النقطة السوداء .. رسالة من بريد الجمعة عام 1999
إن
الخيانة شيء مؤلم للنفس حقا .. وهي تصبح أكثر إيلاما حين تجيء في سن الجلال
والاحترام وبلا أي مبرر سوى الاستجابة لأهواء النفس ونزواتها وبحثها العابث عن
المتعة العابرة
أنا زوجة رجل
معروف
وله مكانته في
المجتمع وسمعته الطيبة وتدينه المشهود له به, وقد رزقنا الله سبحانه وتعالى بالبنين
والبنات ومضت رحلة العمر بخيرها وشرها وكبر الأبناء وتزوجوا وأصبح لنا الآن4 أحفاد نسعد
بهم ونشعر بامتدادنا فيهم.. ولقد تغير كل شيء تقريبا في الحياة منذ تزوجت قبل
ثلاثين عاما إلا شيء واحد لم يتغير في زوجي وهو النقطة السوداء الوحيدة في شخصيته والتي لم أجد لها دواء ولا شفاء
حتى
الآن, فمنذ
سنوات زواجنا الأولى اكتشفت فيه أسوأ ما يمكن أن يبتلى به إنسان من مرض, وهو داء الخيانة
مع الشغالات, وحين اكتشفت ذلك أصررت على الطلاق أكثر من مرة, وفي كل مرة كان
يستعطفني أن أصفح عنه وأتجاوز عما حدث ويعتذر عنه بأنه لم يكن في وعيه أو بأنه من
طيش الشباب الخ.. وكنت أصفح في النهاية وأصبر من أجل أطفالي, وبعد وفاة أبي
ووفاة والدي زوجي اللذين كنت أشكو لهما مما يفعل بي زوجي ويخففان عني, سلمت بأن هذا هو قدري في الحياة واتجهت لربي وتركت عملي وتفرغت لتربية
أبنائي والعناية بزوجي وكنت امرأة شديدة الجمال والإثارة وربة بيت من الطراز الأول وأما تحنو
على أبنائها وزوجة لا تحتمل أي شيء يمس أسرتها, كما حرصت على أن أفعل كل شيء يرضي زوجي, وأن أشبع رغباته هو
وأكبت
رغباتي,
فأفاجأ بعد كل ذلك بالشغالة التي تعمل عندي تجيء إلي وترجوني ألا أتركها في البيت وحدها مع
زوجي في أي وقت من الأوقات لأنه يفعل أشياء لا يرضى عنها الله! فأكاد حين أسمع ذلك أن أصرخ,
وأسأل نفسي ماذا يدعوه إلى مطاردة الشغالات صغيرات السن, وأنا أقدم له كل ما يطلبه الرجل من امرأة, ثم
أضطر
في النهاية
إلى الاستغناء عن خدمات هذه الشغالة وقطع رزقها, وتعويضها ماديا عن ذلك, ومع تكرار هذه
النقطة السوداء ماتت بداخلي أشياء كثيرة كالغيرة والكرامة الشخصية والثقة بالنفس, وأصبح كل ما
يشغلني الآن هو حسن الختام, وأتساءل بإشفاق كيف سيواجه زوجي ربه بكل هذه الخطايا
وهو الذي يؤدي الفرائض الدينية في أوقاتها, ويحج ويعتمر ويبكي من قلبه في العمرة, ثم يرجع بعد ذلك إلى
هذه
الأفعال
المخزية؟!
إن زوجي
بالرغم مما بلغ من العمر والمكانة مازال يطارد كل شغالة تعمل عندي, ولا يتورع عن مغازلة صديقاتي وزميلاتي
في
العمل,
ومعظمهن صغيرات السن حتى أنه لم يدع فتاة عمرها15 سنة بدون أن يتحرش بها ويغازلها, ولقد
لجأت إلى الطبيب النفسي منذ عدة سنوات وشكوت له مما أعانيه, فطلب أن يلتقي بزوجي ويتحدث
معه, وعرضت ذلك عليه فرفض بإصرار الذهاب معي إلى الطبيب واستاء كثيرا لمجرد تفكيري في ذلك.
والآن يا سيدي
وبعد أن تزوج الأبناء واستقروا في بيوتهم الصغيرة لم أعد قادرة على مواصلة التحمل والصبر على
أفعال
زوجي هذه,
إنني مازلت ربة البيت التي لا يأكل زوجها إلا من صنع يديها, والزوجة المحجبة خارج البيت
والتي تهتم بنفسها وزينتها داخله, وتدعو لزوجها بالهداية في كل صلاة, لكنني فقدت آخر
قطرة من قدرتي على الصبر والاحتمال بعد آخر حادث مخجل لزوجي مع آخر شغالة عملت عندي, وكان ذلك منذ بضعة أسابيع فقط, فقد جاءتني الفتاة
الصغيرة باكية وقد جمعت أشياءها لتستأذنني في الرحيل بسبب ما تعرضت له من مضايقات من جانب
زوجي, وبسبب تحرشه بها في كل مرة تقدم إليه فيها شيئا, ولقد أثار أحزاني,
أنني وجدت هذه الفتاة الصغيرة تشعر بالإشفاق علي ولا تصدق ما يحدث وتقول لي إنني لا
أستحق ذلك من زوجي.. وهنا فاض بي الكيل نهائيا وفكرت جديا في طلب الطلاق لأن أبنائي قد كبروا الآن ولم يعد
لدي
ما يدعوني
للاحتمال من أجلهم, لكني تحيرت فيما سأقوله للأبناء عن سبب طلبي للطلاق وتمسكي به وأنا
ووالدهم في هذه المرحلة من العمر.. إنني لم أخبر زوجي حتى الآن بعلمي بواقعته الأخيرة مع
الشغالة الصغيرة, وأفكر جديا في هجر البيت أو طلب الطلاق والإصرار عليه.. فبماذا تنصحني أن أفعل بعد أن
تكاثرت على الآلام الجسدية في الظهر والساق والذراع, وارتفع ضغطي بسبب ما أعانيه
من
هذه الأفعال المخزية؟!
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
الهوس بالفتيات صغيرات السن ومطاردة الشغالات, نوع من الانحراف النفسي المؤكد الذي يستعصى على العلاج بالجهود الشخصية, ويتطلب علاجا نفسيا منتظما, وإلا تفاقمت أخطاره وعرض صاحبه للوقوع ذات يوم تحت طائلة القانون متهما بارتكاب جريمة الاعتداء علي قاصر أو التحرش بها.. غير أن آفة معظم من يعانون من هذا الانحراف النفسي هي أنهم يجدون صعوبة شديدة في الاعتراف لأنفسهم بأنهم مرضى ويحتاجون للعلاج, ويفضلون دائما التهرب من مواجهة هذه الحقيقة, والتماس الأعذار المختلفة لأنفسهم في كل مرة يفتضح فيها أمرهم, كما أن الآخرين قد يجدون أيضا صعوبة مماثلة في تصديق صدور هذه الأفعال المخزية عنهم, لتناقضها الشديد بين المظهر الوقور لهم وبين حقيقة ما يصدر عنهم في الخفاء من تصرفات مخجلة. ولهذا فإني أرى لك أن تواجهي زوجك بما علمت عن واقعته الأخيرة مع الشغالة الصغيرة, وأن تخيريه بحزم نهائي هذه المرة بين الرضوخ للحقيقة والاعتراف بحاجته إلى العلاج النفسي, وبين الانفصال عنه, مع ما سوف يترتب عليه من آثار عائلية وخيمة, وإزعاج للأبناء وإثارة للتساؤلات المؤلمة في الأوساط العائلية المحيطة بكم.. وان كنت أتعجب يا سيدتي مما كان يدعوك للاستعانة دائما بهؤلاء الشغالات الصغيرات في بيتك, وقد علمت عن زوجك منذ زمن طويل ضعفه المخزي مع الفتيات, وتحرشه بهن ومطاردته لهن.. إن كثيرات من الزوجات اللاتي عرفن عن أزواجهن مثل هذا الضعف الأخلاقي وهذا الميل المنحرف للتحرش بالصغيرات, قد حرمن بيوتهن ـ كإجراء وقائي ـ علي مثيلات هؤلاء الفتيات, وتكبدن في سبيل ذلك العناء راضيات به, بدلا من إتاحة الفرص لأزواجهن للاستجابة لهذا الهوس الذي قد يصل ببعضهم إلى ما يسميه علماء النفس بالرغبة القهرية في ممارسة ما يعرفون جيدا أنه يتناقض مع كل القيم والأخلاقيات ومع حرصهم على سمعتهم ومكانتهم العائلية بين الأبناء وفي المجتمع.
إنني أعرف أن
ذلك ليس حلا جذريا للمشكلة, لكنه كان خطوة على الأقل لتضييق فرص الخطأ أمام زوجك, ولتفادي أسباب
المشاكل التي عانيت منها الكثير والكثير.
ولقد قلت
مرارا أن الوسيلة الوحيدة للتعامل مع الأزواج الذين يدمنون الاستجابة لنزواتهم وأهوائهم, إذا دعت الضرورة الزوجة إلى الحفاظ
علي حياتها الزوجية بسبب مصلحة الأبناء والاعتبارات الأخرى, هي أن تحاول الزوجة بقدر
الإمكان تضييق فرص الخطأ أمام زوجها, وأن تنصرف بعد ذلك إلى العناية بأبنائها
وأسرتها ونفسها, محاولة حماية معنوياتها وحالتها النفسية من التأثر بهذه
الخيانات المخجلة.. ولا غرابة في ذلك لأن الخطأ إنما يعيب مرتكبه أولا وأخيرا,
وليس ضحيته, ولأن ما يستعصى على العلاج قد يكون من الصحة النفسية في بعض الأحيان ألا يدمي الإنسان رأسه
بنطح
الصخر محاولا
علاجه, مع التمسك بالأمل في أن يعالج الزمن ما عجز هو عن علاجه, وفي أن يثوب المخطيء إلى رشده
ذات يوم ويدرك كم أدمى قلوب من أحبوه وأخلصوا له بمثل هذا العبث الطائش.. إن الخيانة شيء مؤلم للنفس حقا يا
سيدتي.. وهي تصبح أكثر إيلاما حين تجيء في سن الجلال والاحترام وبلا أي مبرر سوى الاستجابة لأهواء النفس
ونزواتها وبحثها العابث عن المتعة العابرة.. فقولي لزوجك يا سيدتي كل ذلك, وحاولي إزالة
الغشاوة عن عينيه ليرى فداحة الجرم الذي يرتكبه في حق ربه ونفسه وزوجته وأبنائه بمثل هذا العبث الصبياني, وذكريه بواجباته تجاه
أبنائه في ألا يحرجهم وهم أزواج وزوجات بمثل هذه الخطايا الفاضحة التي قد تنفجر في وجوههم وتحرج
مراكزهم العائلية ذات يوم قريب. واحمليه على الاعتراف بأنه يعاني من انحراف نفسي قابل للعلاج إذا تعامل معه بجدية, والتمسي له أسباب
الشفاء لدى الطبيب المختص, أما الانفصال الآن أو هجر البيت بعد كل هذه السنين وبعد أن
بلغت السفينة مرفأ الأمان, فلسوف يؤلم أبناءك بأكثر مما تحتمل شخصيتك المضحية
التي تحملت عناء الرحلة الطويلة من أجلهم, كما أنه ليس من العدل ولا من الرحمة أن تضطرب حياتك وأنت في هذه المرحلة من العمر وبعد كل
ما قدمت للحياة والأبناء والزوج بسبب هذا الطيش الجنوني من زوجك, وإنما يقضي العدل
أن يعفيك هو من كل ذلك, وأن يثوب إلى رشده وربه ويعوضك عن شقاء السنين بما يشعرك بالكرامة.. والسعادة والأمان.
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر