كلمة الحق .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991
إن الأم التي تكره أبناءها أو بعضهم لا يمكن أن تكون أما سوية نفسيا وعقليا لكن مشكلة بعض الآباء والأمهات هي أنهم قد لا يحسنون أحيانا التعبير عن هذا الحب الفطري الذي أودعه الله قلوبهم ، فيتصور البعض خطأ أنهم يكرهون .. وهيهات أن تعرف قلوب الآباء والأمهات الأسوياء الكراهية بمعناها البغيض لأبنائهم ، إنهم قد يضيقون أحيانا وقد يسأمون وقد يقاطعون ، بل وقد يحرمون، لكنهم أبدا لا يكرهون ولا يستطيعون كراهية من جاءوا بهم إلى الدنيا من عالم الغيب .
عبد الوهاب مطاوع
تزوجت
منذ 22 سنة من ضابط يكبرني بـ 19 عاما وعشت معه حياة هادئة ومستقرة بالرغم من كثرة
تنقلاتنا بين المدن والأقاليم خلال فترة خدمته ، وأنجبت ولدين وبنتا فكانت سعادة
زوجي بأبنائه كبيرة لكن سعادته بابنتنا كانت عميقة وغير طبيعية وعلى الرغم مما
يقال من أن الرجال يفضلون إنجاب الذكور ، فقد طار بها فخرا وأحبها حبا طاغيا
ودللها تدليلا غريبا لفت أنظار الأقارب إليه وأثار غيرة أخويها وحنقهما ، وتزايد
هذا التدليل مع تقدم الأبناء في العمر واقتراب الفتاة من سن الشباب ومخاطرها .
وكرد فعل تلقائي لمعاملة أبيها وعدم
محاسبته لها أو مراجعتها في شئ ، فقد أردت حرصا على مصلحتها أن أتشدد معها حتى لا
ينفلت الزمام نهائيا ، فأدى ذلك إلى اتخاذ ابنتي موقفا عدائيا مني وأصبحت ترفض حتى
إبلاغي بمواعيد خروجها والأماكن التي ستذهب إليها وانقطع الحوار بيني وبينها تماما
رغم محاولاتي العديدة معها ولم تعد تتحدث معي إلا في السؤال عن الطعام والملابس
واحتياجاتها كأني خادمة البيت ولست أمها .
وخلال
محاولاتي الطويلة معها كثرت بيننا المشاكل ووقعت مشاجرات عديدة فكان زوجي ينتصر
لها غالبا ويؤيدها في أهواءها وتصرفاتها الخاطئة بل والطائشة وتوسط بيننا الأصدقاء
والمعارف فكانت النتيجة دائما لصالح البنت مهما كان خطؤها أو جرمها !
وشيئا
فشيئا اتسعت الهوة بيني وبين زوجي إلى أن جاء يوم فقال لي فيه إنني اكره "
الفتاة" وإنه لا يريد أن أكون مصدر إزعاج مستمر لها خاصة وهي ابنته الوحيدة ،
فكان الطلاق !
نعم يا
سيدي الطلاق بعد 22 سنة كنت خلالها الزوجة الوفية ، إنني لا استطيع الاستفاضة في
ذكر التفاصيل لكني مازلت منذ وقع هذا الطلاق "التعسفي" منذ حوالي سنة في
حيرة شديدة من أمر هذا الأب الذي ألغى عقله وتفكيره حتى تصور أنني أكره أبنائي
وطلقني فهو مريض بحب ابنته الزائد عن الحد .
ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
إنني مع
تحفظي الدائم لقول "كلمة الحق" في خلاف لم اطلع على كل تفاصيله ولم أسمع
لكل أطرافه ، إلا أن رسالتك هذه قد تكفي عند المنصفين لأن تكون بادرة طيبة لإقناع
زوجك بأنك راغبة في استئناف الحياة معه ومع أبنائك وفي استدراك ما غاب عنك وأدى
لانقطاعهما بعد عِشرة السنوات الطويلة ، وفي إقناعه بأنك " لا تكرهين"
ابنتك ، وليس من المعقول أن تكرهيها حتى وإن لم ارتح لبعض عباراتك عنها ، ذلك أن
الأم التي تكره أبناءها أو بعضهم لا يمكن أن تكون أما سوية نفسيا وعقليا لكن مشكلة
بعض الآباء والأمهات هي أنهم قد لا يحسنون أحيانا التعبير عن هذا الحب الفطري الذي
أودعه الله قلوبهم ، فيتصور البعض خطأ أنهم يكرهون .. وهيهات أن تعرف قلوب الآباء
والأمهات الأسوياء الكراهية بمعناها البغيض لأبنائهم ، إنهم قد يضيقون أحيانا
وقد يسأمون وقد يقاطعون ، بل وقد يحرمون،، لكنهم أبدا لا يكرهون ولا
يستطيعون كراهية من جاءوا بهم إلى الدنيا من عالم الغيب .
ويبدو يا
سيدتي أنك لم تحسني التعبير عما في أغوار قلبك من حب لا حيلة لك فيه لابنتك هذه
ولم تتفهمي مغزى تعلق زوجك الذي يقترب من السبعين بابنته التي أشبعت عنده حاجته
للعطف والحنان في سن تشتد حاجة الإنسان إليهما فيها وغاب عنك ذلك في غمار انشغالك
بكسب معركة وهمية بينك وبين ابنتك ، كما يبدو أن زوجك لم يحسن فهم بعض أسرار النفس
البشرية التي قد تخفى على كثيرين ولم يعرف أن الأم قد تغار من ابنتها نفسها إذا
استحوذت على كل حب أبيها وتدليله واهتمامه وتأييده وأنه إذا أسرف في ذلك بغير
مراعاة لحاجة الأم لكل ذلك فإنه يجعل ابنتها من حيث لا يدري " خصما عاطفيا
" لأمها فتستثير ضيقها بها وتحفزها ضدها ، وانتقادها ، وتسقط الأخطاء لها
والمبالغة في تضخيمها يحركها في ذلك هدف قد يخفى عليها ميلها نفسيا للانتقاص من
رصيدها عند الأب والإضافة لرصيد الأم عنده .
وقد غاب
كل ذلك عنك وعنه ، وساهم انقطاع الحوار بينك وبين ابنتك في تصاعد الخلافات
والمشاكل ، ثم اتسعت الدائرة فشملت زوجك وانتقلت الشرارة إليه ، ولعب سحر نكد
الأبوة الذي يلتهم ببطء كل أعمدة البيوت المستقرة دوره ، فانهدم البنيان فجأة وكان
السبب الظاهر هو خلافاتك مع ابنتك ، والسبب الحقيقي هو فساد الحياة وتعذرها .
ومع ذلك فانا لا أعفي ابنتك من مسؤوليتها العظمى عن وقوع هذه الكارثة أو عن عدم مقاومتها و " ابشرها " بعذاب أليم في الدنيا والآخرة إن لم تنهض فورا لإصلاح ما ساهمت في إفساده وإن لم تستغل حب أبيها لها في الإصلاح بينه وبينك وفي إعادتك إلى بيتك على الفور . حتى ولو كنت قد تجنيت عليها فعلا في خلافاتك معها فحسن مصاحبة الأبويين في الكبر والصبر على تبعاتها " جهاد" يجزي الله عنه صاحبه بأجر المجاهدين في سبيله وإذا كان أمرا مؤلما للنفس أن توضع الأم أصلا موضع التحكيم بينها وبين ابنتها فيقف المحكمون الغرباء في جانب الابنة كما تقولين في رسالتك فإن الحكمة تقتضي أيضا يا سيدتي أن يراجع الإنسان نفسه ويتخلى عن اعتقاده الذي لا يشاركه فيه أحد بأنه على حق ، إذا اجمع الآخرون أنه ليس كذلك . فعسى أن تراجعي نفسك بهدوء وتهيئ نفسيا للاعتراف بما كنت ترفضين الاعتراف به من قبل وإني لأعتبر رسالتك هذه مؤشرا على ذلك . أرجو أن يتفهمه زوجك ويقدره لك ويسقط هذه الصفحة من حياتكما نهائيا ويعيدك إلى أسرتك وبيتك وعسى أن يستفيد كل أطراف المشكلة من دروس المحنة فيخفف زوجك من إفراطه في تدليل ابنتك وفي ضعفه معها .. وتخففين أنت من تشددك معها واستنفارك ضدها وتعود ابنتك لرشدها وتتفهم دوافعك الطيبة للتشدد معها وتسلم لك بحقك في نصحها حين تجب النصيحة ، وتقترب منك ليعود الحوار بينكما من جديد وتجد كل المشاكل حلولها بالفهم والحب وليس بالنزاع والصدام إن شاء الله.
رابط رسالة الدموع المتحجرة المرسلة من ابنة كاتبة الرسالة
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر