الفندق .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993

 الفندق .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993

الفندق .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993

أرجو ألا تتهمني أنت أيضا بالجنون أو تتفق مع رأى أمي في, وهو أني كما تقول باحثة عن النكد والشقاء ولا ينفعني إلا أكل الحصرُم !
والقصة من البداية هي أني سيدة عمري 37 سنة أعمل بالتعليم ومتزوجة منذ 15 سنة من رجل فاضل, كان حين تقدم لخطبتي معيداً بنفس الكلية التي أدرس فيها, وتزوجنا بعد تخرجي مباشرة وكان كما عرفته خلال الخطبة رجلاً رائعا وحنونا ومهذباً وكر
يماً وميسوراً من الناحية المادية , وفى صبيحة اليوم التالي لزفافي فتحت عيني وأنا مازلت في الفراش فرأيت مشهدا من مشاهد الأفلام الغرامية التي طالما حلمت بها في صباي .. فلقد رأيته واقفاً أمامي في بيجامته الحرير حليق الذقن تفوح منه رائحة الكولونيا باسم الثغر .. ويحمل في يده صينية الإفطار فضحكت في سعادة, ووضع الصينية على الفراش بيننا وجلسنا نتناول الإفطار في بهجة .. ثم نهض قبل أن أتحرك فحمل الصينية وذهب إلى المطبخ وأفرغ بواقي الأطباق وغسلها وغسل البراد والأكواب والشوك والسكاكين ووضعها بنظام في أدراج المطبخ, فازدادت سعادتي بهذا الزوج الرائع, وفرحت لأننا سوف نتعاون معاً في كل شيء من أعمال المطبخ والبيت إلى كل شئون الحياة, وبعد قليل استقبلنا المهنئين, ففوجئت به يسرع أيضاً إلى المطبخ ويعد أكواب الشربات والشاي وفناجين القهوة ويقدمها للضيوف بسعادة فازددت به اختيالا .. وبعد انصرافهم جمع كل الأواني في المطبخ وقام بغسلها رافضاً أي مساعدة مني في ذلك, ومؤكداً لي أنه لا يريد أن يتعبني في أي شئ .. وتكرر ذلك في المساء أيضاً.

ومضت الأيام في شهر العسل وأنا لا أفعل شيئا من شئون البيت .. ولا أستطيع أن أفعل إذا أردت , فهو يطهو الطعام بيديه, ويقوم بكل عمليات الطهو من غسل الخضر إلى إعداد اللحم وطهو الأرز إلى وضع الطعام على المائدة إلى رفع الأطباق وغسلها وغسل الحلل وتجفيفها ورصها بعناية فى موضعها كما يغسل الملابس وينشرها..وينظف الشقة ويلمع قطع الأثاث ويسوى الفراش بعد النهوض من النوم .. وقد سعدت بذلك كثيراً.

وأدركت منه مدى محبته لي وحرصه على ألا أفعل شيئاً طوال شهر العسل لأتفرغ لنفسي وزينتي ومباهج الحياة الجديدة .. لكن شهر العسل انقضى ولم يتغير شيء من سلوكه في البيت بل ومضت الشهور والسنوات وأنجبنا أطفالا والحال على ما هو عليه, فلقد تولى أيضا من اللحظة الأولى كل شئون الأطفال من إعداد الرضعات إلى نظافتهم وغسل ملابسهم ...إلخ.

وأصبح المعيد الشاب مدرساً مساعداً بكليته ثم مدرساً ثم أستاذاً مساعداً وعالما له أبحاثه ومؤلفاته,ولم يتغير شئ في نظام حياتنا فهو مازال يطهو الطعام ولا يسمح لي بمد يدي إليه وإذا تجرأت ودخلت المطبخ ولو لعمل كوب من الشاي ثار وغضب وأفرغ الشاي في الحوض ليصنعه هو بدلاً مني, ومازال زوجي حتى الآن وهو الأستاذ الجامعي والباحث يصر على ألا يغسل أحد الملابس سواه وعلى ألا يكويها غيره .. ولا يخجل من وقوفه في الشرفة أمام الجيران وبجواره آنية الغسيل البلاستيك يلتقط منها الملابس المغسولة, وينشرها بعناية و"يحبك" المشابك عليها وهو في قمة الابتهاج والاهتمام, أما قبل الأعياد فهو يحصل على إجازة يومين من عمله, لأن "عنده تنظيف الشقة والتنفيض" بالمنفضة المصنوعة من جريد البامبو, وفى شهر رمضان يصنع المربى والبسكويت والحلويات, وقد جاءني منذ يومين والفرحة تملأ وجهه, ليخبرني سعيداً بأنه قرر أن يصنع كعك العيد هذا العام في البيت, لأنه أرخص من شرائه من المحلات فكدت "أرقع" بالصوت من غيظي ونكدي !

يا سيدي إنني لا أنكر أنه زوج مثالي تحسدني عليه كثيرات ولا أنه أب رائع لأولاده ومهذب ولم تصدر عنه كلمة واحدة تغضبني منه منذ زواجنا حتى الآن, لكني لا أشعر معه بأني ربة بيتي منذ تزوجنا, وإنما نزيلة فندق صغير تستمتع فيه بالخدمة الكاملة من جانب العاملين به, ولست أكره أن يساعدني في أعمال البيت ورعاية الأطفال فهذا أمل كل زوجة في العالم, لكني أكره أن يقوم هو وحده بكل ذلك دوني, وكلما اشتكيت من ذلك قال لي باسماً إنه يريد راحتي, حتى أصبحت أكره ابتسامته هذه وأكره وقوفه في الشرفة وهو ينشر الغسيل, وكلما شكوت لأمي اتهمتني بأني "فقرية" وغاوية نكد وتعب وقالت لي إن زوجي هذا تحسدني عليه أخواتي, لكني لا أريد هذه الراحة وأكاد أطق من الغيظ .. فماذا أفعل مع هذا الزوج المثالي الذي سوف" ينقطنى" بمثاليته .. هل أتركه بضعة أيام حتى تستريح أعصابي في بيت أمي خاصة أنه يقوم لنفسه بكل شئ .. أم ماذا أفعل لكي يكف عن اعتباري "ضيفة " عليه.

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

للشاعر الهولندي المعروف باسم الأب كاتس (1577_1660_ عبارة جميلة تقول: ينقلب البيت رأسا على عقب حين يسكت الديك...وتصيح الدجاجة!
والمقصود بالعبارة هو أن الحياة الزوجية تختل بالفعل حين لا يقوم كل طرف من أطرافها بالدور الذي تؤهله طبيعته لأدائه أو حين يحاول القيام بدور مخالف تماماً لهذه الطبيعة,ولا شك أن التعاون بين الزوجين في كل شئون الحياة بما فيها الأعمال المنزلية بدافع التراحم واستشعار المسئولية الجماعية عن الأسرة, مما يوثق الروابط بينهما ويجدل خيوطها بحيث تتشابك وتتدعم ويصعب فصمها, لكن هنالك فارقاً كبيراً بين التعاون والتطوع بالمساعدة, وبين تبادل الأدوار.. أو إلغاء دور أحد الطرفين إلغاء تاماً وتحويله إلى نزيل في " فندق" يعنى بخدمته بنظام خدمة الغرف في فنادق الدرجة الأولى .. إلى ما لا نهاية وبلا داع من مرض عابر مثلاً, فهذا شئ آخر مخالف للطبيعة .. وخارق لكل مألوف. وإذا سعدت به المرأة بعض الوقت في البداية إيثاراً للدعة أو استمتاعا بالراحة, فإن الزوجة الطبيعية تفضل في النهاية أن تكون ربة بيتها وسيدة مملكتها الصغيرة,ولا تسعد بما يغير من هذا الوضع حتى ولو غبطتها عليه الأخريات ممن يتحملن عناء كل شئ في حياتهن بلا أدنى مساعدة أو تقدير من شريك الحياة...فلا هذا وضع طبيعي.. ولا ذاك وضع عادل ومنصف , ولقد كان الرسول الكريم وهو مَن هو لا يترفع عن أن يساعد زوجاته فيما يشق عليهن من أعمال البيت , وقالت عنه السيدة عائشة حين سُئلت عن صنعه في بيته:
كصنع أحدكم يشيل هذا ويحط هذا ويخدم في مهنة أهله ويقطع لهن اللحم ويقم البيت " أي يكنسه " ويعين الخادم في خدمته .. صلى الله عليه وسلم.

لكنه من ناحية أخرى وهو يفعل هذا حبا وكرامة قد حكم بين ابنته فاطمة وزوجها الإمام على بن أبى طالب حين شكت إليه من ثقل أعمال البيت وهى وحيده بلا معين, فحكم على فاطمة بخدمة البيت, وحكم على علي بكسب النفقة وإعانة الأسرة , وهذا هو الوضع الطبيعي .. وهو لا يمنع من تعاون الزوجين فيما يخفف عنهما من عناء الحياة كأن تعين الزوجة زوجها على أعباء الحياة المادية ,إذا شقت عليه وأن يعين الزوج زوجته على أعباء البيت حين تحتاج لمعونته, وفى أطار ما أهلت الطبيعة كلا منهما له ,أما المغالاة فإنها تخرج بالإنسان عن جادة الاتزان وتثير المشاكل بدلاً من أن تسهم فى حلها..والغلو أي الشطط وتجاوز القصد مرفوض ومذموم في كل شئ حتى في الدين, فكيف بأعمال البيت؟

أما الاعتدال فهو مطلوب دائما في كل أدوار الحياة حتى في" مثالية " الأزواج من نوع زوجك ,لأن الطبيعة كما يقول الشاعر الهندي طاغور قد (خلقت خليجاً فاصلاً بين الجنسين لكي تضمن استمرار التجاذب المتبادل بينهما) فإذا اختفى هذا الخليج الفاصل بين طبيعة الجنسين وضعف التجاذب .. وحل الفتور ولا شك أن زوجك رجل مثقف ويعرف أن ما يفعله ربما يكون بلغة علم النفس ناتجا عن "اضطراب التحكم في نزعة ما غير مصنفة في الاضطرابات النفسية  المعروفة ", لكنها نزعة غلابة تدفعه لأداء دور ليس مطلوباً منه أداؤه بل ويُغضب من يحاول إرضاءهم به!

كما لابد أنه يعرف أيضا أنه من المحتمل أن يكون لوسواس النظافة القهري دخل أيضا في إصراره على أن يفعل كل شئ بيديه.. اعتقادا منه أن لن يحس بالأمان إلا إذا صنعه بيديه بدليل حكاية إفراغ الشاي في الحوض لأنه لم يصنعه بيديه ! وسواء نجح في مقاومة هذه النزعة الغلابة وهذا الوسواس بالاستعانة بالمشورة النفسية المتخصصة أو لم ينجح فلا شك انه شديد الحب لك والحرص عليك .. فحاولي أن تتوصلي معه إلى حل وسط بالتفاهم أو بإقناعه بطلب النصيحة النفسية المتخصصة على الأقل, لكي يتفرغ لما هو أهم من نشر الغسيل وحبك المشابك عليه..فإن لم يستجب لكل ذلك فلا مفر من التعايش مع هذه "المشكلة" التي قد تتمنى ألوف الزوجات أن يبادلنك عنها بمشاكلهن مع أزواجهن .. فأمسكي الخشب رغم كل شئ .. وترفقي بزوجك إلى أن ينجح في التخلص من وسواسه ونزعته واستمتعي " بخدمة الغرف" هذه إلى أن تتغير الأحوال تدريجيا .. وأرجو مخلصا ألا " تندمي" ذات يوم على تخلصه من تلك النزعة .. وهذا الوسواس!

نشرت في جريدة الأهرام باب بريد الجمعة مارس سنة 1993

شارك في إعداد النص / بسنت محمود

راجعها واعدها للنشر / نيفين علي 

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات