القرارات الصارمة .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2003

 القرارات الصارمة .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2003

 القرارات الصارمة .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2003



إن قوامة الرجل على المرأة لا تعني القهر أو الظلم أو إرغام الزوجة على أن تحيا حياة لا ترضاها لنفسها‏ .. ولقد عني كبار المفسرين بجو الأسرة المسلمة وهم يشرحون معنى حدود الله في آية الطلاق مرتان فكان أهم ما حذروا منه في هذا الصدد هو "الظلم‏" .. وقال صاحب المنار رضي الله عنه ‏:‏ إن ظلم الأزواج للزوجات أعرق في الإفساد وأعجل في الإهلاك من ظلم الأمير للرعية، ذلك أن رابطة الزوجية أمتن الروابط وأحكمها فتلا في الفطرة الإنسانية‏، فإذا فسدت الفطرة فسادا انتكث به هذا الفتل، وانقطع ذلك الحبل فأي رجاء في الأمة من بعده يمنع عنها غضب الله وسخطه؟
عبد الوهاب مطاوع
بريد الجمعة

أكتب إليك وأنا في قمة المعاناة التي استمرت اثني عشر عاما ومازالت فصولها تتكرر‏,‏ ولم أفلح في اتخاذ القرار الصحيح حتى الآن‏,‏ وكل أملي في الله عز وجل أن يجعل لي من خلال ردكم مخرجا لمشكلتي‏,‏ فأنا سيدة في بداية الثلاثينيات من عمري‏,‏ غير أن عمري الشكلي أصغر من ذلك بعشر سنوات كاملة ويقولون إنني أكثر من جميلة وخفيفة الروح والظل وسريعة الإلف والإيلاف، نشأت مدللة وأكسبني كل ما سبق ثقة كاملة في النفس أثناء صغري فتعاليت على كل ما كانت تقع فيه الفتيات من أخطاء‏,‏ وصددت أي محاولة للاقتراب مني من جانب أي شاب بداية من الصف الأول الثانوي وحتى زواجي في التاسعة عشرة من عمري ولم يكف خلالها الخطاب عن طلبي من والدتي السيدة طيبة السمعة حلوة الكلام التي يحترمها الصغير والكبير ولا يفوتها مناسبة للقاصي والداني إلا وقامت بالمجاملة فيها‏,‏

ويبدو أنني كنت أشغل بال الكثيرين وقتها في دائرة الأهل والمعارف والجيران‏,‏ حتى أنني كنت أضيق بمحاصرتي  الدائمة وكأنني من كوكب آخر برغم أنني وحتى اليوم لا أرى في نفسي ما يلفت الانتباه‏.‏ وبدأت قصتي حينما تقدم لي جار لنا كان وقتها مدرسا مساعدا بإحدى كليات الطب ولديه عيادة خاصة مسائية‏,‏ وكانت والدتي من مرضاه ولم تكن تكتم دعاءها بأن يجعله من نصيب إحدى بناتها‏,‏ وبالطبع كان قد تزوج عدد كبير منهن ولم يتبق سواي وأختي‏,‏ التي كانت تتعلق به فعلا‏,‏

وكنت الوحيدة التي تعلم ذلك وكانت ملتزمة بمعني الكلمة لولا أن ليس لها يد في قلبها‏,‏ وكان تقدمه إلي مفاجأة لنا جميعا فالكل يرى وضوح التزامه الكامل وكنت لم أتحجب بعد وشديدة المزاح تماما عكس أختي التي كان الكل يتوقعونه لها هي وليس لي‏,‏ ولهذا الأمر أعطته أمي ‏"السوط‏" الأول ليجلدني به دائما وهو عرضها أختي عليه بدلا مني لأني شقية ولن أريحه وكانت قد أنهت دراستها فاعتذر بقوله‏:‏ كيف أتعلق بواحدة وأتزوج أختها وصارحت أمي بأمر أختي فإذا بها تؤجل الموضوع حتى تهدأ الأمور‏.

وكنت قد أعلنت لها رفضي التام‏,‏ فهذا الرجل كان يخيفني وكنت أشعر أن به حدة رغم نظره الموجه دائما للأرض وحب الجميع المعلن له‏,‏ وكان وقتها في الثامنة والعشرين وكنت في الثامنة عشرة ولكن أمي لم تترك الفرصة ورفضت بعض الخطاب وفضلته عليهم قائلة لي إنهم يشترون جمالك بأموالهم ولن يلبث الجمال أن يزول فيشترون غيره‏,‏ أما هذا الملتزم فإنه يريدك زوجة وواصلت الإلحاح علي حتى قبلت على مضض‏,‏ وقبل العقد أشار علي  خطيبي بالحجاب وتغيير ملابسي إلى الاحتشام برغم التزامي الخلقي ولم تدع لي أمي خيارا أيضا ففرضت علي حصارا حتى فعلت ما يريد وتقدم لي وليس لديه إلا شقة حتى دون شبكة أو مهر‏,‏ وذللت له والدتي العقبات أمام والدي الذي كان عمله يأخذه طوال اليوم وكانت ترتب ألا يشدد عليه أبي وأقنعتني بالدموع أنه سيكون‏,‏ ويكون بعد عودته من استكمال دراسته العليا بالخارج ولم تكن لي طلبات مادية‏,‏ غير أنني تمنيت أن أكون ككل صديقاتي لي فستان وشبكة وغيره إلا أنه رفض حفل الزفاف الذي حلمت به‏,‏ وتم العقد في منزلنا في حفل بسيط وحين عاد بعد عام تم الزفاف في الأسبوع نفسه وكنت على يقين من أن والدتي تعجل الأمر لمرضها الشديد‏, ولأنني الصغرى ولم يكن قد تبقي سواي بالبيت‏,‏ وبعد عودتي من رحلة الزواج لبيتي أسمعني زوجي ما لم أكن أعرفه عنه‏,‏ فلقد أظهر لي غيرة جنونية بكلامه وتصرفاته‏,‏ فأعطى فرمانات غير قابلة للمناقشة هي عدم الذهاب لأي مخلوق صديقة أو أقارب‏,‏ الذهاب للجامعة فقط معه ذهابا وعودة‏,‏ عدم فتح النوافذ إلا وأنا بكامل ملابسي وللضرورة القصوى عدم الرد على الهاتف‏,‏ ولو كان غير موجود لا أرد أبدا‏,‏ نزور بيت أبي فقط معا كأي ضيوف ونعود معا‏,‏ فبدأت أبكي ولعله لو كان قد تدرج في فرض القيود لما بكيت‏,‏ فاتهمني بأنني أحب الشوارع وهو لا يرضى بالوحل‏,‏ فصدمت صدمة العمر بكلماته وللأسف كنت حاملا في أول طفل لي‏,‏ وظلت والدتي تسهل علي الأمور بدعوى حبه الشديد لي وخوفه علي وظل هو من جانبه يصدر المزيد من  الفرمانات ووالدتي قوة الدفع لي حتى أنهيت الليسانس ومعي طفلي‏,‏ ووالدتي تتولى كل شئونه هو والبيت حتى توفيت رحمها الله وتركتني وحيدة‏.

ومضت الأيام وأنجبت منه مرة ثانية وثالثة حتى أصبح المجموع ثلاثة أطفال برغم أنني اكتشفت أننا ومن أول يوم دخلت فيه بيتي أننا كقضبان القطار لن نلتقي من البداية للنهاية‏,‏ ولن أحكي عن سنوات طويلة مضت كان خلالها يسألني إن أكثرت معه المزاح‏..‏ هل لو تزوجت رجلا غيره أكنت أمازحه؟ هكذا وببراءة أجبت نعم لأنه سيكون زوجي فيتكرر الصفو إلى ما شاء الله وتعودت الكثير من طباعه لكن فرماناته لا تنتهي وكنت أحاول شغل نفسي بتعلم الحياكة أو الكمبيوتر طبعا داخل جدران المنزل‏,‏ فكان يثير الزوابع وأن كل هذا من وقت أولادي ويظل يمنع حتى يتم إحراجي أمام من أتت لتعليمي وينتهي الموقف بتمزقي النفسي وأنا التي لا أرى ولا أزور أي بشر إلا نادرا‏,‏ وازور شقيقاتي في مناسباتهن الخاصة فقط وهن أيضا كل منهن قال لها زوجها ماذا بنا حتى يمنعها عنا أنت أيضا لا تزورينها إلا بالمثل‏!!‏

ووقفت كثيرا أمام نفسي وهي تتطور من قمة الثقة والحيوية والنشاط إلى اليأس والإحباط‏,‏ فلم أدع صحتي النفسية المرتفعة التي يعرفها الجميع تذهب سدى وكرست وقتا كبيرا لأطفالي فهم الأوائل على مدارسهم برغم ذلك مازال لدي وقت لنشاط آخر شغلته بالقراءة‏,‏ لكنه للأسف منعها عني أيضا فكنت أخبيء الكتب الدينية تحت الأنتريه فور دخوله كأنها لا قدر الله شيء معيب واتجهت للمسجد عن اقتناع  كبير من نفسي وارتديت أكثر مما كان يحلم هو به‏,‏ أنه لم يصبر طويلا ثم منعني من المسجد أيضا فهو يكره خروج المرأة‏,‏ وفجأة أصبت بمرض علله الأطباء جميعهم انه نفسي وقال هو لي أنا ليس لي فيه يد‏,‏ وإنما أنت التي لا تغيرين رأيك برغم أننا اتفقنا من البداية على عدم استعمال التليفزيون لأطفالنا‏,‏ وتكفي أقراص الليزر بما نريده سليما لهم إلا أن الأمر اليوم أصبح شبه مستحيل مع أطفال كبروا وأنهي ابني الكبير دراسته الابتدائية هذا العام ولا وسيلة ترفيه له سوى يوم أسبوعي وطاقتهم كلها موجهة علي‏,‏ وهو يرفض أن يصادقوا أحدا حتى أبناء عمومتهم أو خالتهم‏,‏ ولا أعرف كيف أطبق ما يريد وأنا دائما متهمة بالتقصير برغم أنني ليس لي سواهم‏.‏

هل تصدق أنه تصارع بالأيدي مع طبيب تخدير احتاجته الطبيبة أثناء وضعي طفلتي الأخيرة فدخل خلفه وجذبه من ملابسه‏,‏ لأنه كما يدعي رآني وعندما أفقت سمعته يحدث والدته وهو يصرخ أنه سيطلقني‏,‏ ولكنه فيما يبدو خفف العقوبة إلى الخصام شهرين وكأن لي ذنبا في الأمر‏!!‏ تكرر المشهد كثيرا حينما أقف للشراء ويأتي رجل للشراء أيضا‏,‏ فيجري مندفعا نحوه وهو ينهره ويدفعه في صدره ‏(‏عيب تشتري جنب النساء‏)‏ وأكون في قمة الإحراج ولكن ماذا بيدي‏,‏ لقد تحولت من الشخصية الهادئة المبتسمة دائما إلى شخصية شديدة العصبية‏,‏ فراح يعاقبني بقطع أسلاك الهاتف مدة لا تقل عن شهر كل مرة حتى يربيني ويمزق كل ملابسي حتى لا أجد ملابس أغيرها‏,‏ حتى جاءت لي شقيقتي وعلمت بالأمر فأحضرت لي بعض الملابس‏,‏ ثم بدأ في تمزيق الأحذية باستمرار حتى لا أترك البيت لأني هددته بذلك ذات مرة وحقائبي كذلك‏,‏ ثم وافق أخيرا علي أن استكمل دراستي العليا‏,‏ وبدأت الدراسة بكل جد واهتمام خاصة أن أطفالي ليس بينهم من هو رضيع والتحقوا جميعا بالمدرسة‏,‏ كما أنني بدأت أعطي زوجي اهتماما أكبر وللبيت حتى لا يتهمني بالتقصير فيمنعني‏,‏ وأذهب وأعود سريعا بعد المحاضرات حتى لا يرى خطأ واحدا وبالرغم من كل ذلك فاجأني بأنه يمنعني من مواصلة الدراسة‏,‏ ومزق كتبي فثرت عليه ونبشته بأظافري وطلبت الطلاق بإصرار فلم يكن ذلك إلا القطرة الزائدة‏,‏ لقد حلمت خلال أعوام طويلة أن أشم هواء لا يشمه وصممت على الذهاب إلي الامتحان فأرسل لي الأطفال قبيل دخولي الامتحان وهم بملابس البيت ورحل وأخذتهم معي وتركتهم بمسجد الجامعة‏,‏ ووجدت بفضل الله من تتبرع بالجلوس معهم ممن ليس لديها امتحان‏,‏ وفي الامتحان التالي جاء بنفسه وقال إنه سيذهب لإجراء عملية اللوز لابني رغم أنه يمكن تأجيلها أسبوعا آخر حتى أنتهي فذهبت إلى المستشفى حتى دخل حجرة العمليات وانتهى وذهبت متأخرة على الامتحان‏,‏

خلالها ترك لي البيت لمنزل والدته بعد ارتفاع الضغط عندي ولما رأى تصميمي ولم يتبق إلا يوم أخير من ثلاثة أيام للامتحان قال لي أنت طالق فأدركت للمرة الأولي في حياتي أن الحرية أعظم شيء في الوجود‏,‏ ومر يومان وجاء زوجي لي في الثالث يبكي ويقول إن البيت انهار وأنني السبب لأنني مازلت بنت التاسعة عشرة كما أنا وأفكر في الخروج والضحك ولا أتحمل أي مسئولية‏,‏ وقد أوغر البعض صدره وأوهموه بأنني يمكن أن أكون قد طلبت الطلاق لأنني رأيت شخصا غيره وأريد أن أتزوجه فمت رعبا ووافقت علي الرجوع إليه حتى لا يظن بي شيئا‏,‏ برغم كرهي الشديد لهذا الأمر ولأنه دائم الشكوى مني لأهله والأصدقاء بل والمرضي وكأنني أعيش في بيت من زجاج‏..‏ الكل يراني فيه ويري حركاتي اليومية‏,‏ خاصة أهله فأي حياة هذه يا سيدي؟ إنني دائما أسمع نصائحك حول لم شمل الأسرة التي بها أطفال‏,‏ وأنا أملك إرادة فولاذية وأستطيع العيش بدونه في حضن أطفالي ودائمة التنازل حتى تسير الأمور‏,‏ لكنني فاض بي الكيل‏,‏ وليس لي طلبات مادية نهائيا بل أصبح عندي فقدان دائم للشهية حتى فقدت من وزني أربعة عشر كيلو جراما منذ زواجي لم أستردها إلى الآن‏.‏

ولقد فشلت كل الوساطات بيننا للتوصل إلى حل وسط‏,‏ ولأنني من قراء هذا الباب الذي كنت أجد العزاء فيه دائما بمن هم أشد مني بلاء فلقد جذبته إليه حتى لا يمنعني منه هو الآخر وأتمنى لو وجهت له كلمة‏,‏ ويعلم الله أنني أتقي الله فيه في غيابه وأسفاره قبل وجوده حتى نظراته التي تتابع لحظ عيني في الطريق برغم غضي البصر‏,‏ إنها تقوى لله وليست له‏,‏ لقد وصلت لمرحلة هيستيرية في مشاجراتنا ولأول مرة أسبه وأتصرف تصرفات جنونية لعله يطلقني أول ما يسمعها لكن هيهات‏,‏ فإذا كان يريد الحياة فليحيا بالمعروف أو يسرحني بإحسان رغم علمه حدود الله وحب الجميع له لكنه ليست بهذه الطريقة تحفظ البيوت .

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏

كل ما تعانيه معه بدأ بأول بذرة للشك غرستها والدتك من حيث لا ترغب في نفس زوجك تجاهك‏,‏ وذلك حين نصحته بأن يتزوج أختك الكبرى دونك بدعوى أنك شقية ولن يجد راحته وأمانه معك‏,‏ ولأنه كان قد تعلق بك أنت ويرغبك بشدة‏,‏ فلقد استمسك بزواجه منك دون أختك والتزم من البداية أن يكبلك بالقيود والسدود والقرارات الصارمة‏,‏ لكي يسيطر على ما يعتبره نزقا من جانبك‏,‏ وليغرس الطمأنينة في قلبه تجاهك‏..‏ والمؤكد أنه قد بالغ كثيرا في ذلك‏,‏ وأنه قد تخطي حدود الحرص المطلوب إلى التشدد فيما لا ضرر فيه‏,‏ ولا حياة لزوجة بدونه كزيارة الأهل والصديقات والخروج الآمن إلى الحياة والعيش بنفس مطمئنة وليست خائفة على الدوام أو مترقبة للمنع والنهي والحرمان‏..‏

لقد مضت الأعوام وأصبحت أما لثلاثة أطفال‏,‏ ولم يعد هناك ما يبرر هذا الخوف المرضي الذي بلغ بزوجك حد الوسواس القهري تجاهك‏,‏ ولابد له أن يعتدل في غيرته عليك وفيما يفرضه عليك من قيود‏,‏ وإلا انفجر الإناء بما فيه وسكب الحمم الملتهبة على الجميع‏,‏ فقوامة الرجل على المرأة لا تعني القهر أو الظلم أو إرغام الزوجة علي أن تحيا حياة لا ترضاها لنفسها‏,‏ ولقد عني كبار المفسرين بجو الأسرة المسلمة وهم يشرحون معنى حدود الله في آية الطلاق مرتان فكان أهم ما حذروا منه في هذا الصدد هو الظلم‏,‏ وقال صاحب المنار رضي الله عنه‏:‏ إن ظلم الأزواج للزوجات أعرق في الإفساد وأعجل في الإهلاك من ظلم الأمير للرعية‏,‏ ذلك أن رابطة الزوجية أمتن الروابط وأحكمها فتلا في الفطرة الإنسانية‏,‏ فإذا فسدت الفطرة فسادا انتكث به هذا الفتل‏,‏ وانقطع ذلك الحبل فأي رجاء في الأمة من بعده يمنع عنها غضب الله وسخطه؟

أما الباحث الإسلامي الأستاذ أحمد موسي سالم فيقول إن القوامة للرجل لا تزيد على أنه له بحكم أعبائه الأساسية‏,‏ وبحكم تفرغه للسعي على أسرته والدفاع عنها ومشاركته في كل ما يصلحها أن تكون له الكلمة الأخيرة ـ بعد المشورة ـ ما لم يخالف بها شرعا أو ينكر بها معروفا أو يجحد بها حقا أو يجنح إلى سفه وإسراف‏,‏ ومن حق الزوجة إذا انحرف أن تراجعه وألا تأخذ برأيه وأن تحتكم في اعتراضها عليه بالحق إلى أهلها وأهله‏,‏ وإلى سلطة المجتمع‏,‏ وعليه أن يقيم حدود الله‏.‏ أما الإمام الراحل فضيلة الشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ فلقد أشار إلي أن آية وأمرهم شوري بينهم قد نزلت في مكة وقبل أن تكون هناك شئون عسكرية ودستورية‏,‏ وأن عموم الآية يتناول الأسرة والمجتمع‏,‏ إذن فهي للحياة الأسرية‏,‏ والعلاقات الإنسانية كما هي للشئون العامة سواء بسواء‏,‏ فقولي كل ذلك لزوجك يا سيدتي‏..‏ وأعينيه على أن يخفف قيوده عنك بتحفظك في كل ما يثير غيرته الجنونية عليك‏..‏

وأني لأرجو أن يكون أكثر ثقة في نفسه وفي زوجته مما هو الآن‏,‏ وذلك حرصا علي بنيان أسرته وأمان أطفاله وسلامة النفس وسلام زوجته‏,‏ فالسدود لا تحول بين الماء وبين التسرب من ثقوبها‏,‏ والقيود قد تضيق بها النفس ذات مرة‏,‏ فتحطم كل الأغلال وتقطع شعرة معاوية التي كانت تربطها بالطرف الآخر‏.‏

والحرص المغالي فيه كثيرا ما يكون السبب الأهم لضياع ما حرصنا عليه بشدة وما تخوفنا أكبر الخوف من أن يضيع من أيدينا‏,‏ وقديما قال شاعر الكوميديا الإلهية الأعظم دانتي في وصف حالة مماثلة‏:‏ كمن يحرص أشد الحرص علي الكسب فيخسر كل شيء بمعني أن انصرافه كلية للتفكير في الكسب كاحتمال وحيد قد شغله عن ملاحظة عوامل أخري مؤثرة في الموقف فخسر من شدة الحرص علي الكسب‏,‏ كل شيء‏..‏ كل شئ‏!‏

أنني أرجو صادقا ألا يكون هذا هو مصير زوجك معك إذا استمر علي هذا النحو من المغالاة والتشدد والتطرف في التسلط وفرض القيود‏.‏

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2003

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات