النسمة الرقيقة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

النسمة الرقيقة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994 

النسمة الرقيقة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

 

 

أعلم يا سيدي أنني من النوع الذي لا تفضله من السيدات والتي تتحامل عليه كثيرًا في ردودك لكن برغم ذلك أثق في إخلاص نيتك وصدق مشورتك لمن يلجأ إليك، وأريد لهذا أن أروي لك قصتي، فأنا زوجة ثانية في حياة زوج وأب لأبناء من زوجته الأولى قاربوا الآن من سن الشباب .. نعم زوجة ثانية وتزوجت رجلاً متزوجًا وأبًا وأرجوك ألا تمزق رسالتي قبل أن تقرأها للنهاية فهذه هي رابع رسالة أكتبها لك ولا تهتم بالرد عليها ربما  لأنك لا تراها جديرة بالعرض والمناقشة ، لكن أليس الزوجة الثانية أيضًا إنسانة ولها حقوق وقلب ومشاعر كالزوجة الأولى التي تتعاطف معها دائمًا ضد الأخرى ؟ لقد رآني زوجي مرتين منذ 5 سنوات خلال قيامي ببعض الأعمال ، وتقدم لي بكامل إرادته ، وبدون أي إغراء ومؤثرات من جانبي قال لي إنه قد توسم فيّ الطيبة والأخلاق الحميدة ويريد أن يتزوجني ، ورفضته في البداية لأنه زوج وأب لأبناء وقلت له بالحرف الواحد : لن أقبل ولن أسمح لنفسي بأن أكون سببًا في هدم أسرته أو في ظلم أحد لأن طلاقه لزوجته أمر حتمي سواء قبلت به زوجًا أو لم أقبل ، وأطال الحديث عن الأسباب التي تدعوه لذلك – وكلها تتعلق بطباع زوجته السيئة وإهمالها له ولبيتها ولأولادها وماديتها المفرطة .. الخ – واختتم شرحه بالسبب الذي لا مجال بعده لأي كلام أو نقاش وهو أنه – كما قال لي – قد تأكد من خيانتها له بعد طول شك في الأمر ولم يعد هناك مجال لاستمرار علاقتهما .

وعند هذا الحد من الحديث اقتنعت تمامًا بأن حياته مع أم أولاده قد أصبحت مستحيلة ، فوافقت على الزواج منه .. وتزوجته وترقبت بعد الزواج أن يقدم على الخطوة المنتظرة كما أكد لي في البداية ففوجئت به بعد الزواج بقليل يجيئني قائلاً إنه لن يطلق زوجته لأنها عصبية وشرسة جدًا ولن تتورع عن إخراج أولاده من المدارس وتشريدهم في الشوارع انتقامًا منه إذا عرفت أنه سيطلقها أو أنه متزوج من غيرها .

وصدّقت ما قاله لي .. ولم أشك في شيء منه ، ومضت الأيام بنا فلاحظت عليه في خلال عشرتي له خوفه الحقيقي والكبير من زوجته الأولى وحرصه الشديد على مشاعرها وعلى تلبية جميع رغباتها .

وعندما تزوجته كان رزقه محدودًا ويمتلك سيارة صغيرة ، فاتسع رزقه وازداد دخله والحمد لله وراح ينفق عن سعة على زوجته الأولى وأولاده وأهله ويقول لي دائمًا إنني "بشارة الخير" في حياته ، وسعدت باتساع رزقه حتى لا أشعر بأن زواجه مني قد زاد من أعبائه المادية ، لكني لاحظت برغم ذلك أنه كلما اتسع رزقه ازداد تقتيرًا عليّ وحدي .

وأثار ذلك استغرابي فرحت أرقب علاقته بزوجته الأولى وظللت طوال السنوات الماضية أحاول أن أعرف حقيقة علاقته بها فوجدته يخصص لها أفضل الأشياء دائمًا من الملبس إلى المأكل إلى النزهات .. وأنا بلا حقوق تقريبًا وأعتمد على نفسي بالكامل في نفقاتي ، وتمر الشهور دون أن أحظى مرة بتناول وجبة الغداء معه كزوج وزوجة في حين يحرص كل يوم على تناول الغداء مع زوجته الأولى وأولاده ، ويقدم لها الهدايا الثمينة بمناسبة وبدون مناسبة .. ولا يقدم لي أية هدية في مناسبة ولو كانت زوجًا من الجوارب . كما يتركني أركب سيارة الأجرة وحدي في وقت متأخر من الليل لأعود إلى مسكني في حين يرفض السماح لزوجته بركوب سيارة الأجرة وحدها حتى في ضوء النهار لأنه يخاف عليها .. مع أني على قدر من الجمال والمظهر الجميل .

وكلما عاتبته على أنه لا يعدل بيني وبين زوجته ، ويتركني فترات طويلة جدًا ، يقول لي إنني "الفسحة" الوحيدة في حياته التي تهون عليه متاعبه والنسمة الرقيقة التي ترطب جفاف حياته وتعينه على تحمل صعوباتها وإنه يتركني واثقًا من أنني لن أخونه أبدًا لأنني محل ثقته واطمئنانه دائمًا . فأسكت وأواصل حياتي بصبر آملة أن تتغير الأحوال .. فلا تتغير وأجدني في النهاية وبعد خمس سنوات من الزواج إنسانة وحيدة تطول فترات وحدتي وانتظاري لزوجي الغائب .. وقد بلغت حيرتي ومعاناتي قمتها حين علمت من إحدى قريباته أنه زوج سعيد مع زوجته بل إنهما زوجان أكثر من سعيدين على حد تعبيرها ، ولم أطق صبرًا وحين جاءني واجهته بما عرفت .. فلم يرتبك كما توقعت ولم ينكر وإنما قال لي في هدوء إن حياته مع زوجته مستقرة ، وإن المشكلة التي كانت قائمة بينه وبينها كانت وضعًا مؤقتًا ، وانتهى !

وصدمت حين سمعت ذلك منه ، وطالبته ، مادام سعيدًا في حياته مع زوجته ، أن ننفصل ويذهب كل منا في طريق مختلف ، رفض وأكد لي أنني أوفر له أكبر قدر ممكن من الهدوء والراحة النفسية ، ولم يبت حتى لحظة كتابتي لهذه الرسالة في أمر ، ولم يستجب لطلبي بالانفصال أو بالعدل معي لأني أيضًا إنسانة يا سيدي وقد طالبته مرارًا بأن يحدد موقفه مني وأن يطبق شرع ربه معي في حدود ظروفه التي تقول إنها لا تسمح له بأن يعطيني من وقته ونفسه كل ما أستحقه . وأنا لا أطلب العدل المطلق يا سيدي ، وإنما العدل الممكن فقط !

جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"

abdelwahabmetawe.blogspot.com

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :

خطؤك يا سيدتي أنك قبلت بالوضع الخاطئ من البداية ورحبت بزوج لأخرى وأب لأبناء منها ، فإذا كنت تقولين إنه قد تقدم إليك بعد أن رآك مرتين فقط بكامل إرادته وبلا أي مبرر مقنع لقبوله أو التغاضي عن ظروفه ، فلا أنت تعرفينه من قبل ويعرفك حتى تبرري لنفسك قبولك به – برغم ظروفه الخاصة – بسلطان الحب الذي لا حيلة لك فيه ، ولا ظروفه كانت خافية عليك حين تقدم لك فتقولين إنها قد غابت عن تقديرك ، والزواج في النهاية مشروع يحتاج إلى طرفين لإتمامه ولهذا فإن مسئوليتك عن هذا الزواج كاملة ومماثلة لمسئوليته الكاملة عنه .. وكلاكما – وعفوًا في التعبير – قد خدع الآخر وخدع نفسه بنفس القدر في هذا الزواج ، فهو قد خدعك بمعزوفة التعاسة الزوجية القديمة التي يتوسل بها دائمًا من يريد أن يتسلل إلى قلب أخرى ويستحوذ عليه فلا يجد وسيلة "مشروعة" لذلك سوى الافتراء على شريكة عمره والإفاضة في الحديث عن مساوئها ومعاناته معها .. وكيف أن حياته معها محكوم عليها بالفشل سواء بلت به "الأخرى" أو لم تقبل . وهي عملية خداع مزدوجة للطرف الآخر أي الفتاة وللنفس ، فبالنسبة للفتاة فإنها توهمها بأنها ليست مسئولة عن هدم هذه الأسرة التي توشك أن تتهدم لأسباب لا علاقة لها بها .. فتتخفف بذلك من إحساسها بالذنب لمشاركتها زوجة وأمًا وأبناء في شخص هو المسئول عنهم ، وبالنسبة للنفس فهي خداع من الرجل لنفسه لتبرير رغباته ، وإيهامها بأنه يعيش مأساة إغريقية أليمة تبرر له أن يلتمس السبيل للنجاة منها بأية طريق ولو كان بالزواج من أخرى أو مصادقتها .

 

والتبرير حيلة نفسية دفاعية معروفة يحاول بها الإنسان دائمًا أن يعفي نفسه من اللوم باختلاق المبررات المقنعة له ولأفعاله وتصرفاته .

أما خداعك لنفسك يا سيدتي في هذا الأمر فقد تحقق حين استندت إلى الارتياح غير الصادق إلى أنك لن تظلمي أحدًا بقبولك الزواج منه لأنك قد تأكدت من استحالة استمرار حياته مع زوجته ولهذا فقد قبلت الزواج منه غير ملومة .. والحقيقة التي يجب أن تواجهي نفسك بها هي أنك لم تصدقي ذلك في أعماق نفسك لكنك أردت فقط تصديقه لكي تتخلصي من الإحساس بالذنب تجاه أسرته .. وليس هناك دليل على خداع النفس في ذلك أبسط من أنه لو كان الأمر كذلك فعلاً .. لطلبت منه أن يحل مشكلته الشخصية م زوجته بعيدًا عنك أو لاعتذرت نهائيًا عن الارتباط به ونأيت بنفسه عن تشجيعه ضمنيًا أو مباشرة على حل مشكلته مع زوجته .. لكن المأساة هي أننا كثيرًا ما نقبل بالأوضاع الخاطئة ، ونحن نعرف أنها خاطئة لكننا نرغب فيها بشدة لكي نشبع احتياجات إنسانية أو عاطفية لدينا ثم نميل بعد ذلك للرثاء لأنفسنا وإبراء ذمتنا من أية مسئولية عنها ، ولست أجد تصويرًا قريبًا من الدقة لهذه الحالة أكثر صدقًا مما قاله الروائي الفرنسي مارسيل بروست مع استبدال بالرغبة في الزواج – في حالتك – كلمة الحب في عبارته فقد قال :

"إن مرض الحب ، يثير في أعماقنا صراعًا بين ذكائنا الواعي وإرادتنا الوضيعة ! ففي لحظات التعقل القليلة نستطيع أن نرى من نحب كما يراه الآخرون على حقيقته ، وفيما عدا هذه اللحظات فنحن نعجز عن أن نراه إلا متأثرين بمشاعرنا تجاهه أو رغبتنا فيه فلا نعرف على وجه الدقة هل هو جميل أم قبيح ؛ نبيل .. أم مخادع .. وكل ما نعرفه هو أننا في حاجة إليه وهنا يكمن مرضنا !"

وهذا معناه أن "ذكاءنا الواعي" لا تغيب عنه الحقيقة .. لكن "إرادتنا الوضيعة" تغلبنا في كثير من الأحيان وتميل بنا إلى حيث يميل هوى النفس .

لهذا فقد أثر عن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال ما معناه : ما ترددت قط بين واجبين .. إلا اخترت أبعدهما عن هوى نفسي !

ولهذا أيضًا لا أرى مبررًا مقنعًا لصدمتك في رفض زوجك لطلاق زوجته الأولى .. وإلا كنت غير صادقة مع نفسك أيضًا حين قلت له في البداية إن لا تقبلين بأن تكوني سببًا في هدم أسرة وظلم زوجة وأولادها !

 

يا سيدتي لابد أن تعرفي جيدًا حقيقة وضعك في حياة زوجك وتواجهي الواقع بشجاعة أدبية ونفسية فإما أن تقبليه أو ترفضيه . أنت زوجة ثانية وسرية في حياة رجل متزوج وأب لأولاد يقتربون من سن الشباب ، وظروف عمله وحياته الاجتماعية لا تسمح له – كما فهمت  بأن يعدل بينك وبين زوجته لا العدل المطلق ولا العدل الممكن ولن يسوي بينكما في الحقوق الخاصة أو الاجتماعية .. وهكذا فأنت بالنسبة له زوجة لبعض الوقت .. أو لأوقات الفراغ والساعات المسروقة من حياته العائلية والعملية المعلنة للجميع وهو وضع ظالم لك بكل المقاييس كإنسانة وكزوجة ثانية لها على زوجها حقوق كاملة من واجبه أن يفي لها بها مادام قد تزوجها .. ولا أرى مبررًا لقبولك بحياة لا تستشعرين فيها اهتمامه ولا رعايته ولا تتمتعين معها بكفالته المادية والاجتماعية لك خاصة وأنك لم تنجبي منه .. فأنت زوجة شرعية له في النهاية ومادام قد تزوجك بكامل إرادته فمن واجبه ألا يقصر في حقوقك عليه .. وإلا فالانفصال وبدء حياة جديدة مع آخر ليس مشغولاً بحياة أخرى عنك أكرم لك وأفضل وأقرب إلى معنى الزواج كما أراده الله للبشر ، ولا تخدعك مقولة أنك "النسمة الرقيقة التي ترطب جفاف حياته" . فحتى فضل "الابتكار" في هذه الكلمات قد عجز عنه زوجك فهي أيضًا من المأثورات الشائعة التي يستخدمها دائمًا الرجل مع "الأخرى" لإقناعها للاستمرار في الظل لكنك سيدة طيبة القلب فعلاً إلى حد السذاجة وإلا لما كنت وثقت بعهد من يرتضي لنفسه أن يطعن زوجته وأم أبنائه في شرفها أمامك ليقنعك بالزواج منه ، ثم تتواصل حياته معها بعد ذلك بلا مشكلات .. وتترامى إليك الأنباء من بعيد عن سعادته واستقرار حياته معها !

فراجعي الموقف كله على ضوء هذه الحقائق القاسية وواجهي نفسك بها بشجاعة واختاري بين القبول بوضعك الحالي مع شيء من العدل معك إذا استطاعه أو رغب فيه وبين طي الصفحة كلها بلا ندم .. والتفتح لحياة جديدة مرة أخرى .. وتذكري دائمًا أنه إذا كان وضعك كزوجة ثانية لا شيء فيه من الناحية الدينية والشرعية فإن سرية زواجك تنفي هذه المشروعية ، أو تقلل منها لأن الزواج إشهار وإعلام المجتمع بمسئولية الزوج عن زوجته ، أما السرية فهي سمة العلاقات الخاصة .. لا العلاقات الزوجية المشروعة ، وشكرًا ..

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1994

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات