الدموع المتحجرة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

 الدموع المتحجرة  .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

الدموع المتحجرة  .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

منذ فترة نشرت في بابك رسالة بعنوان " كلمة الحق" تشكو لك فيها أم بما فعلته ابنتها معها وتروي لك كيف تمردت عليها ورفضت وصايتها عليها والاستماع إلى نصائحها ، وتسلطت على أبيها الذي يحبها حبا كبيرا حتى فسدت العلاقة بين الأبوين وطلق الأب أمها انحيازا لابنته الجميلة وحتى لا تنغص الأم حياة ابنتها بنصائحها ونواهيها . وقد نشرت الرسالة ورددت عليها مناشدا الأب أن يراجع نفسه فيما فعل وأن يعدل بين الأم والابنة ، وتوعدت الابنة المدللة بعذاب أليم في الدنيا وفي الآخرة إن لم تسارع إلى تصحيح الخطأ أو الجريمة التي حرضت عليها أو تسببت فيها.

 

وأنا يا سيدي تلك الفتاة التي شكت منها أمها والتي توعدتها أو بشرتها بعذاب أليم إن لم تكفر عما فعلت وأصارحك القول بأنني حين نشرت رسالة أمي سخرت مما كتبته عني إليك ولم أهتم بما توعدتني به من عذاب وعشت حياتي كما تعودتها ثم بعد فترة قصيرة من نشر الرسالة مرضت أمي مرضا شديدا وفقدت القدرة على الحركة والكلام لمدة شهر لم يزرها خلاله أبي واتهمتني أمي كالعادة بأنني منعته من زيارتها. وفي الحقيقة فإني لم أمنعه من زيارتها ، لكني لم ألحّ عليه بأن يزورها وكنت أزورها أنا فتسألني عنه وأجيبها بأنه مشغول أو بأنه يطمئن على أخبارها مني ، وألمح في عينيها امنية كسيرة في أن يزورها أبي وأن يعيدها إلى عصمته فيجتمع شملها مع ولديها وابنتها وتعود لبيتها التي عاشت به 22 سنة حتى قاربت سن الخمسين ، بل أنها تكاد تستجدي بالنظرات الصامتة مني أن " أكلمه " ليفعل وهي تعتقد أن لي عليه تأثيرا كبيرا وأنه كما قالت لك في رسالتها مريض بحب ابنته الوحيدة على ولدين لكني كنت اعرف أن العلاقة بينهما قد تأثرت كثيرا وأني لست المسئولة الوحيدة عن انهيارها ففضلت الانتظار بعض الوقت حتى تصلح الأيام النفوس وتزيل الخلافات مع الزمن .

 

ولاحظت أن المرض يشتد عليها في كل مرة أزورها فيها وأنها لا تتحسن وإنما تسوء حالتها وأكد الأطباء أنها حالة في المخ وبعد شهرين من بداية مرضها طلب مني أبي أن نزورها معا وذهبنا لزيارتها ، ثم ذهبت لزيارتها مرة أخرى فشاء قدري أن تصاب أمي يومها بنزيف مفاجئ في المخ وأن تفشل جهود الأطباء في إنقاذها فتسلم الروح أمامي وهي غائبة عن الوعي والدموع متحجرة في عينيها وهي لا تنطق ولا تجيبني حين طلبت منها أن تسامحني. ولقيت أمي رحمها الله وجه ربها . ومنذ هذه اللحظة الرهيبة حتى الآن ولم يفارق خيالي وجه أمي ودموعها المتحجرة وصمتها الأبدي وعجزها عن الكلام أو رفضها أن ترد علي حين طلبت منها أن تسامحني ، وفي كل لحظة أتمنى أن تعود من غيبتها النهائية ولو لساعة واحدة لأطلب منها المغفرة وتغفر لي. آه يا سيدي إنه العذاب الأليم الذي توعدتني به والذي استهنت به وقتها ولم أتخيل أنه سيحل سريعا هكذا .. إنني أعرف مدى السخط الذي شعرت به بعد قراءة رسالة أمي إليك والسخط الذي حط على رأسي من قراء بريدك حين نشرتها وعلقت عليها .. لكن كل ذلك لا يساوي ما أحس به الآن من لسع الندم وعذاب المشهد الرهيب الذي يطاردني في نومي وحصوي. إنني أدعو الله أن يغفر لي ويسامحني وهو مطلع على ما في الصدور ويعلم أنني وإن كنت ساهمت بدون قصد مني في تعقيد المشاكل بين أبي وأمي بسبب كثرة مشاجرات أمي معي وانحياز أبي لجانبي دائما إلا أنني لم أرغب في أن يطلقها أبي ولم يسعدني ذلك كما تصورت أمي حتى ولو كان الطلاق قد أراحني لفترة من خلافاتنا المستمرة ومشاحناتنا اليومية إذ أين الفتاة التي في سن الزواج ويسعدها انفصال أبيها عن أمها وهي على أقل تقدير تأمل أن تكون لها أسرة طبيعية ومستقرة أمام من سيتقدم لزواجها ذات يوم .. نعم أجرمت في حق أمي بتمسكي برأيي وبإصراري على ألا تتحكم في حياتي مما كان يثير المشاكل معها لكني لم أكن أستطيع منع أبي من طلاقها بعد أن أصبحت لديه " عقيدة راسخة" أن أمي تكرهني وتغار من حبه لي . صدقني لم أكن أستطيع منع الطلاق لكني ربما كنت أستطيع أن أوقف تصاعد المشاكل بينهما بسببي وأن أتنازل أنا عن بعض مواقفي وأن أعاملها كأم مهما شكوت منها فتهدأ الأمور بيني وبينها وبالتالي بينها وبين أبي ، لكني لم أفعل وللأسف أنا نادمة على ذلك يا سيدي وأرجو الله أن يعفو عني . وأرجو أن تعرف أمي في السماء أني نادمة وحزينة ولست سيئة بهذا الشكل الذي تصورتني به، فهي أمي مهما حدث فليتها تعفو عني وليتها أجابتني حين طلبت منها الصفح والسماح ...

·

ولكاتبة هذه الرسالة :

أقول : آه .. ما أغبانا حين نتصور أن في العمر متسع دائما لإصلاح الأخطاء وأنه لا داعي للتعجيل بالاعتذار عن الخطأ والتنازل عن كبريائنا لاسترضاء من أسأنا إليهم وجافيناهم فإذا بالحقيقة الوحيدة في هذا الكون تهوي بمطرقتها الثقيلة فوق رؤوسنا لتقول لنا من جديد أنه قد فات أوان الإصلاح والاعتذار ولم يبق لنا سوى لسع الندم وعذاب الضمير .. نعم ما أغبانا وما أعمانا وما أقصر نظرنا وأبشع غفلتنا حين نعتقد دائما أننا سنجد كل شئ في موضعه غدا فنصلح من أمرنا ما كنّا نستطيع أن نصلحه أمس أو اليوم ، ولا نتعلم الحكمة أبدا ألا بعد فوات الأوان .. ولا نطلق كلمة الحق الحبيسة من عقالها إلا بعد أن يكون من أشقيناهم بحجبها عنهم قد فارقونا غير راضين.. إنني لا أناقش وجه الحق في مبرراتك وأعذارك فقد قلت في تعليقي السابق كل ما أردت قوله لك ولم يعد يجدي الآن اجتراره . كما أني لم أنشر رسالتك لأبشرك مرة أخرى بما استهنت به حين نشرت الأولى فما تعانيه الآن وتحسينه أبلغ كثيرا من أي وعيد أو نذير لكني نشرتها فقط لنقول معا لك ولأنفسنا وللجميع .. لا تؤجلوا اعترافا بخطأ ولا سعيا لاسترضاء من أمرنا الله باسترضائهم أو من أخطأنا في حقهم إلى الغد .. فالحياة مهما طالت قصيرة ولسوف نتجرع مرارة الألم والخوف حين نفاجأ برحيل من في أعناقنا حق لم نؤده إليهم ولم نتقرب إلى ملك الملوك برفع الظلم عنهم وإزالة أسباب شقائهم وقد كان في أيدينا أن نفعل لكننا استسلمنا لاطمئنان الغافلين أو كبرياء الجاهلين وحنقهم واغترارهم بدنيا لا تستقر على حال فلم نفعل ولم نجن سوى الحسرة وحصاد الهشيم.. أما أنتِ فطريق الاستغفار مفتوح دائما لمن صدق ندمه وصحت توبته ولم يمار في حق لا مراء فيه ولم يتلمس لنفسه الأعذار والمبررات وإن عظم ذنبه .. والله يغفر
لمن يشاء وهو على كل شئ قدير.

رابط رسالة كلمة الحق

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" مايو عام 1992

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات