انتصار الحياة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1985

 انتصار الحياة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1985

انتصار الحياة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1985


صاحبة هذه الرسالة هي يا سيدي صاحبة القصة أو المأساة التي نشرتها منذ 9 شهور واخترت لها عنواناً معبراً هو" فوق السحاب " فأنا الزوجة الشابة التي تقدم لها شاب رائع تزوجته خلال شهر واحد لإصراره على الزواج بأقصى سرعة، ثم عاشت معه أيام العسل طائرة فوق السحاب إلى أن ذهب إلى عمله في اليوم الأول بعد الإجازة ثم عاد إلى البيت إنسانا آخر غير زوجي الذي تزوجته.

 

وعرفت فيما بعد وخلال عذابي الطويل أنه كان مرتبطا بفتاة أخرى تركته وتزوجت وأعتقد أنها غدرت به , فتعرف بى وتزوجني سريعا , ثم عاد إلى عمله فأبلغته صديقة لها بأنها عادت من شهر العسل وعلمت بزواجه فانتحرت , وطلبت إبلاغه أنها أرغمت على زواجها وأنها لم تغدر به.

ومنذ هذا اليوم فقدت زوجي .. ولم يعد هو الزوج الرائع الذي أحببته بجنون .. وتعذبت وأنا أحاول استعادته حتى أنني حاولت أن أكون صورة أخرى من فتاته لأعجبه بلا فائدة.

 

لابد أنك تذكرتني الآن وتذكرت أنك نصحتني بأن أكون نفسي لا صورة باهتة لأحد غيري , وبأن أصبر على زوجي وأن أستمر في محاولاتي لاسترجاعه , وأكدت لى أن محاولاتي سوف تنجح , وكانت آخر كلماتك لي هي " وسوف تنتصرين في النهاية ".

 

وباختصار شديد فإني أكتب لك لأخبرك أن ما توقعته قد حدث , وأنني انتصرت كما توقعت لي رغم أنني لم أكن أتوقع ذلك ولم أكن أشاركك تفاؤلك فلقد عملت بما نصحتني به تماما , فصبرت على زوجي , وواصلت محاولاتي معه وكففت عن أن أكون أية إنسانه غيري وغير نفسي وشخصيتي , وأنا أكتب لك قصة نجاحي لأنها قصة نجاح أخرى لبريدك.

فقد بدأت بأن وضعت أعصابي فى ثلاجة وانتهت ثوراتي تماما , وعدت رقيقة هادئة كما كنت مع زوجي قبل المأساة , حتى أنه بدأ ينظر إلي باندهاش من تغيري , ثم بدأت شيئاً فشيئا فى التسلل إليه والحديث معه عن أى شئ .. لكنى كنت أحرص فى النهاية على أن يصل الحديث إلى مأساة غريمتي.

 

وشيئا فشيئا بدأت أنزلها من مرتبة الآلهة التى وضعها فيها زوجي إلى مرتبة البشر بحسناتهم ونواقصهم , حتى إذا ما وصل زوجي معي إلى هذه المرحلة بدأت فى إقناعه ببطء بأن  الإنسان مخير فى تصرفاته , وأن كل ما يفعله إنما يفعله باختياره , لكن القدر فى النهاية هو الذي يضع لمساته الأخيرة على لوحة الحياة , فالمسئول عن زواج غريمتي وانتحارها فى النهاية هي نفسها وليس أحد غيرها , والمسئول عن زواجه منى هو وليس أحد غيره , وبعد كل مناقشة هادئة من هذا النوع كنت أتركه وأنسحب إلى غرفتي وأتركه يفكر بهدوء فى كلماتي , وكنت حريصة على ألا أفرض عليه نفسي فى أي وقت أحس فيه أنه يحتاج إلى أن يكون وحيدا مع نفسه ومع ذكرياته , وإلى جانب ذلك كنت أحدثه عن عمله , ولا أكف عن الصخب والمرح معه والخروج بصحبته كلما وجدته لديه استعدادا.

 

والحمد لله كنت أنجح فى أن أرى الضحكة تنير وجهة الجميل الذي أعشقه بصدق ومع الأيام بدأت نفسي تهدأ، لكن زوجي لم يعد إلي رغم ذلك حتى أوشكت أن أيأس مرة أخرى , وبدأت قدرتي فى الضغط على أعصابي تتراجع. 

 وذات يوم طلب مني أن أذهب للبقاء مع والدته طوال النهار لأنها تحتاج إلى رعاية ولأن شقيقته مشغولة بالخارج فذهبت. 

وفى المساء جاء فاصطحب والدته واصطحبني معه إلى بيتنا فدخلت الشقة لأجد مفاجأة عمري , وجدت كل أصدقائنا وشقيقته فى شقتي .. وأزهارا  وشموعا وتورته .. إنه عيد ميلادي يا إلهي .. إنه يتذكر عيد ميلادي ويقيم حفلا من أجلى .. وقد أعد الحفل خلال غيابي .. وقفت والدموع فى عيني لا أصدق نفسي أنه يتذكر عيد ميلادي .. إنه يعود إلي بعد كفاح استمر من عشرة شهور.

 

لقد أراد الله لى النجاح فى النهاية لأني أخلصت فى محاولاتي لاسترجاعه ..لقد انتحى بى جانبا وقال إنه يعترف بفضلي وأنه يعرف الآن أن كل ذرة فى قلبه وعقله تحبني .. لقد بكيت طويلا والأصدقاء من حولنا يصخبون. 

لم أسعد فى حياتي مثلما سعدت فى هذه الليلة .. إن للانتصار نشوة عظيمة، وأن العواطف تستطيع فى النهاية مع شئ من العقل أن تنتصر وما أحلى إنتصاري. 

لقد كتبت لك لأن من حقك أن تعلم بسعادتي كما علمت من قبل بشقائي .. فهنيئا لى بزوجي بعد الغياب الطويل وهنيئا لك بدعواتي على نصيحتك المخلصة لى !

*رابط رسالة فوق السحاب في نهاية الرسالة

 

ولكــــاتـــبة هـــــذه الـرسالة أقـــــول :

 

وهنيئا لزوجك أيضاً زوجته المحبة المتفانية " المكافحة "بصبر وإخلاص لاستعادته.

 

لقد كافحت يا سيدتي كفاحا مجيداً للدفاع عن حياتك وعن سعادتك , ومن حقك أن تجنى ثمار العناء والشقاء والعذاب الطويل , وأن تسعدي بها كثيراً أن وهبه هذه الزوجة المتفانية المتمسكة به رغم طول " السفر" بروحه ومشاعره بعيدا عنك , لقد انتصرت الحياة فى قصتك فى النهاية على أشباح الماضي .. ولابد أن تنتصر الحياة لأن الحياة أقوى دائما من الأشباح , ولأن مثل هذه الإرادة الصلبة لابد أن تحقق ما تهدف إليه.

 

إنني أشكرك على حرصك على إبلاغي بسعادتك كما سبق أن أبلغتني بتعاستك , ولاشك أن رسالتك هذه سوف تسعد من تعاطفوا معك في البداية , وسوف تقنع أخريات بأن يواصلن الكفاح لاستعادة " المسافرين " بالروح والوجدان بعيدا عنهن...وهذه هي أهمية التجربة الإنسانية التي تطلعنا عليها بعض رسائل البريد. 

فرسالتك تثبت لغيرك أن للأمل بقيه وأنه لا يأس مع الحياة , وأنه بالصبر والإخلاص قد يعود الغائب ذات يوم إلى عشه , فشكراً لك وتمنياتي لك بعمر طويل من السعادة إن شاء الله.

 رابط رسالة فوق السحاب

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1985

شارك في إعداد النص / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات