الأسئلة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994
" لمن يكون "الستر" وتوفيق الله وحمايته إلا لأبناء "مرضى الشرف" ؟ ومتى أمّن المال وحده مستقبل أحد ، أو مستقبل ذريته ؟ " .
عبد الوهاب مطاوع
قد لا يكون في رسالتي ما يثير اهتمام القارئ من مأساة إنسانية أو مشكلة عاطفية لكنها برغم ذلك مشكلة جديرة بالاهتمام فأنا يا سيدي محاسبة شابة بإحدى الشركات الكبرى وزوجة لزميل لي في العمل يسبقني في التخرج ببضع سنوات وقد تزوجنا منذ خمس سنوات ولدينا والحمد لله طفل عمره ثلاث سنوات ونصف السنة ومن حقه ومن حقنا أيضًا أن يكون له شقيق أو شقيقة يتساندان معًا في الحياة ولكن كيف ؟ هذا هو السؤال !
فالمشكلة باختصار هو أن إجمالي دخلنا أنا وزوجي حوالي 700 جنيه .. وبرغم أن هذا الدخل الذي قد يحسدنا عليه آخرون ممن هم في مثل عمرنا إلا أنه لا يكفي لضروريات حياتنا ، فقد أرهقنا مقدم الشقة التي تزوجنا بها برغم أنها متواضعة جدًا ، وقد تزوجنا ونحن مازلنا مدينين بأقساط جمعيات ادخار وأقساط حجرة النوم والمطبخ وأنتريه متواضع جدًا وهو أثاث في مجموعه يمثل الحد الأدنى الممكن الزواج به وقد دفعنا عشرة آلاف جنيه كمقدم الشقة وتكلفنا للأثاث خمسة آلاف أخرى ، ولأن أسرتينا غير قادرتين على مساعدتنا فالله وحده يعلم كيف تحملنا هذا العناء في بداية حياتنا لكي نستطيع تسديد أقساط هذه المبالغ ، حتى لقد مرت بنا شهور في بداية الزواج لم يدخل بيت العروسين فيها أي نوع من اللحوم أو الفاكهة ولا يعلم سوى الله كيف حرمنا أنفسنا من شراء أية ملابس أو أحذية لأكثر من سنة حتى استطعنا بعون من الله تسديد معظم ديوننا وتحسنت أحوالنا بعض الشيء وجاء طفلنا وتوقعت أن تتخفف حياتنا من بعض معاناتها بعد أن نجحنا في تسديد معظم الديون لكن نفقات تربية طفل من دواء وملابس وأغذية وحضانة .. الخ أثقلت كاهلنا من جديد .. فلم يتغير الحال .
وباختصار فإني أريدك أن تشترك معي – أنت وقراؤك الأعزاء – في تدبير ميزانية أسرتي الصغيرة لعلي أكون مقصرة أو مخطئة في شيء فتقومونني وتصححون لي أخطائي .
فمن دخل يبلغ حوالي 700 جنيه أدفع مائة جنيه إيجارًا للشقة وما يقرب من 30 جنيه للمياه والكهرباء ونور السلم وأجرة البواب ، وأدفع 50 جنيهًا أجرًا للحضانة التي أودع فيها طفلي خلال غيابي في العمل ، ويكلفني علاجه إذا مرض والأطفال يمرضون كثيرًا خاصة في الشتاء ، ما لا يقل عن 25 جنيهًا ، كما أدفع قسطًا شهريًا للتليفزيون الذي اشتريته مؤخرًا قدره 50 جنيهًا ، وأدفع 15 جنيهًا للغاز ، وأتكلف أنا وزوجي للمواصلات كل شهر في حدود 100 جنيه وأشتري أرزًا ومكرونة في خلال الشهر بثلاثين جنيهًا ، وتتكلف ساندويتشات طفلي طوال الشهر ما لا يقل عن 30 جنيهًا وأخصص لملابسه التي تستهلك سريعًا لخروجه للحضانة كل يوم ونظرا لنموه 20 جنيهًا كل شهر في أضيق الحدود ، وأشتري لحمًا ب 60 جنيهًا بواقع كيلو جرام واحد كل أسبوع ، ويكلفني شراء دجاجة واحدة في الأسبوع نحو 60 جنيهًا أخرى ، أما الخبز والحليب والخضراوات تكلفني حوالي 5 جنيهات في اليوم أي 150 في الشهر يتبقى بعد ذلك بند "الخزين" من سكر وشاي وسمن وزيت ومنظفات فيستهلك مالا يقل عن خمسين جنيهًا فإذا حسبت كل ذلك وجدت مجموعه يساوي 770 جنيهًا أي ما يزيد على مجموع دخلنا بسبعين جنيهًا كاملة ومازال هناك بند الملابس والمجاملات العائلية والفاكهة والمتطلبات الطارئة كعطل في الثلاجة أو كسر في الأكواب أو في مصابيح الكهرباء .. فضلاً عن مرضنا إذا مرضنا أنا وزوجي وما يتكلفه . فهل تعرف ماذا أفعل إذا اضطررنا لأداء أي واجب مجاملة للأهل والأقارب أو لشراء حذاء لي ولزوجي ؟ أقول كيف أدبر هذا المبلغ المطلوب لمواجهة مثل هذه "الكارثة" ؟ إنني أقتصد في بند اللحوم والدواجن وألغي وجبة العشاء وأستخدم زيت القلي عشرات المرات برغم خطورته على الصحة وألغي زياراتنا للأهل والأقارب لتوفير بند المواصلات ، ولا أفتح التليفزيون ولا الراديو ولا مصباح الكهرباء إلا حيث يوجد طفلنا حتى لا يخاف ولا أنام إلا في ساعة متأخرة من الليل لكي أغسل ملابسنا القليلة خاصة ملابس الطفل بيدي وبغير استخدام الغسالة لكي أوفر في بند فاتورة الكهرباء كما أجمع بقايا الأكل القليلة جدًا التي تتبقى كل يوم وأحتفظ بها في الفريزر لإعادة "تجميعها" وتقديمها كوجبة مستقلة تسد رمقنا في أحد الأيام وأصلح حذائي بنفسي فألصقه "بالأوهو" أو أخيطه بالإبرة لأوفر أجر التصليح ، ولا أشرب الشاي أو القهوة إلا إذا جاءنا ضيف .
وكل هذا العناء لكي نوفر ثمن حذاء أو تكاليف مجاملة لا مفر منها للأهل الذين سبق أن جاملونا .
أما الآن فقد أصبح ابني على وشك الالتحاق بالمدرسة فهل تستطيع أنت وقراؤك الأعزاء أن تجدوا لي بندًا من بنود الميزانية أستطيع أن أوفر منه لسداد متطلباته في المدرسة ؟
قد تقول لي إن مرتبي ومرتب زوجي سوف يزيدان بالضرورة وهذا صحيح لكن هل يضمن لي أحد أن تظل الأسعار كما هي الآن لكي تخفف زيادة المرتب من عناء حياتنا ؟ إنني لا أعرف لماذا أكتب إليك بكل هذا لكني أقول لك فقط إن الشيء الوحيد الذي يعينني على احتمال جفاف حياتنا هو ذلك السؤال الذي أتمنى أن تجيبني عنه وهو : ماذا يفعل أصحاب الدخول المحدودة ومن لديهم أكثر من طفل أو ثلاثة وماذا يفعل خريج جامعي حديث يحلم بالمظهر والارتباط وبمساعدة الأهل وهو لن يجد بين يديه إذا وجد سوى مرتب بداية التعيين وهو 75 جنيهًا ؟ ..
ولدي سؤال آخر أريد أن أطرحه عليك ليس بدافع الحقد أو الحسد "والله" وإنما بدافع التعجب وهو : من أين يأتي الناس بكل هذا الكم من الملابس الغالية والمجوهرات والسيارات وكثيرون منهم موظفون وأصحاب دخول ثابتة ؟
وهل نلومهم إذا قاموا بأي تجاوز وقد عرفنا معاناة المرضى بالشرف من أمثالي أنا وزوجي ؟ إنني أحمد الله وأعرف أنني أفضل حالاً من غيري لكن ما يقلقني هو مستقبل طفلي الذي أراه أكثر ظلامًا مما نحن فيه في ظل هذا الغلاء الطاحن .. فعذرًا لكل ما أرهقتك به وأنت لا ذنب لك في شيء ، لكني فضفضت بعه عن نفسي واسترحت قليلاً فشكرًا لك ، وأرجو أن تجيبني عن هذه الأسئلة !
جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
أبدأ "إجابتي" بأن أشكرك في البداية لأنك قد ذكرتني في ختام رسالتك بأنني لست "المسئول" عن مصاعب حياتك وحياة الملايين من أمثالك ، فلقد كدت أتوهم مع تصاعد انفعالي تدريجيًا بما تروين لي أنني "المسئول" فعلاً بشكل أو بآخر عن هذه المعاناة أو عن هذه التناقضات التي تحيرك في مجتمعنا ، أما "الأسئلة" التي تنتظرين إجابتها مني فلقد ذكرتني أيضًا بما فعله رجل فرنسي التقى بالفيلسوف الألماني هيجل وطلب منه أن يحدد له فلسفته باختصار فأجاب عن سؤاله في عشرة كتب !
ولست أظن إلا أنني أحتاج لمثل هذا العدد من الكتب لكي أجيب عن أسئلتك هذه ، ولهذا فلن أقول لك سوى أن ما تعانين منه يعاني منه كثيرون من أبناء الطبقة الوسطى الصغرى المعذبة التي تفرض عليها أوضاعها ألا تنزل عن مستوى معيشة معين لا تستطيع لظروفها أن تنزل عنه ، ولا تعينها إمكاناتها المادية على الوفاء باحتياجاتها الضرورية في ظل هذا المستوى .. ولا تستطيع في نفس الوقت أن تتوسل للرزق بنفس الوسائل التي يتحايل أبناء الطبقة الدنيا عليه ولا يقبلون بما يقبل هؤلاء من مستوى أدنى للمعيشة فيمضي أبناء هذه الطبقة الوسطى الصغرى في الحياة طاوين يعانون من الحرمان ويحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ، إنها أزمة جيل بأكمله وليست أزمتك وحدك ، والمؤسف هو أن تدني مستوى معيشة هذه الطبقة الصغرى يؤثر بالفعل تأثيرًا سلبيًا خطيرًا على الحياة في مجتمعنا وسيزداد هذا التأثير ضررًا في المستقبل للأسف لأن أبناء هذه الطبقة هم وحدهم تقريبًا الذين يلزمون أنفسهم بتنظيم النسل إدراكًا منهم لمسئولياتهم تجاه أبنائهم ..
في حين يتناسل أبناء الطبقة الدنيا بلا حساب ، فكأنما بذلك نحد من حيث لا ندري نسل "الأنتلجنسيا" أو الطبقة المتعلمة التي يرتبط بها تقدم المجتمع ، ونترك الحبل على غاربه لأبناء الطبقة الدنيا التي لا تحرص على التعليم فيزيدون من عدد الأميين في بلادنا ، إنه وجع قديم يا سيدتي فسامحك الله على إيقاظه ، ومع هذا فلست أوافقك على ألا نلوم أحد إذا "تجاوز" طلبًا للملابس الفاخرة والمجوهرات والسيارات .. فالتطلع لشيء من ذلك لا يبيح اقتراف الحرام والعدوان على المال العام أو الخاص مهما كانت المبررات وإذا كنت ترين كمًا هائلاً من هذا المتاع حولك فلأن في مجتمعنا كثيرين ممن يملكون المال إلى جانب الكثيرين ممن لا يجدونه والهوة بين الاثنين تتسع طردًا للأسف والجميع مطالبون باحترام المال وتقدير مسئوليته الأدبية والاجتماعية وبعدم استفزاز مشاعر المحرومين . ومعاناتك على أية حال لن تستمر إلى النهاية فكل شيء يبدأ صغيرًا ثم يكبر إلا الحزن الذي يبدأ عملاقًا ثم يتضاءل مع الزمن ، وأحد الحكماء قال ذات مرة إن سنة الحياة هي أن يكون الإنسان قويًا في العشرين وجميلاً في الثلاثين وغنيًا في الأربعين وناضجًا في الخمسين وحكيمًا في الستين . وإذا كان ليس من المتوقع أن يصبح كل إنسان غنيًا في الأربعين فإن الأمل حقًا هو أن يكون على الأقل غير محروم من متع الحياة الضرورية بعد 17 أو 18 عامًا من الكفاح الشريف في الحياة وبهذا المعيار إن مؤشر حياتكما يتجه للأفضل وليس للأسوأ ما تتشاءمين ، ولابد أن يأتي دورك لتحقيق الأمان المادي والتخفيف من عناء الحياة وعلينا دائمًا أن نتطلع للأمام بقلب متفائل يثق في قدرة صاحبه على تحقيق بعض أحلامه المشروعة في الحياة المريحة ، ومن عون ربه له على ذلك خاصة إذا كان من "مرضى الشرف" مثلك أنت وزوجك .. فهؤلاء هم الذين يغنيهم ربهم حقًا وصدقًا ويؤتيهم رزقهم بغير حساب جزاء بما صبروا ، والرزق كما يرى فضيلة الشيخ الشعراوي نوعان :
رزق إيجابي مباشر يتمثل في عائد العمل وغيره من مصادر الرزق ، ورزق آخر سلبي يتمثل في الستر وفي أن يجنب الله سبحانه وتعالى المرء اختبارات الحياة القاسية التي تستنزف المال والصحة والسعادة ، لهذا فلا خوف على مستقبل طفلك ولا أنتم تحزنون ؛ إذ لمن يكون "الستر" إذًا وتوفيق الله وحمايته إلا لأبناء مرضى الشرف من أمثالكم ، ومتى أمّن المال وحده مستقبل أحد أو مستقبل ذريته والحق سبحانه وتعالى يقول لنا :
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا
يا إلهي .. لقد جرفتني إلى الإسهاب من حيث لا أدري وكنت قد اعتزمت ألا أحاول الإجابة عن تساؤلاتك هذه لأنها ليست أسئلة بقدر ما هي تأملات تدعونا لمشاركتك إياها والتفكير في حياتنا وليس إلى محاولة الرد عليها .. فعفوًا لهذا الاستطراد وشكرًا لكِ .
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1994
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر