الغريب .. رسالة من بريد الجمعة عام 1988

 

الغريب .. رسالة من بريد الجمعة عام 1988

الغريب .. رسالة من بريد الجمعة عام 1988


أرجو أن تعذرني في رداءة الخط والأسلوب، لأني طالب في المرحلة الإعدادية وعمري 14 سنة. وقد كتبت لك هذه الرسالة لأني قرأت رسالة اسمها "السهام النارية" عن الأب الحنون الذي ترك عمله في السعودية وجاء إلى مصر يبحث عن أولاده، ويتعذب لكي يراهم بعد أن غدرت به زوجته وتركته .. وقرأت لك تقول له وأنت تطمئنه إلى أن أبناءه لن ينسوه وسيرتبطون به عاطفيا مهما حاولت الأم إبعادهم عنه، أن في الأب قبسا من روح الله، لأنه يمثل سر الحياة بالنسبة لأبنائه ولدى الأبناء دائما ميل غريزي للتواصل معه، والحاجة إليه والبحث عنه، وما أيسر استمالة قلوب الأطفال بالحنان والرعاية، وهذا كلام صحيح لأن عندي هذا الميل الغريزي من ناحية أبي، لكنه هو الذي لا يريد أن يراني، لقد طلق أمي وأنا عمري 4 سنوات، وأختي عمرها سنة .. فعشنا مع أمي لدى جدتنا وتركنا أبي من يومها ولم يصرف علينا مليما واحدا، رغم أن النقود تجري في يده، وكان عنده سيارتان وقطعة أرض في الهرم، ونصيب في عمارة، ورغم سفره المتكرر للدول العربية، وقد تزوج منذ فترة لكن الله لم ينعم عليه بأبناء، ومع ذلك فهو لا يحبنا ولا يسأل عني وعن أختي، وحين أذهب إليه في بيته أجد في عينه عدم الرغبة في مقابلتي.

 

وذهبت مرة لزيارة عمتي لأني لا أريد أن تنقطع الصلة بيننا وبين عائلة أبي، فدعتني للذهاب إلى فرح عمي الشاب، وكان في فندق كبير وذهبت وأنا فرحان لأني سأری أبي، وأحس بأن لي عائلة وأقارب .. لكن لا تتصور الفزع الذي رأيته على وجه أبي حين رآني في الفرح، ولا تتصور إحساسي بالارتباك عندما سألني، من الذي قال لك أن تأتي هنا، فجلست بعيدا عنه كأني غريب، وانتهى الفرح في الساعة الثالثة صباحا، وظننت أنه سيأخذني عنده في البيت حتى يطلع الصباح وأستطيع العودة إلى البيت لكنه قال لي: أذهب وخد "تاكسي" ولم يفكر ثانية واحدة في ماذا يمكن أن يحدث لي من مكروه في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟ ولم يفكر في أن يسألني هل معي نقود أم لا؟ لكن الحمد لله كانت معي أجرة التاكسي، وسائق التاكسي الغريب كان إنسانا أكثر من غيره.. وسألني لماذا أنت في الشارع في هذا الوقت فحكيت له الحكاية، فتألم وقال لا حول ولا قوة إلا بالله، الناس دي قلوبها حجر؟ وأوصلني إلى البيت ولم يكن يريد أن يأخذ مني الأجرة، لكني تمسکت بأن أعطيها له، فنزل من التاكسي وأوصلني حتى مدخل البيت وقال لي: سأقف لك في بئر السلم حتى تطلع لكيلا تخاف، وظل واقفا إلى أن شكرته وقلت له مع السلامة.

 

فهل يوجد أب يعامل ابنه بهذه المعاملة القاسية؟ ولماذا لا يحبنا أبي كما نحبه ولا يسمح لنا بالاقتراب منه؟ وأين الرعاية لنا ونحن لا نريد أن نقف ضده أمام القضاء لأنه في النهاية أبي وأنا وأختي نحمل اسمه؟

ثم لماذا ليس عند أبي هذا القبس من روح الله الذي كتبت عنه؟

 

ولكاتب هذه الرسالة أقول:

هذا القبس موجود فعلا يا صديقي في كل الآباء حتى في أبيك نفسه، بدليل أنك ترغب في التواصل معه والبحث عنه، رغم مجافاته لك و تخليه عن أداء واجباته تجاهكم، ونحن حين نطلق الأحكام فإنما نتحدث أصلا عن الأسوياء من البشر لا عن الشواذ منهم، ووجود بعض الاستثناءات لا يغير من القاعدة العامة، وهو أنه من الطبيعة البشرية أن يتلهف الأب على أبنائه، وألا يطيق بعادهم وأن يؤدي واجباته تجاههم.. فإذا كان أبوك يجافيك ويقطع ما بينه وبينك أنت وشقيقتك فهذه جريمة ضد الدين وضد الطبيعة البشرية السوية، وهو لن ينجو بجريمته أبدا ما لم يرجع عنها ويعوضكما عما حرمكما منه طوال السنين الماضية، وسوف يأتي يوم قريب يحس فيه بالحاجة إلى مشاعر الأبناء الصادقة وعواطفهم فلا يجدها.. وسوف يأتي يوم يتلفت فيه حوله فلا يجد سوى الفراغ والخواء والعدم، فيعرف كم كان قاسيا لاهيا حين رفض هذه المشاعر الإنسانية الصادقة، وحرم نفسه منها فاستمر في تواصلك مع أسرة أبيك، واستعن بالعقلاء منهم على إلزامه بأداء حقوقكما المادية والإنسانية، ولا تتوقف عن زيارته كلما أتيحت لك الفرصة، عسى أن يذیب اقترابك منه جليد مشاعره، ويوقظ في قلبه المشاعر الأبوية التي تدفع غيره من الآباء إلى أن يحفروا في الصخر بأظافرهم ويضحوا بسعادتهم الخاصة وراحتهم، لكي يوفروا لأبنائهم الحياة الكريمة، ويضيئوا حياتهم بالحب والعطف والحنان، ولا تبتئس فأنت تطيع ربك ودينك بالسعي للتواصل مع أبيك.. وسوف تحقق أهدافك في الحياة جزاء لك على سلامة فطرتك ونقاء قلبك.. ولا تيأس من موقف أبيك فكم رأينا في الحياة من كانوا مثله قساة غلاظا، ثم رقق الزمن مشاعرهم، وحولهم بعد حين إلى آدميين يتحدثون عن المشاعر الإنسانية، ويفتقدون مشاعر الأبناء الذين جافوهم وباعدوهم من قبل، فعسى أن يتعلم أبوك من تجارب الآخرين، وأن يؤدي واجباته الإنسانية والمادية تجاهكم بغير حاجة لأن ينتظر مطارق الزمن القاسية، لكي تهوى فوق رأسه فيتعلم الحكمة ويعود إلى الحق والعدل.. ولكن بعد فوات الأوان.

رابط رسالة السهام النارية

رسالة المحبوب تعقيبا على هذه الرسالة


·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1988

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات