الوتر المشدود .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1990

 الوتر المشدود .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1990

الوتر المشدود .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1990

سيدى .. أريد ان أسألك سؤال يلح على .. لماذا لا يقبل الرجل"الشرقي" أن يطلق زوجته وقد عرف وتأكد أن هناك رجلا آخر قد ملك عليها قلبها؟ ولماذا يصر الرجل الشرقي على عدم طلاق زوجته بعد أن طلبت منه ذلك وتوسلت إليه إلى حدٌ أن أخبرته بأن هناك رجلا آخر فى قلبها ؟ لماذا ؟... إنني بكل أسف هذا الرجل الشرقي .. وهذا السؤال المحرج أوجهه إلى نفسي كل يوم ولا أستطيع الإجابة عنه .. لهذا أردت أن أشركك معى فيه .. ولنبدأ القصة من البداية .. كلانا أنا وهى من حملة المؤهلات المتوسطة ونعيش فى إحدى عواصم الأقاليم وقد تمت خطبتنا عن طريق المعارف, ثم عقدنا القران لنستفيد ببعض المزايا التى تتيحها لنا قسيمة الزواج كقطن التنجيد وحجز الشقة الشعبية وخلافه. وكان علينا أن ننتظر سنوات حتى يتم الحصول على الشقة وتجهيزها للزواج .. وبعد القران بعام تم تعيين زوجتي على الورق فى مؤسسة كبيرة بنفس المدينة التى نقيم فيها .. وكنت أنا أعمل فى مؤسسة أخرى .. وبعد عدة شهور من تعيينها حدث الحدث الذى كنت أظن أنه لا يحدث إلا فى الأفلام فقط, إذ من بين خمسمائة آنسة وسيدة يعملن تحت رئاسة مدير شاب وسيم تعلم فى الخارج ويشهد له الجميع بالإستقامة والأمانة وطهارة اليد وتتمناه أية إمرأة .. من بين كل هؤلاء السيدات والآنسات وقع هذا المدير فى غرام السيدة التى حملت إسمى بعد عقد قراني بها, ولم يُرد ولم يتمنى غيرها, وبادلته هى حبا بحب وبجنون, حتى أصبحا حديث المؤسسة كلها .. ثم بلغتنى الأخبار وتمزقت بالإحساس بالعار والحنق والغيظ .. وبعد تردد قصير واجهتها بما سمعت فلم تنكر, وإنما طلبت منى الطلاق فى هدوء,لأن قلبها ليس معى ولن يكون لى أبداً ولأنها كما قالت: لن تحب أحداً إلا هذا المدير حتى اللحظة الأخيرة فى عمرها .. وصعقت واستعديت عليها أهلها وحاصرتها بهم, وتعجلت إتمام الزواج لكى أضعها فى موقف لا تستطيع فيه أن تتزوج من مديرها .. وتم الزواج فعلا ومر على زواجنا الآن ست سنوات أنجبنا خلالها طفلين .. وطوال هذه السنوات لم أكسب قلبها أبدا حتى هذه اللحظة, وطوال هذه السنوات كان لى جسمها فقط أما قلبها فلم يكن لى ولن يكون لأني أعرف عن يقين أنهما مازالا على عهدهما من الحب العفيف , ولا أستطيع أن أدينها بأي خطأ فى حقي أو فى حق الدين أو المجتمع .. والكارثة أنها رغم الطفلين ورغم كل هذه السنوات مازالت تأمل فى أن أطلقها, ومازال مديرها ينتظرها ولم يتزوج .. وأنا أحس بها تتعذب وتكتم وتتألم وتعطيني من نفسها فى حسرة وألم, ثم أجدها تبكى وحدها بالساعات , وأسمعها تنتحب حتى وهى تصلى, فأحس أحيانا بأنى أريد أن أسرحها بإحسان , خاصة وقد أخبرتني بكل شئ قبل الزفاف .. وفى أحيان أخرى أحس بأنى أريد أن أقتلها هى ومديرها الولهان .. ثم أفكر فى أطفالي فأطرد هذه الفكرة عن خاطري .. وبين هذا الإحساس وذاك مضت حياتى معها, ومازالت حتى الآن .. إننى لا أحبها جدا أو للدرجة التى تجعلني أتحمل هذا العذاب, لكنى أتمسك بها إغاظة لها ولمديرها الذى أعجب من أمره, وأريد أن أدفع نصف عمرى لو أعرف منه فقط ما هو الشئ المميز والفريد الذى وجده فيها ولم يجده فى غيرها ويجعله يتمسك بها إلى هذا الحد  أننى أكاد أجن أو أرتكب حماقة أندم عليها, فقد كنت أظن أن كليهما سينسى هذا الحب بعد الزواج أو بمجرد إنجابها وانشغالها بالأطفال وبشئون الحياة.. لكنى اكتشفت أنى كنت واهما فحرمانهما من بعضهما قد زادهما جنونا وتعلقا , وهى تعرف أنى أعرف أنها مازالت تتمنى أن أطلقها لكى تتزوج منه, ولم تكف طوال السنوات الماضية عن مطالبتى بطلاقها .. إلا حين هددتها بأنى سأقتل مديرها إذا لم تكف عن طلب الطلاق .. فصدقتنى .. وكفت فعلا.. لكنها راحت تذبل وتذوى منذ أدركت أنى لن أعطيها حريتها أبدا وتستسلم لنوبات طويلة من البكاء خفية عنى .. وتحاول ألا تظهر أمامى شيئا من ذلك لكنى أعرف .. وأعرف أن قلبها لم يكن لى ولن يكون ..وأفهم كل ذلك فماذا أفعل؟.

 

ولكاتب هذه الرسالة أقول:

إنك لم تغظها وحدها وإنما أغظتني أنا أيضا برسالتك هذه وبمنطقك العجيب فيها؟

فلقد تعاملت يا سيدى مع مشكلتك منذ البداية بمنطق الرجل الذى يقول عنه الإنجليز فى أمثالهم أنه أراد يوماً أن يغيظ زوجته فقطع أذنيه لكى تعايرها الزوجات بأن زوجها بلا أذنين !! فآذى نفسه أشد الأذى ولم يغظ فى النهاية سوى نفسه !

والحق أنك قد تفوقت على هذا الرجل فى عناده, فلم تدمر نفسك معنويا وإنسانيا فقط, وإنما دمرت معك هذه السيدة التى مهما كان خطؤها أو خطيئتها قبل الزفاف , فلقد اعترفت لك بها منذ البداية, و طالبتك بتسريحها بإحسان وأكدت لك أنها لن تكون لك أبدا لأن قلبها رهينة عند غيرك إلى آخر نفس فى صدرها .. ورغم بشاعة تصرفك حين حاصرتها بالأهل لكى تجبرها على إتمام الزواج, فإنك لم تكتف بذلك وإنما ارتكبت جريمة أشد نكراً هى إنجابك لطفلين من أم خَبرت بنفسك حقيقة مشاعرها تجاهك, وتأكدت من أنها لن تكون لك ذات يوم .. فكيف رضيت لنفسك هذا الهوان؟

لقد أخطأت زوجتك بارتباطها عاطفيا بغيرك وهى مرتبطة معك بعهد الوفاء, وأجرمت فى حق نفسها حين ضعفت عندما حاصرتها لإتمام الزواج, ولم تصمد للعاصفة وتتمسك بالانفصال مهما كانت العواقب إبراءَ لذمتها من الارتباط بك وقلبها لغيرك .. وأجرمت معك بإنجابها هذين الطفلين وهى على يقين من أمر نفسها, ومازلت تتعلق بالأمل حتى اليوم فى غيرك .. أخطأت زوجتك لا شك فى كل ذلك لكن فى أى دين أو عرف أو منطق يكون عقاب خائنه العهد هو تهديدها بالأهل لإتمام الزفاف وتوريطها فيه؟. أهكذا يتصرف الرجال شرقيين كانوا أم غربيين؟ لا يا سيدى لا تظلم الدماء الشرقية بهذا الافتراء .. لقد إستمع الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام إلى امرأة تريد أن تعفف نفسها من الفتنة , فأمرها الرسول بأن ترد عليه ما أخذت منه , وأمر زوجها بأن يطلقها ويتزوج غيرها رعاية لحقه وكرامته وحفاظا عليها من الزلل.

هذه هى الشرقية الحقيقية المستهدية بقيم الدين والعرف والرجولة والفروسية , وليست كما فعلت .. فإمساك الزوجة الكارهة على غير إرادتها أو تركها معلقة لسنوات طويلة فى نزاعات المحاكم لمجرد حرمانها من الزواج بآخر , ليس سوى حض لها على الخطيئة والانحراف , وهى مازالت تحمل اسم الزوج الذى يمسكها أو يراوغ لتركها معلقة .. ثم يسمى البعض هذا التصرف انتقاما ! فأي انتقام هذا؟ إنه انتقام قاطع أذنيه وليس انتقام الرجال .. فعقاب خائنة العهد الحقيقي هو إخراجها من حياة من لم تحفظ عهده, ومغالبة النفس للتخلص من أية مشاعر تجاهها, ثم التطلع لحياة جديدة مع غيرها بعد أن تبرأ النفس من جراحها .. ويتكفل الزمن بمداوتها.

أما غير ذلك فليس انتقاما إلا من النفس .. ولا عقابا إلا لها .. فأي عقاب للنفس أقسى من أن يرضى لها المرء بمعايشة هذا الجحيم وتجرعه يوما بعد يوم .. وفى مقدوره أن يعفى نفسه منه لو تعالى على آلامه وقرر مواجهة نفسه بدلا من مراوغتها, وسلم بأن ما جرى له هو محنه شخصية قد يصادفها أي إنسان سئ الحظ فى حياته, وإنها لا تنال من احترامه عند الآخرين إلا إذا تمسك بمن لا تريد العيش معه وتستميت للانفصال عنه.

وأما ما عدا ذلك فحكم جرت به المقادير .. وليس علينا سوى التعامل معه بما يحفظ علينا كرامتنا وإنسانيتنا .. وفى أعيننا نحن أولا .. قبل أعين الآخرين

إننى أتردد ألف مرة قبل أن أشير على أحد بطلاق زوجته إذا كان له منها أبناء صغار .. وكان هناك بصيص من أمل فى الإصلاح .. لكنى فى حالتك الفريدة هذه لا أرى لك رأيا غيره وإن كان الثمن باهظاً بكل أسف, وسوف يدفعه طفلاك .. لكن ربما يخفف من وطأته أنهما إن لم تفعل فسيرضعان من أمهما عدم احترامك, وسيشبا فى بيت قوائمه آيلة للسقوط فى أية لحظه .. وسيواجهان نفس المصير اليوم أو غدا .. ولله الأمر من قبل ومن بعد !..

 

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1990

شارك في إعداد النص / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات