قدمت أعذاري ! .. بقلم عبد الوهاب مطاوع

قدمت أعذاري ! .. بقلم عبد الوهاب مطاوع  .. رمضان 

قدمت أعذاري ! .. بقلم عبد الوهاب مطاوع

 جلست لأكتب مقالي الشهري لمجلة الشباب بعد الإفطار بقليل في أحد أيام شهر رمضان فضاعت منى الكلمات والأفكار .. قررت في البداية أن أكتب مقالي عن فكرة من الأفكار التي تشغل أذهان الشباب كعادتي في معظم ما أكتبه في هذا الباب .. مخالفا بذلك عادتي السنوية حين أكتب مقالي (( الديني )) الوحيد فيه .. وراودت نفسي على ذلك ، مؤمنا بأن كل كلمة تستهدف إعلاء المثل العُليا وقيم العدل والحق والكفاح الشريف .. والمساواة والكرامة الإنسانية والعطاء للحياة ، هي (( كلمة دينية )) في مضمونها وإن لم تستخدم مفردات الخطاب الديني ، فإذا بالقلم يعصاني ، ويرفض إلا أن يخط (( عريضة الاسترحام )) التي يتقدم بها كل سنة في هذا الموعد إلى الأعتاب الإلهية  !

في شهر رمضان تكثر قراءاتي الدينية .. وتكثر ابتهالاتي الصامتة والعلنية إلى رب العفو الرحيم أن يغفر لي ولكل الخطاة من البشر ما تقدم وما تأخر من أمرهم .. وتتعلق آمالي برحمة ربى التي وسعت كل شئ ، فيتردد في أعماقي بيتان مؤثران من قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي الجميلة (( نهج البردة )) يقول بأبلغ عبارة  :

وقدمت أعذارى وذلي وخشيتي    وجئت بضعفي شافعا وشكاتي

وأنت لي العفو فامح بناصع      من الصفح ما سودتُ من صفحاتي !

فهل يتقبل ولى العفو حقا أعذارنا ويرحم ذلنا وخشيتنا ؟

 

قرأت في الموسوعة الإسلامية أنه في الفقه الشيعي يفضَّل أداء ألف ركعة من النوافل خلال شهر رمضان ، وقسمتها في مخيلتي على أيام الشهر فوجدت نصيب اليوم منها ثلاثاً وثلاثين ركعة إلى جانب الفروض الخمسة .. فأين لنا بهمة الصوفية وتشميرهم في العبادة أملا في استدراك ما فات  !

تستنيم مشاعري لما يرويه الرواة والمنشدون في بعض الأذكار الصوفية عن ذلك (( الحوار الدرامي )) الذي بتمثله الخيال الصوفي بين رب العزة جل شأنه ، ورسوله الأمين ، يوم العرض العظيم ، حيث يقف نبي الرحمة محمد الأمين صلوات الله وسلامه عليه بين يدي مولاه متشفعا لأمته لدى رب رحيم .. فيقول : يا رب أمتي ، فيجيبه رب العرش العظيم مترفقا به وبعباده : أنت تقول أمتي .. وأنا أقول رحمتي ، فواعزتى وجلالي لأقسمن خلقي بين شفاعتك ورحمتي  !

فينجو أمثالنا من الضعفاء ومن قصرت همتهم عن جد الفائزين بصالح الأعمال .. ولا يحتاجون إلى العرض على لجان الرأفة .

يستريح قلبي إلى هذه القصة الخيالية .. ويجد فيها بعض سكينته الهاربة .. وأين المفر لأمثالنا إن لم نتعلق بأذيال الأمل في رحمة رب غفور .. وشفاعة نبي شقوق  !

تتندى عيني حين أقرأ لأمير الشعراء بيتاً جميلا من الشعر يتمثل فيه نفسه واقفا أمام قبر الرسول الكريم راجيا شفاعته يوم يكون الحساب ... وبعد أن قدم أعذاره ... يستدرك قائلا:

وإن تقدم ذو تقوى بصالحة      قدمتُ بين يديه عبرة الندم

وهل يملك أحدنا سواها .. إذا عز عليه أن يتقدم بصالح الأعمال  !

تذكرني دائما قصيدة نهج البردة لأمير الشعراء في مدح (( أمير الأنبياء )) كما يصفه - بالقصيدة الأخرى التي نسج شوقي على منوالها مديحه هدا .. فرفعت من شأن صاحبها إلى مقام الأولياء الصالحين .. وغفرت له لدى الناس ما تقدم وما تأخر من ذنبه . إنها قصيدة البُردة للشاعر المصري الصميم محمد بن سعيد الصنهاجى البوصيرى الذى عاش بين عامى 1211_ 1296 .. وولد بالبهنسا ومات بالقاهرة كما تقول الموسوعة العربية الميسرة .. ولا أعرف كيف انتقلت رفاته إلى مثواه الآن في ضريحه الصغير المجاور لمسجد شيخه وأستاذة أبى العباس المرسى بالإسكندرية .

إنها قصيدة فريدة في صدقها الشعوري ، على خلاف معظم أشعار ديوانه ، وقد أحيطت بقصص خرافية كثيرة ، وتحولت إلى ورد فى أذكار الصوفية يتلونه ويترنمون به ويتبركون .. وكتبت بماء الذهب على جدران مسجده الصغير الذي يعرفه أهل الإسكندرية باسم مسجد الأباصيرى ، وطبعت منها ملايين النسخ .. وترددت في أنحاء العالم الإسلامي كله من أقصاه إلى أقصاه ، وعنى العلماء والأدباء والصوفية بها فألفوا حولها الشروح العديدة وترجمت إلى لغات عديدة ، وكانت أحدث ترجماتها ترجمة جميلة جديدة للإنجليزية قامت بها الدكتورة ثريا مهدي علام . فما أعجبت شأن هذه القصيدة المباركة ؟ !

 لقد نسى الناس للشاعر من أجلها _كما يقول أستاذنا الأديب الراحل يحيى حقى _كل ما مضى من أمره وكل ما قال من أشعار بعضها متكلف وركيك .. ولم يعودوا يذكرون له سوى هذه القصيدة .. ومن أجلها دُفن كما يدفن الأولياء الصالحون ، وأنشد المنشدون أبياته فيها ، فما خلا حفل قران طوال قرون عديدة في بلاد إسلامية مختلفة من إنشاد جماعي لقصيدته ، ولا خلت مناسبة للاحتفال بالمولد النبوي بغير ذكر أبياتها والترنم بها .. وترددت حولها القصص الشعبية الكثيرة فقيل إنه قد كتبها بعد أن أدى فريضة الحج وزار قبر الرسول ، وقيل بل كتبها بعد أن مرض بالفالج ورأى في نومه رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على وجهه ويلقى عليه (( بردته )) أى بالكساء الذى يلتحف به إيذانا بالشفاء بأمر ربه .. فنهض من نومه مستبشرا وكتب قصيدته وسماها (( البُردة )) .. أو (( البرُءة ))بمعنى الشفاء من المرض .. وقيل أيضا إنه سماها البردة تبركا ببردة رسول الله التي خلعها على كعب بن زهير حين جاءه مادحا بقصيدته الشهيرة ومطلعها (( بانت سعاد )) .

ثم جاء أمير الشعراء فنسج على قافيتها قصيدته الجميلة وسماها تواضعا منه (( نهج البردة )) وقدم لذلك قائلا :

المادحون وأرباب الهوى تبع ..

لصاحب البردة الفيحاء ذي القدم 

كأنما يقول إن كل من يمدح الرسول الكريم بعد البوصيرى فهو تابع له ومقلد مع أن معظم نقاد الأدب يعتبرون قصيدة شوقي أعلى قيمة منها من الناحية الفنية ، لكن هيهات أن ينال شئ من قدر قصيدة البوصيرى المباركة .. ومازالت نفوس المؤمنين تجد بعض طمأنينتها فى هذا البيت الشهير من أبياتها  :

يا نفس لا تقنطي من زلة عظمت    إن الكبائر فى الغفران كاللمَم

و (( اللمم )) فى اللغة هو الصغير من الذنوب .

ولقد عبر عن نفس المعنى شوقي فى رائعته قائلا:

إن جلَّ ذنبي عن الغفران لي أمل    في الله يجعلني فى خير معتصم

نعم .. هذا هو الأمل الباقى حقا .. والأمنية الصامتة للقلوب الخائفة .

وهل من أمل سواه ،  وما سمحت لنا الأيام وصراع الحياة للأسف بأن نفعل ما فعله بنفسه أبو يزيد البسطامى القطب الصوفي الذى عاش في القرن الثالث الهجري ، والذي وصفه قائلا :

كنتُ اثني عشر عاما حدَّاد نفسى .. ألقيت بها فى كور الرياضة 

" يقصد رياضة الجسم على العبادة " وأحرقتها بنار المجاهدة " مجاهدة رغبات النفس وشهواتها " ووضعتها على سندان المذمة وطرقتها بمطرقة الملامة " لوم النفس على هفواتها ومطامعها الزائلة " حتى جعلت منها مرآة ، وكنت خمس سنين مرآة نفسي أصقلها دائما بأنواع من العبادات والتقوى ، ثم سنة أنظر فيها بعين الاعتبار ، وقد نظرت فإذا في وسطى زنار من الكبر والعجب (( أي الإعجاب )) والرياء ... والاعتماد على الطاعات (( أي الاعتداد بطاعته لربه )) والاعتماد على الأعمال (( أي الاكتفاء بصالح الأعمال عن طلب المزيد منها )) فعملت خمس سنين حتى انقطع ذلك الزنار ، واعتنقت الإسلام من جديد ، ونظرت إلى الخلق فوجدتهم موتى (( أي فى ضلالهم وصراعهم على متاع الدنيا الزائل كالموتى لا يبصرون )) ، فكبرت عليهم أربع تكبيرات ورجعت من جنازتهم جميعا!.

فهل لأمثالنا إذن من أمل إلا أن نرجو الله من قبلَه ولا نرجوه من قبَلنا كما قال الخليفة المعتصم مستغفرا ومسترحَما وهو فى النزع الأخير .. أى أن نرجوه اعتمادا على كريم عفوه وواسع مغفرته وليس اعتمادا على (( كتابنا )) الذى نتقدم به إليه .. وهل عرفت الآن لماذا يجفل قلبي كلما رددت من آى الذكر الحكيم هاتين الآيتين من سورة الإسراء :" وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا  "

الإسراء : 13 ، 14.

وهل فهمتُ لماذا ارتبكت وجفلت وأنا أصلى وراء صديق متدين في شقة تطل على الحرم النبوي بالمدينة المنورة منذ ثلاث سنوات حين قرأ هذه الآية في صلاته .. حتى كادت تفسد صلاتي ؟

لقد تمثلت فجاة هذا المشهد الرهيب و (( كتابي )) منشور أمامي يوم الهول العظيم ، وقد شرح هذه الآية المرحوم الأستاذ سيد قطب فى (( ظلال القرآن )) فقال : إن (( هذا الكتاب يصور عمل الإنسان مكشوفا لا يملك إخفاءه أو تجاهله أو المغالطة فيه )) .

ثم كفى بنفسك بعد ذلك حسيبا حين ترى (( كتابك )) أمامك منشورا ومكشوفا .. فأي موقف عصيب .. وأي أمل في النجاة .. إن لم تدرك الجميع رحمة من وسعت رحمته كل شئ .. سبحانه ؟

وهل يملك أمثالنا إلا أن يقولوا مع أمير الشعراء في قصيدته الأخرى (( إلى عرفات الله ))

ويا رب هل تغنى عن المرء حجةٌ       وفى العمر ما فيه من الهفوات

أو نقول معه فى بردته :

إذا خفضتُ جناح الذل أسأله           عزَّ الشفاعة لم أسأل سوى أمَم

و (( الأمم )) هو الشئ اليسير .. وهو اليسير حقا عند (( صفوة البارى ورحمته )) عليه الصلاة والسلام .. لكنه جليل وعزيز وغال بالنسبة لنا .

وهل نملك شيئا آخر إلا أن نقول معه :

فالطف لأجل رسول العالمين بنا       ولا تزد قومه خسفٌا ولا نُسم

يا رب أحسنتَ بدءَ المسلمين به        فتمَّم الفضل وامنح حسن مُختتم

آمين يارب العالمين..

 


  نشرت في كتاب قدمت أعذاري

 راجعها وأعدها للنشر/ نيفـين علي



Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات