فوق السحاب ! .. رسالة من بريد الجمعة عام 1984
قد لا تهم مشكلتي
أحد .. وبالرغم من ذلك فإني أحس بالرغبة في أن أرويها لك .. لأني في أمس الحاج
والي مشاركة وجدانية ولو علي البعد.
وقصتي يا سيدي
تبدأ منذ حوالي سنة حين دعيت لحضور زفاف إحدى صديقاتي فتعرفت في حفل الزفاف على
شاب وسيم رقيق عرفت فيما بعد أنه ابن عم العروس .. جاءت جلستي معه على نفس المائدة
فتعرفنا وتبادلنا الحديث ومضت أسابيع قليلة بعدها لم أره أو ألتق به خلالها ثم فوجئت
به يتقدم لخطبتي فوافقت .. فلقد كان كما يقولون " عريس لقطة " فهو شاب
هادئ ، مؤدب "وعريق" ماديا واجتماعيا ، وكان طلبه الوحيد من أسرتي هو
إتمام الزواج خلال شهر واحد فقط من يوم تقدمه لخطبتي .
وخلال شهر الإعداد
للزواج اقتربت منه جدا وبصراحة فقد وقعت في غرامه بطريقه عنيفة فقد كان الرجل
الأول والأخير في حياتي ، وكان كل شيء يمضي علي ما يرام خلال فترة الاستعداد
للزواج .. ما عدا إصراره على إتمام الزواج بسرعة رهيبة ، بلا سبب مفهوم حتى لقد
دهشت والدته من هذه السرعة وتعجبت من رغبته في عدم انتظار عودة شقيقته التي أتمت دراستها
في الخارج وعلى وشك الوصول لتحضر زفافه .. وهي كما يقولون توأم روحه وسره وحبه
الكبير ، المهم تم الزواج بغير انتظار شقيقته وبدأنا شهر العسل وكان سعيدا جدا
وكنت طائرة فوق السحاب ، إلي درجة أنني لم التفت إلى عبارة كان يرددها باستمرار
خلال شهر العسل هي " ربنا عوضني بيكي " ولم أتوقف لأسأل نفسي عوضه عن
ماذا وهو شاب لديه كل شيء في الدنيا ؟
المهم قطعنا شهر
العسل بعد 3 أسابيع لنستقبل شقيقته العائدة من الخارج ، واكتشفت في المطار أنها
كانت زميله لي في الدراسة وسعدت بها جدا، ومضى أسبوع أخر وأنا استغرق يوما بعد يوم
في حب زوجي حتى أصبحت اشعر به تحت جلدي وفي عروقي ، فمشاعري تهتز حين أنطق باسمه ،
وقلبي يرتجف حين أراه وانتهى شهر العسل وعاد زوجي إلى عمله وفي أول يوم من أيام
العمل رجع إلى البيت في المساء ودخل مكتبه في الشقة متعللا بأن لديه عملا ورجاني
أن أنام واتركه فتركته وذهبت إلى فراشي وبعد ساعة نهضت لأطمئن عليه فوجدت نور غرفة
المكتب مطفأ ، ووجدت زوجي جالسا في الشرفة ساهما والدموع تنساب من عينيه ففزعت
وحاولت أن اعرف منه ماذا جري فرفض ورجاني أن اتركه فتركته.
ومن هذا اليوم يا سيدي لم يعد زوجي هو نفس زوجي
الذي عرفته وأحببته ، فلقد انصرف عني تماما ولم يعد ينظر إلي أبدا ولا يتحدث إلا
بالكلمات الضرورية ، يذهب إلى عمله في الصباح ويعود في المساء إلى غرفة مكتبه
ليجلس مع حزنه المستمر وإذا جمعنا مكان أو جلسة عائلية انتحى جانبا بأحد الحاضرين
واستغرق معه في حديث طويل لا اسمعه ، وسألته أن كان غاضبا مني فأنكر ، ثم لاحظت
انه ينتحي بشقيقته ويتحدثان حديثا هامسا طويلا فسألت شقيقته فلم تقل لي سوى "
خليكي معاه " فضغطت عليها ، وقلت لها أنني في طريقي للجنون ففسري لي ما حدث
لزوجي فنظرت إلي بإشفاق ثم روت لي ما لم أتوقعه ، فلقد قالت لي أن زوجي كان مرتبطا
عاطفيا لسنوات ، بفتاة أحبها بصدق وأحبته واتفقا على الزواج ، لكنها فجأة تزوجت
بغيره وتصور أنها قد غدرت به و بحبه فتزوجني على وجه السرعة لينساها ووجه كل
اهتمامه إلي وسعد بي إلى أن انتهي شهر العسل وذهب إلى مكتبه في اليوم الأول فاتصلت
به إحدى صديقاتها لتقول له أن فتاته قد زوجوها رغما عنها وأنها عجزت عن المقاومة
فاستسلمت ثم سافرت إلى الخارج في شهر العسل وعادت لتجدك متزوجا ، ولم تتحمل
فانتحرت وكان طلبها الأخير أن تخبر صديقتها زوجي بأنها لم تغدر به ، فسمعت ما
قالته لي شقيقة زوجي وانهرت ، ألهذا إذا تعجل الزواج ؟ ألهذا اختارني ؟ وبكيت
طويلا ثم استجمعت نفسي وأدركت أنني أخوض معركة لاسترجاع زوجي ، وقلت أنني سأحارب
لإنقاذه وإنقاذ بيتي وسعادتي وفعلت المستحيل لأستعيده وأخرجه من حزنه ووحدته
وانصرافه عني .
وسألت عنها ورأيت
صورتها وعرفت عنها كل شيء ، و حاولت أن أكون مثلها في كل شيء ، في تسريحة شعرها
وفي طريقة لبسها وطريقة كلامها وعاداتها وفي كل شيء ففشلت واستمر حزينا وحيدا ،
وحاولت أن أكون عكسها في كل شيء لعلي أعجبه ففشلت أيضا .
واستمر وحيدا ،
وواجهته ذات يوم بما عرفت و قلت له أن ما حدث ليس خطأه ولا خطئي ، وأني مستعدة لان
أعيش تحت قدميه من أجل أن تعود إليه ابتسامته ، فنظر إلي بعطف ثم مد يده ليربت على
خدي ، وكانت المرة الأولى التي يلمسني فيها منذ 5 شهور ، ثم قال لي " شكرا يا
..." وكانت المصيبة أنة نطق باسمها لا باسمي أنا زوجته وحين بكيت اعتذر لي
أسفا بأنه لم يقصد إيلامي ، لكنها فلتة لسان ومازلت أعاني من العذاب كل يوم ،
أحيانا أريد أن أواصل الكفاح معه وأحيانا أخرى أشعر ألا فائدة هناك ولابد من
الانسحاب بهدوء.
إن شقيقته ترجوني
ألا أتركه ، وأن استمر في المحاولة و أن أنجب طفلا لكي يربط بيني وبينه ويرجوني
قلبي كذلك أن أستمر وأن أحاول ، ولكن عقلي يكاد ينفجر مما أراه من فشلي معه ، فهل
ستجدي محاولاتي ، وهل أخطأت؟؟
في نهاية الرسالة
ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
لا يا سيدتي لم
تخطئي فيما حدث و لا ذنب لك فيه ، لكنها أقدار مأساوية اختارتك بمحض الصدفة لتكوني
البطلة المعذبة في هذه القصة الغريبة التي كدت أشك في أنها قصة منقولة عن أحد
الأفلام القديمة لولا أنني أحسست بصدق مشاعرك وبصدق كلماتك وأنت تروين فصولها
وتروين عذابك معها ، وإن كنت لا افهم سر هذه المأساة التي حالت بين زوجك العريق
ماديا واجتماعيا كما تقولين وبين الزواج من فتاته ، فقصتك كلها تجري في وسط لا
يحول فيه أهل بين فتاة وبين من تريده كزوج بلا سبب هكذا ، إلا إذا كنت قد أغفلت
ذكر السبب عن عمد ، على أي حال فأنني لا ألومك على ما حدث إلا في نقطة واحدة هي
الزواج السريع الطائر الذي تم خلال شهر واحد من يوم التقدم للخطبة إلى الزفاف وأنت
لا تعرفين شيئا تقريبا عن زوجك الجديد ، وكانت النتيجة أن اكتشفت انك الوحيدة التي
لا تعرف قصته ، كذلك فاني ألومك – وان كنت افهم دوافعك واقدرها – على محاولاتك لأن
تستعيدي الزوج الغائب بمحاولة أن تكوني مثلها في كل شيء أو عكسها في كل شيء ، فهذه
المحاولة وان كانت نابعة من إخلاصك وحبك لزوجك إلا أنها ليست الطريق السليم
لاستعادته ، فكوني نفسك يا سيدتي ، ولا تكوني غير نفسك مهما حدث فهو إن استجمع
نفسه من محنته فلابد أن يقبلك كم أنت لا كما يتصورك بل إنها إهانة إن كان يريدك
صورة باهتة لأحد غيرك ، فاصبري عليه واستمري في محاولاتك معه وسوف تنجح محاولاتك
في النهاية فمن نعم الله علي الإنسان انه انعم عليه بالنسيان يداوي به جروحه
وآلامه ، وهو سوف ينسي ما حدث بعد حين ، وسيعود إليك.
لكني فقط أنصحك بتأجيل الإنجاب إلى أن تستعيديه
تماما وتتأكدي من شفائه مما حدث ، فقفي بجواره لأنه يحتاج إليك ، ولأنك كما فهمت
من رسالتك متمسكة به وراغبة فيه بإخلاص وقلبك كما تقولين يرجوك أن تستمري ،
فاستجيبي لندائه ، وأعطي عقلك أجازة قصيرة إلي أن تستعيدي زوجك من غربته ، وسوف
تنتصرين في النهاية بإذن الله .
رابط رسالة انتصار الحياة مرسلة من الكاتبة بعد عدة أشهر
شارك في
إعداد النص / سالي ياسر
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر