الشوكة القوية .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1999
ولماذا نتهلل للخلاف من أول بادرة فنقفز على الفور الى مياهه العميقة ونخوض المعارك الضارية ضد من اختلفنا معهم بلا أي اعتبار لسابق مودتنا لهم أو مودتهم لنا أو لما يربطنا بهم من روابط إنسانية.
قرأت رسالة "الحرب
الشرسة" للطبيب الذي يروي عن معاناته مع زوجته السابقة والحرب الشرسة التي شنتها
عليه حتى نالت منه ما لا حق لها فيه, فأثارت هذه القصة شجوني ودفعتني لأن أروي
لك قصة حرب مماثلة كنت أنا قائدتها لا ضحيتها.. فأنا مهندسة شابة على قدر من
الجمال نشأت في أسرة متوسطة وكنت أول طفلة في عائلتي فتمتعت بعطف الأسرة وتدليلها
الزائد لي, حتى تعودت أن آمر فأطاع وإلا غضبت وتعذر إرضائي إلا بصعوبة شديدة,
كما ساعدني على هذا الدلال كذلك تفوقي الدراسي والتحاقي بإحدى كليات القمة,
وخلال فترة الدراسة تعرفت على معيد شاب يكبرني بخمس سنوات, فأحببته بجنون وفرضت
حوله أسوارا من الممنوعات والمحظورات خوفا من أن تأخذه مني فتاة أخرى أو يرحل عن
الحياة, ابتداء من تعليماتي المشددة له بألا يعبر الطريق إلا إذا كان خاليا,
إلى تحريمي عليه أن يتبسط في الحديث مع أي فتاة أو زميله له في العمل الحكومي أو
في المكتب الاستشاري الذي يعمل به في المساء, ويا ويله مني لو فاجأته في المكتب
فوجدته يتحدث مع زميلة له, إذن فهي النار التي لا يطفئها سوى تركه للعمل في هذا
المكتب نهائيا, مهما كان دخله منه.
وتكررت هذه القصة كثيرا حتى لم يعد يستقر في أي
مكتب سوى بضعة شهور وأحيانا أسابيع, وحتى رفضته بعض المكاتب لعدم استقراره في
العمل.
وعلى هذا النحو مضت
فترة خطبتي له ثم تزوجنا وتكررت مواقف الشك فيه والغيرة عليه, فكنت أشك في كل
اتصال تليفوني يتلقاه.. وكل ورقة أجدها في جيبه أو حقيبته ولا أفهم فحواها,
وأحاصره حين يرجع من عمله مرهقا بالأسئلة والاستجوابات المضنية إلى ما لا نهاية.
وأنجبت طفلة جميلة..
والحال مازال على ما هو عليه, ثم زاد شكي فيه حين أبلغني بعض الزملاء أنه شوهد
يسير في الشارع في احد الأيام مع زميلة له في آخر مكتب هندسي قبله للعمل فيه..
ولاحقته بالتحريات واستجواب زملائه في المكتب حتى هيأ لي شيطاني أنه لابد أن يكون
قد أخطأ مع هذه الزميلة, فافتعلت معه مشاجرة عنيفة وأخذت طفلتي وعدت إلى بيت
أهلي, وبغير أي محاولة للتفاهم معه بدأت في شن حربي الشرسة ضده, ابتداء من رفع
دعوى قضائية ضده واتهامه بتبديد أثاثي إلى رفع دعاوي النفقة, إلى تشويه سمعته في
عمله بالمكتب الهندسي وعمله الحكومي إلى اتهامه بكل ما لا يخطر على البال من
اتهامات, وكل ذلك وهو لا يكف عن محاولة إعادتي إلى بيته مرة أخرى واسترضائي
والتفاهم معي, لكني كنت قد تحجرت أمام مطلب واحد هو الطلاق والحصول على كل حقوقي
بلا تنازل عن أي شيء مهما كان ولم أترك وسيلة مادية أو معنوية لإيذاء زوجي إلا
واستخدمتها وكل ذلك وهو صابر ويكتفي بالدفاع عن نفسه ومحاولة دفع الاتهامات
الظالمة عنه دون أي محاولة لإيذائي.
وخلال انهماكي في
قيادة هذه المعركة الضارية ضد زوجي تقرب إلي كثيرون من الزملاء يريدون الزواج مني
بعد نجاحي في الحصول على الطلاق, فقوي ذلك من شوكتي وزادني إصرارا على مواصلة
الحرب حتى النصر!
وأخيرا حصلت على
الطلاق وفزت بالأحكام القضائية التي أردتها.. وتلقيت التهاني من الأهل والصديقات,
وشعرت بنشوة النصر.. وبدأت أفكر في المستقبل فانتظرت انقضاء فترة العدة لكي أبدأ
في اختيار واحد من الذين يحومون حولي ويرغبون في الزواج مني للارتباط به, وبدأت
أقارن بين مميزات كل منهم وعيوبه.. وأفكر بعمق في ذلك لكيلا اكرر التجربة
الفاشلة في حياتي, ولكي أحصل على أفضل الشروط والظروف لحياتي الجديدة.. وبدأت
أتهيأ لاستقبال عروض الزواج والمفاضلة بينها. فإذا بالذين كانوا يتنافسون على
الفوز بي خلال انشغالي بالمعركة الطاحنة, يبتعدون عني واحدا بعد الآخر بمجرد
حصولي على الطلاق, وإذا بأحدهم يقولها لي بصراحة إنه كان يريد صداقتي فقط وليس
الزواج مني, إذ ماذا يجبره على الزواج من مطلقة ولديها طفلة!
وبعد عشرة شهور فقط
من حصول على الطلاق رحل أبي فجأة عن الحياة رحمه الله وسامحه فيما جناه علي.. إذ
لم ينهني يوما عن شيء مما فعلته ولم يفتح عيني على حقائق الحياة التي أدركها
بخبرته, وبدلا من أن يرشدني للحق والعدل في معركتي مع زوجي كان يساعدني عليه
بحيل وأفكار شيطانية.
ومضى العام تلو
العام.. فضمد زوجي السابق جراحه ورمم حياته التي حطمتها له تحطيما وتزوج من أخرى
وتحسنت أحواله المادية تدريجيا حتى استطاع شراء شقة جديدة وسيارة جديدة وقام بأداء
فريضة الحج مع زوجته مرتين وأنجب منها البنين, أما أنا فلقد طردني أخي من شقة
أبي لكي يتزوج فيها وانتهى بي المطاف لان أحيا وحيدة مع طفلتي التي تبلغ من العمر
الآن تسع سنوات في شقة صغيرة بالإيجار, وقد أصيبت ابنتي بحالة من الاكتئاب
والتبول اللاإرادي وتعذبني دائما بتساؤلاتها المريرة.. لماذا يكون لكل صديقاتها
آباء وهي وحدها بينهن التي بلا أب. وذلك بالرغم من أن أباها يراها مرتين كل
أسبوع ويصطحبها معه إلى المصيف والرحلات القصيرة.
إني أكتب لك هذه
الرسالة لكي أقول لكل إنسانه على وشك الانفصال عن زوجها, إنني وبكل كبريائي أقبل
الآن أن يعود إلي زوجي ولو ضربني كل يوم, وأقبل به ولو عرف امرأة مختلفة كل يوم,
وأقبل به كذلك ولو رفض حتى أن يكلمني أو يجالسني, لكي أحس فقط بالأسرة, وبأننا
أب وأم وأطفال, وأناشد كل زوجة وكل زوج أن يصبرا على شركة الحياة وان يسعى كل
منهما لحل مشكلاته بالصبر والتفاهم والأمل في المستقبل.. وانصح كل زوجة بأن تقرب
زوجها منها وان تصبر على ما لا يرضيها منه الآن لأنه قد يتحسن للأفضل في الغد..
فإن لم يتحقق ذلك فهذا أفضل لها كثيرا من الوحدة والندم اللذين أتجرع مرارتهما
الآن.
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
يشغلني دائما حين أقرأ رسالة مماثلة لرسالتك هذه سؤال غريب أتأمله طويلا ولا أصل عادة إلى جواب شاف له ـ وهو: لماذا يحتاج الإنسان دائما إلى أن تنزل به النازلات كثيرا حتى يدرك خطأ مواقفه السابقة التي طالما أصر عليها من قبل واستمسك بها ورأى أنها الحق.. الذي لا يأتيه الباطل من شماله أو يمينه, وكم من السنين يحتاجه المرء لكي يكتشف أخطاءه ويرى خطل مواقفه السابقة فينهض لإصلاح الأخطاء وأداء الحقوق لمن ظلمهم خلال اعتزازه بنفسه وقوته واقتناعه المطلق بصحة موقفه.
إن السعداء من
البشر هم الذين تهديهم حكمتهم إلى اكتشاف أخطائهم والتسليم بها بلا مكابرة في
المدى الزمني القريب الذي يسمح لهم بالاعتذار عنها وإصلاح آثارها بغير أن يخسروا
الكثير, والتعساء منهم هم من لا يرون الحق حقا إلا بعد أن يتعذر عليهم إصلاح
الأخطاء وتدارك المواقف, فيدفعون الضرائب الباهظة من حياتهم وأمانهم.. وسعادتهم.
ونحن كثيرا ما نقول
لأنفسنا انه لو رجعت بنا الأيام إلى الوراء لما فعلنا كذا وما استمسكنا بكذا وكذا
من مواقفنا السابقة وآرائنا, ونحن نحن نفس البشر حين استمسكنا بهذه المواقف
ودافعنا عنها باستماتة في وجه الآخرين, ونحن نحن البشر حين أدركنا الآن كم كنا
جهلاء وحمقى وقصار النظر حين صممنا آذاننا عن كل نصيحة وتصورنا أن موقفنا أو
اختيارنا هو الحق الذي لا يدانيه حقه, وأن الآخرين هم المخطئون الذين لا شبهة في
خطلهم وخطئهم, فما الذي تغير فينا وغير من مواقفنا وأفكارنا وآرائنا؟ إنها تجربة
الأيام وحكمة السنين التي تضن غالبا بدروسها على من لم يدفع ثمنها الغالي من حياته
وتجاربه.
فهل كنت تتصورين
ذات يوم يا سيدتي وأنت تقودين المعركة الطاحنة ضد زوجك في المحاكم وترفضين كل
محاولات الصلح أو التفاهم إنه سوف يجيء اليوم الذي تعترفين فيه بجنايتك على نفسك
وزوجك وطفلتك, وبخطأ موقفك من شريك الحياة من البداية إلى النهاية ومادام الحال
هكذا.. وما كان يبدو لنا هو الصواب الذي لا يأتيه الخطأ من فوقه أو تحته, قد
يصبح بعد بضع سنوات هو عين الخطأ نفسه ونشعر بالندم المرير عليه , فلماذا لا
يبدي أحدنا وهو في عنفوان تمسكه برأيه وموقفه أي استعداد لمراجعة نفسه وتأمل
مواقفه ومواقف الآخرين ومحاولة تحري العدل فيها.
ولماذا نتهلل
للخلاف من أول بادرة فنقفز على الفور إلى مياهه العميقة ونخوض المعارك الضارية ضد
من اختلفنا معهم بلا أي اعتبار لسابق مودتنا لهم أو مودتهم لنا أو لما يربطنا بهم
من روابط إنسانية.
لقد كتبت رسالتك
هذه يا سيدتي وأنت في حالة صدق مع النفس, حبذا لو استشعرها الإنسان دائما لكي
يعترف بأخطائه ويتعلم دروسها ويبرأ من حقوق من ظلمهم خلال معاركه الضارية معهم..
فلقد أدركت انك
وأنت من أحببت زوجك السابق بجنون كما تقولين, قد حطمته حياتك معه بغيرتك المفرطة
عليه, وشكوكك الدائمة فيه واعتيادك بأثر تنشئتك الخاطئة وتدليلك المفرط أن تأمري
فيستجاب لك بلا مناقشة, فلعلك قد تعلمت الآن درس التجربة الذي يقول إن الحب وحده
لا يكفي لاستمرار الحياة الزوجية ونجاحها ما لم يرافقه الفهم وحسن الإدراك
والاتزان والإنصاف وحسن المعاشرة واتحاد الأهداف, ولعلك أدركت الآن أيضا أن
الحياة ديون, وأننا نحاول دائما أن نحتمي من ظلم الأيام لنا, بألا نظلم أحدا
ولا نفتري على أحد, وبألا تدركنا نشوة النصر الظالم على من نعرف جيدا في قرارة
أنفسنا حقيقة ظلمنا له وأنه لم يكن يستحق منا بعض ما فعلنا به.. فلا عجب إذن يا
سيدتي أن تعوض الحياة زوجك عن ظلمك له, وأن تبدله زوجة أخرى ترعى مودته وتحرص
عليه, ويحيا معها آمنا مستقرا, ولا عجب أيضا أن يبدله الله من حياته التي
تعترفين بأنك قد نجحت في تحطيمها ماديا ومعنويا, حياة جديدة أفضل وأنجح وأوفر
ثمرة.
كما لعلك أيضا قد
تعلمت أهم دروس هذه التجربة وهو الفارق الهائل بين من يحومون حول امرأة متزوجة
بهدف الفوز بها كصديقة, وبين من يرغبون حقا وصدقا في الارتباط بها والزواج منها..
فلقد فات عليك
للأسف إدراك هذا الفارق فقويت شوكتك على زوجك الذي لم يكن يرغب في فراقك حتى
اللحظة الأخيرة, بهؤلاء الذين تخلوا عنك بمجرد أن زال عنك قيد الزوجية.
ولو أنك أمعنت
النظر الآن في الأمر كله, لأدركت أن أحد أسباب نفور هؤلاء الرجال من التفكير فيك
كزوجة بمجرد انتصارك الشامل في معركتك الضارية ضد زوجك السابق, هو هذه المعركة
نفسها! ولا غرابة في ذلك لأن من تخوض مثل هذه المعركة بالحق والباطل ضد من أحبته
من قبل بجنون وأنجبت منه طفلة صغيرة, وتستخدم فيها كما تقولين الأفكار والحيل
الشيطانية التي يساعدها بها والدها ضده, من تفعل ذلك يا سيدتي لا يأمن غالبا
الرجل للارتباط بها إذا اقترب منها خلال قيادتها لهذه المعركة ولمس عن قرب ضراوة
عداوتها ولدد خصومتها حتى ولو كان غارقا في حبها فلعل ذلك يكون أيضا أحد دروس
تجربتك التي تدعين الأخريات والآخرين إلى الاستفادة بها فلا يفجر احدهم في الخصومة
فينفر منه من يحيطون به خوفا من أن تطولهم سهامه ذات يوم وهو من خبروا عنه انه لا
يرعي حقا ولا ينفر من باطل.
وختاما فإني أشكرك
على صدقك مع نفسك وعلى رغبتك المخلصة في أن تضعي تجربتك أمام الآخرين ليستفيدوا
بدروسها ويتفادوا أشواكها وأرجو لك ولطفلتك الصغيرة أن تعوضكما الحياة عما تعانيان
وتمسح على جراحكما وتبدل من أمركما خيرا بإذن الله.. والسلام.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1999
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر