتكذبه ، فلقد قال
لها إنه قد جاءنا طالبا يدها وأننا رفضناه ، فكيف تصدقنا نحن وتكذبه ؟
لقد ثار
والدها بعد أن فاض به الكيل في النهاية منها وخيرها بين شيئين ، إما استمرار
دراستها بالجامعة وإما هذا الشاب فإذا بها تختاره یا سیدي وسط دهشتنا وذهولنا
وغيظنا الشديد ، وتضحي بدراستها الجامعية من أجله.
وفي لحظة يأس
قاتل وغضب شديد، قمت بتقديم طلب إلى الجامعة لسحب ملفها منها وإلغاء قيدها بها ،
ورجعت إليها بالخبر وأنا أتوقع أن تهتز لذلك أو تحزن له ، فإذا بها تستقبله ببرود
شديد وكأن الأمر لا يعنيها في شيء ! وأنا ووالدها وكل أفراد أسرتنا نحترق غضبا
وغيظا وحزنا !
إنني أرجوك الاهتمام
برسالتي هذه لأنها من قارئاتك .. كما أرجو أن تشير علي بما أفعل معها .. هل أدعها
تواصل تعليمها بالكلية مع ما في ذلك من احتمالات مخيفة بالنسبة لعلاقتها بهذا
الشاب .. أم هل أواصل حرمانها من الدراسة وأدعها تبكي على مستقبلها دما كما أبكتنا
أنا ووالدها الليالي الطويلة بسبب عنادها وتمسكها بهذا الشاب !
ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
إذا عجزنا عن
أن نقنع أبناءنا بما نراه نحن في صالحهم ، واستنفدنا كل الحيل معهم ، فليس من
الرحمة أن نتمادى في الغضب منهم إلى حد أن نسهم بغير أن نريد في مضاعفة خسائرهم
وتضييق فرص الحياة والسعادة عليهم ، ذلك أننا لم نختلف معهم في الأصل إلا حرصا
عليهم حين رأيناهم يسيرون کالمنومين إلى بحر هائج الموج ، ورأينا نحن ببصيرتنا أنه
يهددهم بخطر الغرق ، ورأوا هم بغشية الحب وحده ، أنه يعدهم بنزهة سعيدة طوال العمر
.. فإذا فشلنا
بعد ذلك في الحيلولة بينهم وبين السير قدما إلى المياه العميقة ، فماذا نستطيع أن
نفعل یا سیدتي سوی أن نلقي إليهم في اللحظة الأخيرة بطوق للنجاة ليعينهم على
مغالبة الأمواج حتى ولو كنا مازلنا على غضبنا منهم ؟
إننا لا نملك
خيارا آخر سوى ذلك يا سيدتي .. ولا لوم علينا فيما فعلنا لتبصيرهم بالعواقب
والأخطار التي يصرون على مواجهتها، ولا لوم علينا أيضا حين نزودهم في النهاية بما
يعينهم على أمرهم ونحن نرقبهم بإشفاق وهم يخوضون تجربتهم ضد إرادتنا، ونتمنى لهم
أن تتحقق ظنونهم في السعادة الموعودة .. وتخيب ظنوننا نحن فيما توقعناه لهم من
تعاسة !
إن هذا هو
خيار الآباء والأمهات الوحيد في مثل هذه الحالة يا سيدتي ولا خيار سواه ، مادام
الأبناء قد أصموا آذانهم عن النصيحة .. وأغلقوا عقولهم دون صوت الحكمة والحرص
عليهم .
وعلى ضوء ذلك
فلست أرى لك أن تحرمي ابنتك من طوق النجاة الوحيد الذي قد يخفف من معاناتها في
المستقبل إذا تبدد الحب ، وهو شهادتها الجامعية .. ولا مفر أمامك من أن تسمحي لها
بمواصلة دراستها الجامعية حتى ولو لم تعنك صحتك على متابعتها خلال الدراسة ، رغم
تسلیمی بأهمية هواجسك ، ومخاوفك بشأنها حين ترجع للجامعة ، ذلك إنك إنما تتحسبين
في النهاية لضرر محتمل الوقوع وليس مؤكدا ، في حين أن حرمانها من مواصلة تعليمها
يمثل ضررا مؤكد الوقوع على مستقبلها وفرصها لمواجهة الحياة وليس محتملا ، وإذا كان
علينا أن نختار بين ضررين أحدهما محتمل والآخر مؤكد ، فالأولى بنا أن نبدأ بدرء
الضرر المؤكد ، ثم نبذل بعد ذلك غاية جهدنا لحمايتهم من الضرر المحتمل .
بل إنه في مثل ظروف ابنتك هذه فإنك تستطيعين ، تطويع هذا الضرر المحتمل نفسه لكي يكون في النهاية في صالحها ، وليس ضدها ذلك بأن تتوصلي معها إلى أرضية مشتركة ، وتسلمي لها بحقها في اختيار ما تراه سعادتها حتى ولو لم تكوني أنت ووالدها راضيين عنه ، مقابل حصولها على شهادتها الجامعية بتفوق يرشحها للفوز بفرصة عمل في كليتها ، ويفتح أمامها أبواب المستقبل ، فإذا كان ما تتصوره من حبها لهذا الشاب حبا حقيقيا ، وبانيا للشخصية وليس هادما لها ويستمد جذوته غالبا من ظروف المعارضة والمقاومة المحيطة به ، فليدفعها إذن هذا الحب إلى التفوق لكي تكون قادرة على إعانة نفسها على أمرها وخوض تجربتها مع فتاها بمقومات أكبر للنجاح في الحياة . وإن لم يكن كذلك فلسوف يتصدع بنيانه ببطء خلال سنوات الدراسة الباقية وتكتشف هي أنه ليست هناك لغة مشتركة بينها وبين فتاها وأن شخصيتها قد ازدادت نضجا وفهما ، وتبدت لها من الحقائق والظروف ما لم يسمح لها الحب الذي يصم الآذان ويعمي الأبصار في بعض الأحيان ، بان تتبصرها وتعي خطورتها في الوقت المناسب .
ومن الحكمة أن
يعرف الإنسان متى يسلم بالفشل ويكف عن محاولة بلوغ ما يستحيل عليه بلوغه من أهداف
، ليتحول عنها إلى أهداف أخرى أقرب منالا .. فإذا كنتم قد عجزتم عن إثناء ابنتكم
عن التحول عن هذا الشاب الذي ترونه لا يليق بها ولا يقدر على الارتباط بها قبل
سنوات طويلة ، فلتتحولوا إذن عن هذا الهدف المستحيل حاليا إلى هدف مساعدة ابنتكم
على مواجهة الحياة بشهادة جامعية تزيد من قدرتها على مغالبة أقدارها .. ولنفعل في
بعض الأحيان ما فعله الاسكندر الأكبر وهو فتى صغير حين رأی قواد أبيه العظام
يحاولون ركوب حصان بري جامح فيفشلون جميعا ، فتقدم من أبيه معلنا قدرته على ركوبه
ويضحك الأب الملك والقواد الكبار من طموح هذا الحدث الصغير لأن ينجح فيما فشل فيه
فرسان كبار ، ثم يأذن له أبوه بالمحاولة ، فيقترب من الحصان برفق ويربت على عنقه
للحظات في عطف ، ثم يديره ببطء إلى الاتجاه العكسي ، ويعتليه في هدوء فيسلم له
الجواد قيادته بلا عناء ويتبختر به الاسكندر بعض الوقت أمام أبيه وقواده ثم يترجل
عنه ، وحين يسأله أبوه كيف صنع ذلك يقول له ببساطة : أدرت الحصان إلى الاتجاه
الآخر لان أشعة الشمس كانت في عينيه وتستثيره فيهيج كلما امتطاه أحد ، فلما استدار
حجبت عنه الشمس فهدأ واستسلم للركوب !
و"الشمس"
الآن في عيني ابنتك يا سيدتي تهيجها وتزيدها إصرارا على التمسك بهذا الفتى الذي لا
ترى من الدنيا حاليا سواه.. وكل محاولة للحيلولة بينها وبينه قد لا تزيدها إلا
إصرارا وعنادا ، فأديري عنقها إلى ناحية الدراسة والحصول على الشهادة الجامعية مع وعد صادق
منكم بعدم معارضة ارتباطها بهذا الشاب، إذا كان جادا وأمينا في علاقته بها .. وإذا
نجح حقا في التغلب على التحديات التي تحول بينه وبين الارتباط بها .
وتجربة الأيام
بينكم وبينها بل وبينها .. وبينه أيضا .. ولسنا نملك في هذه الظروف سوى أن نقول مع
الشاعر العربي :
وستبدي لك
الأيام ما كنت جاهلا
ويأتيك بالأخبار من لم تزود
فهوني عليك يا
سيدتي ولا تستسلمي للتشاؤم بشأن المستقبل ، ولا تزيدي من حدة الخلاف بينك وبين
ابنتك حول هذا الشاب لكيلا تنقطع بينكما الأوتار ، وتمضي هي في طريق الجفاء
والشقاق إلى أقصاه .
ودعيها لتجربة الأيام تعلمها ما لم تكن تعلم ، واشترطي عليها لقبول هذا الارتباط ، ألا يتم إلا بعد الحصول على شهادتها الجامعية ، وبعد أن يكون هذا الشاب قد وضع أقدامه على بداية الطريق مع استمرار متابعتك لها .. وبشرط ألا تتعدى علاقتها به الحدود المرعية .. وباعتبارهما خطيبين تأجل إعلان خطبتهما إلى الوقت المناسب ، وليثبت هو بعد ذلك جدارته بحبها والارتباط بها بالكفاح الجاد في الحياة للفوز بها ، وبالارتقاء بمستوى تفكيره وحياته ومظهره ، وليس بالعناد الأحمق .. أو «الرهان» السخيف مع الغير حول فتاته ، ولا بالعداء السافر لأسرتها ، فمن يحب حقا يحرص على من يحب وعلى ذويه حتى ولو كانوا لا يبادلونه هذا الحرص، ويرفع من شأن نفسه اعتزازا بمن يحب وطلبا للأفضل له ، وحين يفعل ذلك .. وينجح في إسعاد من ارتبط بها وتخلو نفسه من كل الشوائب وشبهات العناد ، والعداء للأهل الذين رفضوه في البداية ، فلسوف يكون هؤلاء الأهل أنفسهم هم أول من يعتزون به ويتنازلون عن كل تحفظاتهم السابقة علية .. لأنهم لم يرفضوه في البداية إلا تشككا في قدرته على إسعاد ابنتهم .. فإذا أسعدها .. ورعاها .. وحماها.. وأحسن عشرتها .. فماذا يبقيهم على عدائهم له وهو الجدير في هذه الحالة بقبولهم وحبهم واحترامهم ؟
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1997
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي
برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر