أرض الأحزان .. رسالة من بريد الجمعة عام 1999
أنا كاتب رسالة " سنوات
الحرمان " التي نشرتها في إبريل الماضي , ورويت لك فيها تعاستي مع زوجتي
التي استمرت 17 عاماً, ظللت خلالها تطالبني بالطلاق لأتفه الأسباب .. وتصف شهر
العسل الذي جمع بيننا بأنه "شهر الزفت" بالرغم من إنجابنا ثلاثة أبناء
ذكوراً بلغ أكبرهم السادسة عشرة , وإقامتنا معا في مهجرنا بكندا حيث يحتاج الإنسان
إلى الأسرة والحياة العائلية, إلى أن وصلنا إلى طريق مسدود, وانفصلنا وانفردت هي
دوني بالبيت والأبناء اعتماداً علي ما توفره الدولة هناك من معاش للمطلقات , ورويت
لك أنها ستواجه جراحة ثانية في القلب في أوائل شهر يوليو, وأنها قد سبق لها إجراء
جراحة مماثلة من قبل, ورددت علي قائلاً: وماذا يبقيك في أرض الأحزان بكندا وقد
تقطعت بك السبل هناك فلا زوجة ولا أسرة ولا عمل سوى المعاش الذي تتقاضاه عن عملك
السابق ,عد إلى وطنك وأهلك وعملك الذي تحتفظ به في مصر وسيعوضك الله عما قاسيته
خيراً كثيراً, ولقد قررت أن أعمل بنصيحتك وحزمت أمري على العودة لمصر, ولكن بعد أن
أطمئن على أم الأولاد عقب الجراحة حتى لا أرجع كندا متكئنا على وجهي إذا حدث ما لا
تحمد عقباه لأرعى أبنائي الثلاثة .. وعندما حان موعد الجراحة ذهبت إليها مع شقيقتي
, وتمنينا لها الشفاء واصطحبت أبنائي من منزل الأسرة إلى منزل شقيقتي المقيمة
بكندا حتى ترجع أمهم بالسلامة بعد أسبوعين, وقلت لزوجتي السابقة أنني سأحضر غدا
للاطمئنان عليها بعد الجراحة فطلبت مني الاكتفاء بالسؤال عنها بالتليفون, لكني لم
استجب لرغبتها وتوجهت للمستشفى في اليوم التالي مع ابني الأكبر وجلسنا في حجرة
الانتظار وبعد ساعتين أبلغتني إدارة المستشفي أن الجراح يريد أن يتحدث معي في أمر
مهم, وانزعجت لذلك ثم جاءت طبيبة مساعدة وقالت لي أنهم يواجهون مشكلة كبيرة في
الجراحة هذه المرة وأن زوجتي السابقة تحتاج إلى العناية الإلهية لكي تجتازها,
وانخرط ابني في البكاء حين سمع ذلك لكني هدأت روعه وتوضأنا في المستشفى وصلينا معا
ودعونا لها بالنجاة , وبعد ساعتين أخريين جاءني الجراح الكبير متحرجاً, وقال لي
أنه قد حدث لها نزيف حاد فقدت فيه دمها كله في أقل من 30 ثانية نتيجة لتهتك في الشريان
الرئيسي للقلب خلال فصل القفص الصدري وذلك لملاصقة القلب لعظام الصدر بسبب الجراحة
السابقة التي أجراها لها جراح آخر في مستشفى مختلف.
وربت الجراح على كتفي آسفاً
ثم انصرف, وجاءت شقيقتي فطلبت منها اصطحاب ابني معها إلى بيتها وبقيت إلى جوار
زوجتي السابقة للصباح حتى فارقت الحياة, ويعلم الله كم كان حزني عليها وعلى أبنائي
الذين أصابهم اليتم مبكراً.. والآن فإن هذا الجراح الكبير يواجه المحاكمة أمام
القضاء بتهمة الإهمال أو التقصير لا أدري.. ورحلت أم الأبناء عن الحياة تاركة لي
ثلاثة أبناء أحسن الله خلقتهم وخُلقهم, ورجعت مع أولادي إلى البيت الذي كنت قد
غادرته حين أصرت زوجتي رحمها الله علي الانفصال, وحمدت الله أن بقيت إلى جوارهم
لكي أرعاهم في هذه المحنة..
وما يؤرقني الآن يا سيدي هم
أبنائي الذين أصابهم اليتم وفقدوا الأم بعد أن فقدوا من قبل الحياة العائلية
المستقرة, وأنا لا أقصر في خدمتهم بل أسعد بذلك, لكني لا أحب أن أعيش وحيداً خاصة
وقد عانيت في حياتي السابقة ما رويت لك عنه الكثير في رسالة "سنوات الحرمان"
كما أن أبنائي سوف يكبرون ذات يوم ويمضي كل منهم في طريق وأنا مازلت في الثالثة
والخمسين من العمر, فهل تراني محقاً في ذلك أم مخطئاً .. إن بعض الأصدقاء هنا
يقولون لي أنني "سأبهدل" أبنائي إذا جئت لهم بأم أخرى .. وأنا أتخوف من
ذلك بالفعل لكني لا أحتمل حياة الوحدة بعد كل ما عانيته في زواجي وغربتي..فماذا
تري أنت؟..
ولكاتب هذه الرسالة أقول :
إذا
اشتدت حاجة الرجل أو المرأة إلى الزواج بعد فقد شريك الحياة أو الانفصال عنه, فلا
مجال للنقاش الطويل حول صواب ذلك أو خطئه .. ولا خطأ بالطبع فيما أحله الله سبحانه
وتعالى، وإنما يتبقى أن يتوجه الحديث إلى كيفية الاختيار السليم لشريك الحياة
الجديد الذي يترفق بالأبناء ويرعى الله فيهم, ولا يضاعف من خسارتهم بفقد الأم أو
الأب, بمعاناتهم معه، فيصبح بذلك عونا لهم على الحياة وليس عونا لها عليهم .. وفي
ظروفك الشخصية فإن حاجتك إلى الزواج بعد كل ما قاسيت في حياتك الزوجية السابقة,
وغربتك تدحض كل تردد .. ويبقى الأمل فقط في أن يوفقك الله إلى الشريكة العطوف التي
فطر الله قلبها علي الرحمة, والعدل , والرفق بالصغار من الأيتام، ومثيلاتها كثيرات
ممن يرجون وجه الله سبحانه وتعالى برعاية أمثال هؤلاء الأبناء الحائرين .. لكن
السؤال الذي طرحته عليك في ردي على رسالتك الأولى يبقى مثارة حتى الآن وهو : وماذا
يبقيك في أرض الأحزان .. وقد تقطع آخر خيوطك بها برحيل أم الأبناء عن الحياة
وانعدام الأمل في استعادة الحياة العائلية المستقرة للأبناء بين أبويهم؟ .. أيكون
انتظار حكم القضاء بالتعويض لك ولأبنائك هو المبرر المقبول لذلك الآن .. أم ترى أن
هناك أسباب أخرى.؟
إن الإنسان كما يحتاج إلى الشجاعة لاتخاذ القرار بالهجرة طلباً لحياة أفضل, فإنه مطالب أيضاً في بعض الأحيان بنفس الشجاعة وربما بقدر أكبر منها لاتخاذ القرار الآخر في الوقت المناسب بالاعتراف بفشل هجرته واليأس من تحسن الأوضاع فيها والعودة لبلاده مكتفياً بما تحقق له خلالها, ذلك أن الهجرة ليست هدفاً في حد ذاتها , وإنما الحياة الأفضل هي الهدف خاصة إذا كانت كما فهمت من رسالتك يحتفظ لنفسه بخط الرجعة له مع بلاده وله وظيفة حكومية تنتظره إذا جنحت سفينته في البحار البعيدة, وأنت يا سيدي لا تعمل في مهجرك منذ سنوات وتعتمد على معاشك هناك, أو تأميناتك ولك عمل محفوظ في مصر .. ومسكن وأهل وأسرة .. فلماذا تواصل الإبحار في المجهول إلى ما لا نهاية ؟ .. وأين ستجد مثل هذه الشريكة التي تحتاج إليها الآن لمشاركتك رعاية أبنائك سوى في وطنك الأم .. وبعد العودة إليها ذات يوم قريب إن شاء الله.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد
الجمعة" عام 1999
شارك في
إعداد النص / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر