الحرب الشرسة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1999

الحرب الشرسة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1999

الحرب الشرسة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1999

إن ديننا الحنيف يرشدنا إلى السبيل القويم للتعامل مع الحياة الزوجية وهو: "فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" والتسريح بإحسان هو أن يعطى الرجل مطلقته بغير مماطله او منازعه مؤخر صداقها ومتعة الطلاق وينفق عليها خلال عدتها ويؤدى إليها بقية حقوقها المادية من أثاث وممتلكات خاصة بها بغير أن يعضلها فى ذلك أو يحرمها من شئ منه، وأن يؤدى راضياً نفقة أبنائه منها بما يتناسب مع دخله المادى ومستواه الإجتماعى والعائلى، وليس أقل من ذلك .. فأين ذلك مما يجرى الآن بين البعض حين يتحولون بعد حياتهم المشتركة إلى خصوم ألداء يتفنن كل منهم فى محاولة إعضال الآخر وسلبه ما لا حق له فيه؟

عبد الوهاب مطاوع


حاولت مقابلتك أكثر من مرة ولم تسمح الظروف بذلك فأنا طبيب عمري 45 سنة، وهيئتي وصحتي على ما يرام والحمد لله.

وقد عملت خارج مصر لفترة ثم رجعت إلى بلدي منذ 3 سنوات وتزوجت من فتاة كان عمرها وقتها 25 عاماً وتحمل شهادة من معهد التعاون التجاري وذات جمال متوسط وتقيم بالإسكان الشعبي بحلوان، وقد تزوجتها لأحمي نفسي من الموبقات وأرعى حدود الله، غير أنها ومنذ اللحظة الأولى لزواجي منها، راحت تثبت لي كل يوم أنني قد أخطأت بالزواج منها.. فهي تتطاول علي بالسب والشتم وتطلب مني الطلاق في كل مناسبة وتسمعني عبارات مؤلمة من نوع: أنت مش راجل.. طلقني، أنا مش طايقة أشوف وجهك، أنت أكبر مني بـ 17 عاماً ..  إلخ.

 

وخلال انفجاراتها العصبية هذه تقوم بتحطيم المسجلات والفازات والأشياء التي تقع في يدها ثم تترك بيت الزوجية وترجع إلى أبيها، وكل ذلك بالرغم من عدم تقصيري معها في كل الجوانب المادية والعاطفية والحسية.. إلخ.. وحين ترجع إلى بيت والدها يبدأ هو في البيع والشراء في ولا أسمع منه سوى عبارات معلهش.. أصلها صغيرة في السن.. إلخ.

 

وقد مضت الشهور الأولى من الزواج على هذا الحال، وبعد تسعة شهور و 15 يوماً بالضبط من زفافنا .. وضعت زوجتي طفلنا الوحيد، وظننت أن هذا المولود سوف يجعلها أكثر تمسكاً بحياتنا، فإذا بها تزداد شراسة وسوء أدب، وبعد ثمانية شهور من ميلاد الطفل، تركت بيت الزوجية من جديد عقب خلاف مماثل، وبدأت في تحرير المحاضر وإقامة الدعاوى القضائية ضدي، وشن والدها عليّ حرباً شرسة دمرني خلالها على مدى عام ونصف العام حتى الآن في سمعتي ومالي ومستقبلي وأساء إليّ في عملي الحكومي وفي عيادتي حتى اضطررت إلى بيع العيادة وترك الحي كله، وحرمني من رؤية طفلي بالرغم من التزامي بدفع النفقة الشهرية له، وأقام عشرات القضايا ضدي.. وقد عرضت عليه أكثر من مره حل الأمور المتعقلة بيننا ودياً فكان يرفض ذلك دائماً ويقول إنه يعرف طريق المحاكم جيداً ويعرف كيف يحصل على ما يريد من خلاله.

 

لقد خرجت زوجتي من بيتي دون إذني منذ عام ونصف العام ونسبت إلي صفات قبيحة ظالمة. وأقامت بمساعدة والدها القضايا ضدي وحصلت على الطلاق لكن القضايا الأخرى مازالت تأخذ مجراها..

والآن وبعد كل ما حدث فإنها كما تقول نادمة على ما فعلته وتود أن ترجع إلى بيت الزوجية ولكن بشرط أن أوافق على شروط أبيها ! أما شروط الأب للعودة فهي أن أكتب له شيكاً على بياض، وقائمة منقولات بضعف قيمة القائمة الحالية.



 

ولكاتب هذه الرسالة أقول:

 

بعض البشر ينطبق عليهم حال أسرة البوربون الملكية التي حكمت فرنسا من عام 1589 حتى عام 1830، فيما عدا فترة الثورة الفرنسية التي عزلت خلالها ثم رجعت للحكم بعد القضاء على الثورة لبضع سنين أخرى، فلقد تصور البعض أن ملوكها سوف يستفيدون من عودتهم للحكم من أخطائهم السابقة التي أطاحت بهم من قبل وسوف يتعلمون درس التجربة ويبدأون عهداً جديداً خالياً من أخطاء الماضي، فقال المؤرخون إنهم رجعوا إلى الحكم لكنهم لم يتعلموا شيئاً من محنة العزل وإعدام لويس السادس عشر وزوجته ماري انطوانيت ولم ينسوا أيضاً شيئاً من أحقادهم القديمة على من عزلوهم ولهذا فقد فقدوا ملكهم مرة ثانية بعد قليل وانقرضت أسرتهم للأبد.

 

والواضح أن زوجتك السابقة لم تتعلم شيئاً من تجربة النزاع والطلاق وانهيار بيت الزوجية وحرمان طفلها الوليد من أبيه لأكثر من عام ونصف العام حتى الآن, ولم تنس أيضاً شيئاً من مطالبها الظالمة أو مطالب أبيها، التي تمارس الضغط عليك للقبول بها، إذ كيف تقول لك إنها الآن نادمة على ما فعلت وعرفت قيمة الحياة الزوجية التي لم تدع سبيلاً لتدميرها وتدمير شريكها فيها إلا واتخذته ثم تطالبك بعد ذلك بالعودة على أساس شروطها الظالمة وليس بلا قيد ولا شرط، وأي ندم هذا الذي لا يغير من الإنسان شيئاً، ولا يعيده إلى جادة العدل والعقل والصواب، إنها لم تستفيد شيئاً للأسف ولم تندم على شيء ولو كانت قد تعلمت درس التجربة حقاً لما تمسكت مع أبيها بهذه الشروط المجحفة للعودة إلى عصمتك واستئناف الحياة الزوجية معك، ولسعت إلى العودة إليك بلا مطالب متعنتة لكي تهيئ لطفلها المظلوم معها حياة مستقرة وآمنة في أحضان أبويه، راجية أن تمسح الأيام ذكرى هذه الفترة العصيبة من حياتك وحياتها وأن يذيب الزمن مرارة هذا الفحش في الخصومة الذي مارسته معك طوال الفترة الماضية.

 

إنه ليس ندماً لكنه حيلة أخرى لقهر إرادتك وإرغامك على القبول بأن تحيا معها تحت ظلال سيف الشيك وقائمة الأثاث الوهمية في يد أب يفخر بأنه يعرف طريق المحاكم ويعرف كيف يحصل بواسطتها على ما يريد، والحياة في ظلال الخوف وتحت سيف مشهر يمكن استخدامه في أي خلاف عابر لا يمكن أن تكون حياة طبيعية ولا آمنة، وإنما هي نوع من القهر لا يرضاه الإنسان الحر لنفسه فإن عجبت لشيء فإني أعجب لهذه الظاهرة الجديدة التي اقرأ عنها الآن كثيراً في رسائل القراء وهي تفنن بعض الآباء في محاولة تكبيل زوج الابنة بالقيود والسلاسل وإرغامه على توقيع شيكات مفتوحة على بياض أو على قوائم وهمية لأثاث لم يدفع الأب ثمنه وكل ذلك بدعوى توفير الأمان للابنة وضمان حقوقها المادية لدى زوجها عند الخلاف، فأي أمان هذا وكيف تستمر حياة زوجية سليمة تحت ظلال التهديد بالشيكات الموقعة على بياض وشبح قضايا التبديد والسجن؟ إن ديننا الحنيف يرشدنا إلى السبيل القويم للتعامل مع الحياة الزوجية وهو " فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ" [ سورة البقرة آية 229].

 

والتسريح بإحسان هو أن يعطي الرجل مطلقته بغير مماطلة أو منازعة مؤخر صداقها ومتعة الطلاق وينفق عليها خلال عدتها ويؤدي إليها بقية حقوقها المادية من أثاث وممتلكات خاصة بها بغير أن يعضلها في ذلك أو يحرمها من شيء منه. وأن يؤدي راضياً نفقة أبنائه منها بما يتناسب مع دخله المادي ومستواه الاجتماعي والعائلي ، وليس أقل من ذلك.

فأين ذلك مما يرى الآن بين البعض حين يتحولون بعد حياتهما المشتركة إلى خصوم ألداء يتفنن كل منهم في محاولة إعضال الآخر وسلبه ما لا حق له فيه.

 

يا صديقي إنني أفضل بالطبع أن ترجع زوجتك إلى عصمتك وأن يأوى طفلك الوليد إلى ظلال أبويه لكن ما تطالبك به زوجتك السابقة ووالدها لا يرضي به شرع ولا قانون، فإذا كانت قد ندمت على ما فعلت حقاً وتعلمت شيئاً من درس الانفصال فلترجع إليك بلا شيكات ولا قوائم وهمية، وبما يحفظ لها فقط حقها المشروع لديك في أثاثها الحقيقي وليس الموهوم وبصداق عادل لا مغالاة في عاجله أو آجله ولا استغلال فإن لم تقبل بذلك ولن تقبل به غالباً هي ووالدها خبير المنازعات القضائية فاطو هذه الصفحة المؤلمة من حياتك للأبد، وليتول الله برحمته أمر طفلك الوليد منها وابحث لنفسك عن شريكة حياة أخرى تنسيك هذا العناء وتعوضك عما لقيت في هذه الزيجة من أهوال وبلاء.

رابط رسالة الشوكة القوية تعقيبا على هذه الرسالة

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1999

شارك في إعداد النص / أحمد محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

  

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات