الأسئلة القاسية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1999
أكتب إليك بعد أن ضاقت بي الدنيا وأغلقت في وجهي كل الأبواب, فأنا سيدة في الثلاثين من عمري , شاءت لي أقداري أن أتزوج وأنا في التاسعة عشرة من عمري, من قريب لي مهاجر إلي كندا ويعمل هناك. وقد تزوجته في مصر وسافرت معه إلي مهجره, فوجدتني وأنا فتاة صغيرة قليلة التجربة في مجتمع غريب أعاني من ضغوط الغربة وافتقادي لأهلي وبلدي, فلم تطل عشرتي له أكثر من شهرين رجعت بعدهما الي مصر وأنا أحمل في أحشائي ثمرة هذه العشرة القصيرة, وبعد أشهر من عودتي وضعت جنيني فكان طفلي جميلي ولد في غيبة أبيه ولم أر زوجي منذ عودتي من المهجر إلا مرة واحدة بعد تسعة شهور من مولد طفلي.., وفشلت محاولات التوفيق بيني وبين زوجي أسهم أهله في ذلك بالقدر الأكبر, وظللت زوجة معلقة نحو خمس سنوات ثم حصلت علي الطلاق.. وطويت هذه الصفحة من حياتي بخيرها وشرها, واحتضنت طفلي, وحاولت تعويضه عما ينقصه من رعاية الأب, وبعد فترة أخري تزوجت من إنسان طيب ظروفه مشابهة لظروفي وله ابن من زواج سابق يعيش مع والدته, وبدأت حياتي الزوجية الحقيقية معه, وأقام ابني من زوجي السابق معي, يتمتع بحناني ورعاية زوجي الذي يعطف عليه ويري فيه صورة ابنه. ولقد مضت السنوات هادئة وسعيدة حتي ظننت أنني قد نسيت أحزان الماضي, لولا شيء واحد هو طفلي من هذا الزواج الأول القصير..! فلقد علم ابني عن طريق أهل أبيه ان له أبا علي قيد الحياة لكنه لا يتصل به ولا يسأل عنه ولا يحاول رؤيته, فراح يسألني كثيرا عنه.. ويلح علي بالأسئلة القاسية من نوع: لماذا لا يهتم بأمره؟.. ولماذا لا يتصل به تليفونيا ولو مرة واحدة في عيد ميلاده كل سنة..؟ وهل هو يكرهه ولهذا فلا يهتم به ولا يسأل عنه؟.. وإذا كان يكرهه فكيف كرهه وهو لم يره إلا وهو وليد صغير ولم يعرف إذا كان ولدا طيبا أم سيئا, ولماذا يسأل كل الآباء علي أبنائهم من أصدقائه حتي وهم علي سفر ولا يسأل عنه أبوه أبدا, الي غير ذلك من الأسئلة القاسية التي لا أعرف كيف أجيب عنها ولا كيف اطمئن خواطره بإجاباتي المفتعلة عليها. وبعد أن كان هذا الطفل كالزهرة المتفتحة ويتفجر بالصحة والعافية, بدأ يذبل ويشحب حتي طفت به علي الأطباء والأخصائيين النفسيين لعلاجه دون جدوى, ولسوف تسألني بالضرورة ولماذا لم تلجئي إلى أهل زوجك السابق وتطلبي منهم مساعدة طفلك في الاتصال بأبيه لكي تنشأ بينهما العلاقة الطبيعية بين الأب وابنه؟. وأجيبك علي هذا السؤال بأن صفحات الرسائل كلها لا تكفي لكي أروي لك ماذا فعل هؤلاء الأهل, وهم كما قلت لك سابقا من الأقارب لكي يقطعوا كل صلة بين طفلي وأبيه, علي الرغم من تأكيدي للجميع أنني لا أريد من وراء هذه الصلة أن يتحمل الأب أية مسئولية مادية عن ابنه, ولا أريد شيئا سوي أن يشعر طفلي الذي يبلغ من العمر الآن تسع سنوات بأنه إنسان طبيعي له أب يهتم بأمره ويسأل عنه كغيره من الأبناء. ولقد فشلت كل المحاولات للاتصال بهذا الأب, فلقد غير محل إقامته وعنوانه بعد أن تزوج من أجنبية وأهله في مصر يعتبرون عنوانه سرا حربيا لا يبوحون به لأحد مهما ضغط عليهم وناشدهم. ولقد كتبت منذ شهور إلى السفارة المصرية في كندا والي القنصلية المصرية هناك, بل والي مالك العمارة التي كنت أقيم بها مع زوجي الأول, علي أمل التوصل إلى عنوان هذا الأب.. بلا جدوى. فهل تستطيع مساعدتي في التوصل إلى هذا الأب ومخاطبة أبوته وحثه علي إنقاذ ابنه مما يعانيه بالاتصال تليفونيا به ولو مرة كل بضعة شهور أو ارسال بطاقة بريد له تشعره بأهميته لدي أبيه؟ إنني أرجو أن تجد لي حلا لهذه المشكلة حتي لا يضيع ابني من يدي, ومستعدة لتقديم كل الضمانات الكافية لعدم مطالبة زوجي السابق بأية أعباء مادية عن طفلي.. ولا عن الماضي ولا في المستقبل.. لان كل ما يهمني هو سلامة ابني النفسية وليس أي شيء آخر.. فهل هناك أمل في ذلك..
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
مازلت رغم خبرة السنين وكثرة ماشهدته وتعاملت معه من مشكلات البشر وأحوالهم العجيبة, عاجزا حتي الآن عن تصور كيف يمكن أن تهنأ الحياة لإنسان يعلم أن له في مكان ما من الأرض طفلا لا يعرفه ولا يراه ولا يحاول الاتصال به والاطمئنان عليه, ناهيك عن تحمل مسئوليته المادية والتربوية والإنسانية عنه ! فاذا كانت قلوب بعض الآباء علي هذه الشاكلة.. فكيف يحق لنا أن نقول عن الإنسان انه أرقي الكائنات الحية.., وفي دنيا الأعاجم من الحيوانات من تمرض حتي الموت إذا انتزعت صغارها منها, أو حيل بينها وبين هؤلاء الصغار؟ وكيف تكون الوسيلة المقبولة لإغراء مثل هذا الأب الغائب عن ابنه, بالاتصال به بتقديم الضمانات له بأن أحدا لن يطالبه بتحمل مسئوليته المادية عنه في الماضي أو المستقبل, وبعض الآباء الأسوياء يشعرون في أعماقهم بشيء من الحزن الغامض غير المفهوم, كلما كبر أبناؤهم وازداد اعتمادهم علي أنفسهم وقلت حاجتهم المادية والمعنوية إلى آبائهم؟ إن تبعات الأبوة مسئولية دينية أخلاقية لا يستحق من يتقاعس عن تحملها أدني درجة من الاحترام الإنساني فما بالنا حين تتضاءل هذه التبعات في حالة زوجك السابق إلى أدني حدودها, فتصبح مجرد إشعار طفله البريء بأن له أبا كغيره من الأطفال يهتم بأمره ولو عن بعد.. ويقتطع من وقته الثمين بضع دقائق كل شهور ليتصل به تليفونيا أو يكتب له بطاقة بريدية ؟ لقد قرأت ذات يوم قصة روسية قصيرة تركت في نفسي أثرا لم يمحي منذ أكثر من ثلاثين عاما, وكانت عن طفل مات أبوه ويعيش مع أمه.. ويؤرقه هذا السؤال القاسي لماذا لا يكون له أب كغيره من الأطفال ينتظره أمام المدرسة, ويأمره بالمحافظة علي نظافة ملابسه, ويشتري له الهدايا الصغيرة ويتأكد من دخوله فراشه في الموعد المحدد للنوم, كما يفعل آباء الأصدقاء, واشتد حنينه إلى وجود مثل هذا الأب في حياته, فرأي في واجهة أحد المحال التجارية ذات يوم مانيكان علي هيئة رجل يعرض بدلة للرجال, فدخل إلى المحل وسأل البائع هذا السؤال القاسي: كم يتكلف شراء رجل كهذا الرجل الوسيم المعروض في واجهة المحل ؟ لقد قلت مرارا أن في أعماق الأطفال الصغار بوصلة غامضة يتجه مؤشرها تلقائيا إلى الآباء والأمهات الذين تحول ظروف الأيام بينهم وبين الحياة مع الأبناء تحت سقف واحد, وان كل ما قد يتوافر لهم من حنان الآباء البدلاء والأمهات البديلات قد لا يحول في بعض الأحيان بين مؤشر هذه البوصلة وبين الاتجاه إلى الآباء والأمهات الحقيقيين تتلمس دفء التواصل الإنساني معهم ولو علي البعد, فكيف يتعامي بعض الآباء والأمهات عن مثل هذا النداء المحروم؟ وكيف تطيب لهم الحياة وأبناؤهم البعيدون عنهم ينطوون لهم علي مثل هذه المرارة التي يستشعرها طفلك تجاه أبيه؟ إنني سأبذل كل جهدي يا سيدتي لمحاولة التوصل إلى مقر إقامة والد طفلك في كندا, وحثه علي تحمل تبعات أبوته الإنسانية تجاه ابنه, ولسوف أؤكد له إذا وفقني الله سبحانه وتعالي في ذلك أن أول من سوف ينكر عليه هذا التجاهل اللا إنساني لطفله في مصر, هو زوجته الأجنبية التي تشاركه الآن حياته, وأبناؤه منها.. ولسوف استعين علي ذلك بقراء «« بريد الجمعة »» من المصريين المقيمين في كندا.. وأرجو أن تنجح جهودهم التطوعية في الاهتداء الي هذا الأب وتذكيره بواجبه الإنساني تجاه طفله.. والله المستعان علي كل أمر عسير
رابط رسالة الأسئلة البهيجة لكاتبة الرسالة بعد عدة أشهر
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر