الجولة الأخيرة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1989
أنا مهندسة شابة تزوجت منذ 9 سنوات من طبيب بشري وسيم ومثقف وعطوف ، فجمع الحب بيننا وعشنا في إحدى مدن الأقاليم وأنجبنا ثلاثة أبناء أكبرهم في الثامنة من عمره وعشنا سنوات سعيدة هادئة .. يعمل هو في عيادته ويعود كل مساء إلى بيته فيجلس بيننا نشاهد التليفزيون أو يجلس قريبا منا يقرأ أو يكتب القصص التي يهوى كتابتها ونشرت له صحيفة أحداها منذ سنوات ومنذ 5 سنوات انزلق زوجي إلى تعاطي حقنة مخدرة كانت متوافرة وقتها في جميع الصيدليات اسمها استاوول ولم اعرف ذلك في حينه .. وإنما بعد فترة حين بدأت معاناته في الحصول عليها .. وارتفع ثمنها إلى 60 جنيها .. وبعد أن تدهورت صحته وأحواله وعرف الجميع سره فعشنا أياما قاسية وحاول زوجي التخلص من إدمانه ووقفت إلى جواره حتى لا تتحطم أسرتي و يتشرد أطفالي الثلاثة وأقنعته بالذهاب معي إلى أخصائي أمراض نفسية فشخص حالته بأنها انفصام في الشخصية وطلب منه دخول قسم الأمراض النفسية بالمستشفى وأقنعته بذلك وذهبت معه فوجد القسم خاليا من أي غرفة لعلاج حالات الإدمان والنزلاء في حالة سيئة فرفض الدخول وغادر المستشفى.
واستحلفته بأطفالنا وحبنا أن يستجمع إرادته لإنقاذ
نفسه وإنقاذنا .. فأغلق عيادته وحبس نفسه في البيت وبدأ العلاج فاستطاع أن يتخلص
من هذه الحقنة لمدة أسبوعين وتضرعت إلى الله بأن يحميه منها إلى الأبد وخرج من
البيت فإذا به يعود إليها ثانية .. وتعود آلامنا ومعاناتنا ثم جاءت محاولة العلاج
الثالثة من عند الله فقد اخطأ في إجراء عملية جراحية معينة فكان الحبس على ذمة
التحقيق لمدة ٣٥ يوما اقلع خلالها مضطرا
عن الحقنة
القاتلة لكنه عاد إليها بعد خروجه بكل أسف وتدهورت أحواله وأحوالنا معه فبعنا
مصاغي والسيارة وبعض أثاث البيت بعد أن عجز دخله ودخلي عن تلبية مطالب هذا السم
الذي يكلفه 60 جنيها كل يوم وتراكمت علي الديون فزادت حتى الآن على ألف جنيه ولم
يعد أمامنا سوی أن نبيع العيادة أو الشقة التي نقيم فيها وهي الشيء الوحيد الذي
ورثته عن أبي لكن صاحب البيت الذي تقع فيه العيادة يرفض التصرف فيها ويطالبنا بإعادتها
إليه.
وسدت في وجهي كل الأبواب وأنا أواجه كل هذا العذاب وحيدة فقد يئس منه أهله وكلما شكوت إليهم قالوا أعطيه ملابسه ودعيه يفعل بنفسه ما يشاء فهل افعل ذلك يا سيدي .. وأنا أحبه ... وهو أب أولادي الثلاثة الذين يبكونه ويحبونه ويتعلقون به ؟ أم استمر معه وكل يوم تزداد فيه معاناتي وتتراكم فوقي الديون ؟ إن كل أملي هو أن يعالج زوجي لكي يعود إلى نفسه وشخصيته الطبيعية ويجتمع شمل أسرتنا من جديد فهل تنال مشكلتي اهتمامكم من أجل ثلاثة أطفال صغار وأم معذبة ؟.
ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
إن أقسى ما
تحكم به الحياة على إنسان هو أن يعايش الخوف من المجهول كل لحظة .. وأن يفتقد الأمان
والسلام والكرامة في حياته الخاصة ولا شك أن هذا هو حالك يا سيدتي فقد استسلم زوجك
لضعفه وهوانه فبدد الأمان والسعادة من حياتكم وحكم عليكم بتوجس الشر وتوقع الخراب
في كل حين .
لقد مللت الحديث عن هذا الوحش الذي يستسلم له
البعض بإرادتهم فيحولهم إلى أشباح ذليلة اعتمادية تحتاج باستمرار إلى من يسندها
ويقيلها من عثراتها ما بقي لهم من عمر .. كأنهم صغار لم يبلغوا بعد سن الفطام وهذا
هو أبشع ما يصنعه الإدمان بإنسان يعرف معنى الكرامة .. أن يصبح نكبة مدمرة على من
يحبونه ويعتمدون عليه في حياتهم بدلا من أن يكون هو راعيا وحارسا أمينا لهم ضد
غوائل الزمن.
إن نقابة الأطباء ينبغي أن يكون لها فيما أتصور
دور فعال في علاج زوجك باعتباره طبيبا كما أن هناك جمعية للأطباء الشبان تكرس بعض أوجه
نشاطها لعلاج حالات الإدمان لهذا فاني سوف اتصل بالنقابة وبالجمعية مناشدا المسئولين
فيهما علاج زوجك مع استعداد بريد الأهرام للمساهمة في نفقاته إذا رأت النقابة
والجمعية ذلك، فخوضي معه يا سيدتي هذه الجولة الأخيرة .. استجابة لنداء الحب
والواجب الإنساني تجاهه وتجاه أطفالك .. بشرط أن تكون جولته الأخيرة فعلا .. فإذا
استسلم لضعفه بعدها فإن العدل والحكمة يدعوانك إلى التخلي عنه وتركه لحال سبيله
ومصيره وإبعاده عن أطفاله قبل أن يدمر حياتهم وحياتك وكفى بذلك عقابا له .. وكفاك
ما تعانين وما تلاقين معه من عناء.
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر