الأحاسيس القديمة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994
أنا شاب في الثانية والثلاثين من عمري نشأت في أسرة ريفية لوالد مزارع طيب وأم نبع للحنان الغريزي والعطاء بلا حدود لأبنائها وزوجها وكنت أصغر إخوتي الذين لم يستكملوا التعليم وعملوا واستقلوا بحياتهم , فشققت طريق التعليم بتفوق حتى حصلت على الثانوية العامة والتحقت بمعهد فوق المتوسط .
وفي بداية عامي الدراسي الأول تعرفت على زميلة لي فأحسست منذ لقائنا الأول بأن كلا منا قد فهم الآخر وارتاح إليه , ثم تكرر اللقاء بيننا حتى أصبح لقاء يوميا وازداد تفاهمنا .. ولأني لا أجيد الكلام عن المشاعر والعواطف فلست أستطيع أن أقول لك إلا أنني وجدت نفسي غارقا في حبها وراغبا في الارتباط بها إلى الأبد , وفاتحت فتاتي في الأمر فرحبت بي وعبرت لي عن إحساسها بأن كلا منا قد خلق للآخر وفاتحت هي والدتها برغبتي فيها فلم تعترض الأم , ولكن الأب هو الذي اعترض ورفض السماح لي بزيارته وطلب يد ابنته منه وكان مبرره في ذلك أنني مازلت طالبا وأمامي مشوار طويل لكي أستطيع أن أبني حياتي وأوفر لنفسي إمكانيات الزواج .. ولست ألومه كثيرا في ذلك، فلقد كان يتصرف بمنطق الأب الراغب في مصلحة ابنته , لكني ألومه فقط في أنه لم يفتح لي باب الأمل في فتاتي ولو بالكلمة الطيبة حين أستطيع أن أبني حياتي , ورغم ذلك فلم أيأس من أن تجمعني الدنيا بمن أحب.
وفاتحت أبي في خطبتها فلم يعترض وإن كانت ظروفه لا تساعده على أن يقدم لي الكثير وفاتحت أمي وكانت قد لاحظت علي حزني وانشغال بالي في الفترة السابقة , فإذا بها تقول في حنان غريب .. لا تحزن يا ابني فعندي قطعة أرض صغيرة هي كل ما بقى لي وسوف أبيعها من أجلك فتزوج بها زميلتك مادمت تحبها , واطمأن بالي بعض الشئ إلى مساندة أبي وأمي لي وإنتهى العام الدراسي فقررت السفر في إجازة الصيف إلى إحدى الدول العربية لأعمل شهور الإجازة وأجمع أي قدر ممكن من المال وأعود لأستعين به مع حصيلة بيع الأرض على نفقات الزواج .. وسافرت وتحملت ظروف غربتي بصبر متعلقا بالأمل في العودة الظافرة والارتباط بفتاتي التي لم أعرف فتاة قبلها ولا بعدها .. وكتبت إليها من هناك رسالة أبثها فيها حبي وأجدد لها العهد بأن يكون كل منا للآخر , ومضت أيام وأنا أتلهف على وصول ردها ليعينني على احتمال الغربة وظروف العمل الشاق الذي أمارسه فلم يصلني أى رد , فكتبت إليها رسالة ثانية .. ثم رسالة ثالثة ولم أتلق منها ردا ورغم حزني لذلك فإني لم أغضب منها , وإنما قدرت أنها لابد أنه قد تعذر عليها الرد على خطاباتي لظروف لا أعلمها.
وواصلت العمل في الغربة وعشت حياة متقشفة حرمت نفسي فيها من كل متع الحياة لكي أوفر ما يقرب مني يوم ارتباطي بفتاتي .. ثم عدت إلى مصر بعد بداية العام الدراسي بأسابيع لاستكمل عامي الثاني والأخير في المعهد .. وذهبت إليه بعد ساعات من وصولي متلهفا على رؤية فتاتي الحبيبة .. فتلقاني أحد زملائي بالترحيب وبعد العناق وتبادل الأشواق .. راح يرقبني وأنا أتلفت حولي باحثا عنها .. ثم أبلغني مشفقا بأن فتاتي قد خطبت لغيري خلال سفري وأنها تجئ إلى المعهد وفي إصبعها دبلة الخطبة التي ظنها دبلتي في البداية ثم علم بأنها ليست لي .. ووقفت مذهولا ومرتبكا أمامه ونصحني بأن أنساها وألا أحزن عليها ففي الدنيا فتيات كثيرات غيرها .. إلخ .
وشكرته وإنصرفت من المعهد وحزن الدنيا كله يتجمع في قلبي المطعون .. أهكذا يكون الوفاء للحب؟
أهكذا يكون جزائي ممن أحببتها حبا شريفا عفيفا ما مست يدي خلاله يدها وإنما أعلنته للجميع واعتزمت تتويجه بالزواج وسافرت لأجمع بعض تكاليفه.
وأحسست بأني لن أستطيع مواجهة زملائي الذين كانوا يعلمون جميعا بعمق حبي لزميلتي , فسافرت إلى بلدتي وأمضيت بضعة أيام مع أبي وأمي , وتكررت عودتي بعد ذلك طوال شهور الدراسة إلى بيت أسرتي من حين إلى آخر .. ولاحظت أمي الطيبة حزني وشرودي فراحت تسألني كل يوم متي سنذهب لخطبة من تريدها , فأتهرب من الإجابة على سؤالها وكلما لاحظت هزالي واستمرار أحزاني بكت وطلبت مني عنوان أسرة فتاتي لكي تذهب إليها و "تترجاها" في قبول خطبتي لابنتها , فاعتذر لها شاكرا وممتنا وأنا أقول لها أنها أعز وأغلي عندي من أن أعرضها لهذا الموقف مع أحد مهما كانت أحزاني .. وبعد فترة صارحتها بأن فتاتي قد خطبت لمن يكبرها بعشر سنوات لكن معه ما يمكنه من تكوين أسرة ويملك سيارة أقنعت والدها بالاطمئنان لامكانياته , ووعدتها بأن أنساها تماما , وتماسكت أمامها وأنهيت دراستي وانقطعت صلتي بالمعهد وزملاء الدفعة وزميلاتها فلم أعد أسمع من أخبار فتاتي القديمة شيئا . وأديت الخدمة العسكرية , وجاء يوم ذهبت فيه إلى المعهد لأنهي بعض أوراقي فيه فإذا بي أجد نفسي أمامها مع والدها الذي لا يعرفني ورفض مقابلتي قبل أن يراني .. فوقفت أنظر إليها صامتا وقلبي يخفق خفقات مؤلمة ثم افترقنا دون كلمة .
وواصلت حياتي بعد ذلك وبدأت أستعد بعد فترة للسفر للعمل في الخارج وفوجئت بأمي تبلغني برغبتها في أن "تفرح" بي قبل السفر خوفا من ألا تراني مرة ثانية .. وقررت أن أسعدها بأي طريقة .. وارتبطت بفتاة جميلة طيبة كانت جارة لنا وفوجئت بأنها معجبة بي منذ فترة طويلة وتحبني في صمت , وتم عقد القران وسعدت به أمي كثيرا وخطيبتي وسعدت به أنا أيضا ثم سافرت للعمل وعدت بعد فترة واصطحبت زوجتي للاقامة معي .. ووجدتها زوجة غاية في طيبة القلب وتحاول إرضائي بكل طريقة وأنجبنا ثلاثة أطفال واحدا بعد الآخر, وخلال غربتي هذه توفيت أمي الطيبة رحمها الله .. وانتقلت إلى جوار ربها فبكيتها طويلا .. وتذكرت ملامح وجهها الطيب وهي تبدي لي استعدادها لأن تبيع قطعة الأرض الوحيدة التي تملكها لأتزوج ممن أحب .. وبكاءها وهي تطلب مني "العنوان" لكي تذهب و"تترجى" والد فتاتي السابقة ألا يحرمني منها .. ودعوت لها بالرحمة كثيرا ولم أؤد صلاة من يومها وحتى الآن دون أن أترحم عليها كثيرا وأطلب لها منازل الصديقين والصالحين في أكرم جوار ومضى بي شراع الأيام .. وبلغ أكبر أطفالي سن الالتحاق بالمدرسة ورأيت مع زوجتي أن تعود بأطفالنا إلى مصر لالحاق الأبناء بالمدارس على أن أبقى وحيدا وأعود إلى أسرتي كل صيف بسبب ارتفاع السكن العائلي في مقر عملي .
وعادت زوجتي وعشت وحيدا لفتره وصورتها وصورة أطفالي الثلاثة لا تفارقني وخاصة إبني الأكبر شديد التعلق بي , ثم احتجت إلى إجراء تحليل ذات يوم فذهبت إلى مستشفى خاص بالبلدة التى أقيم بها وتقدمت من الموظفة التي تقطع تذاكر الكشف فإذا بي أجد نفسي أمام فتاتي القديمة زميلة المعهد والأحلام الموءودة فوقفت مذهولا أمامها ولم أستطع من هول المفاجأة أن أجيب حتى على تساؤلاتها .. وغادرتها وأنا أحس بأن الأحاسيس القديمة قد تحركت من جديد في أعماقي , وكنت قد امليتها بعض البيانات الضرورية للتحليل ومن بينها عنوان جهة العمل ورقم تليفونه .. فاتصلت بي بعد يومين تسأل عن أحوالي وسألتها عن أحوالها وعلمت منها أنها قد طلقت من زوجها بعد ثماني سنوات من الزواج بسبب عدم الانجاب , ولأنه وهو الأهم كانت هناك خلافات بينها وبين زوجها بسببي إذ كان كلما حدث شئ بينهما عايرها بأنها كانت تحبني وبأن علاقتي بها كانت معروفة لكل زملاء المعهد , ثم تم الطلاق بينهما وانفصلا وبعدها قرأت اعلانا في الصحف لطلب موظفات لهذا المستشفى الخاص فتقدمت إليه وجاءت إلى هذه المدينة.
وحزنت لمصيرها كثيرا .. ولا يمضي يوم منذ ذلك الحين إلا وتتصل بي تليفونيا وتعتمد علي في قضاء حاجاتها ومصالحها , ووجدت نفسي أعيش صراعا مؤلما بين حبي لأولادي وبين هذه الزميلة القديمة التي يخفق قلبي لها كلما رأيتها .. ولقد راودتني فكرة الزواج منها والإقامة معا حيث نعمل الآن لكني أستعيد صورة زوجتي الجميلة الطيبة التي تفعل دائما كل ما أحبه وتتفانى في إرضائي والاستجابة لكل رغباتي وتقرأها في عيني دون أن أنطق بها أو أطلبها , وأتذكر أطفالي الثلاثة وخاصة أكبرهم الذي لا تمر لحظة دون أن تقفز صورته إلى ذهني وهو يحتضنني ويقول لي بحبك يا بابا , فاتراجع عن الفكرة التي راودتني وتزداد حيرتي وآلامي ..
إن اتصالاتي بزوجتي وأولادي مستمرة .. لكن اتصالات فتاتي القديمة بي الآن أكثر وبصمتها القديمة على قلبي مازالت لها آثارها .. فبماذا تنصحني أن أفعل يا سيدي ؟
جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولـــكـــاتـــب هـــذه الــــرســـالــــة أقـــــول:
أنصحك أولا وقبل كل شئ بأن تتحرر تماما من أى إحساس بالذنب أو المسئولية عن تعاسة فتاتك القديمة وفشلها في زواجها .. فلقد حرصت هي على إشعارك بشكل أو بآخر بأنه كان من "أهم" أسباب فشل زواجها الخلافات التي نشبت بينها وبين زوجها "بسببك" أو بسبب "حبها" لك وذيوع قصتها معك بين زملاء المعهد .. وهذا زعم غير صحيح للأسف , فلقد فشل زواجها لعدم الانجاب أولا وقبل كل شئ ثم لسوء اختيارها لشريك حياتها وتنافر طباعهما بعد ذلك غالبا ومع كل ذلك فلو كانا قد رزقا البنين لما تحطم زواجهما بهذه السرعة ولربما لم تلتق بها من جديد وإلى الأبد.
وحتى ولو كانت صادقة في زعمها بأنك كنت "أهم" أسباب فشل زواجها وهو ما أشك في صحته , فما هي مسئوليتك عن ذلك , وأنت الذي لم تغدر بها ولم تتخل عن عهدك معها ولم تضطرها للزواج بآخر يائسة من حبك , وإنما عدت إليها متلهفا ففوجئت بها مرتبطة بغيرك باختيارها وقبولها . ولقد كانت تستطيع أن تتمسك بك للنهاية .. ولو فعلت لما صمدت معارضة أبيها طويلا , فلقد تصرف في الأمر كما قلت أنت بمنطق الأب الراغب في مصلحة ابنته.
ولو كان قد استشعر قوة تمسك ابنته بك وإصرارها عليك وأنها لن تسعد إلا معك لما أراد غير ما أرادت في النهاية لكنها حريصه على اشعارك الآن "بمسئوليتك" عن فشلها في زواجها لأن الاحساس بالمسئولية يرتب على الإنسان العادل التزاما أخلاقيا بتصحيح "الأخطاء" وتعويض التعاسة.
وليس من العدل يا صديقي أن يعوض البعض تعاستهم التي لا ذنب لنا فيها على حساب سعادة الآخرين الذين لم يعترضوا طريقهم للسعادة وليس من العدل أن يدفع من أحبنا وتمسك بنا وتفانى في ارضائنا ثمن أخطاء من فرط فينا وتخلى عنا وتجرعنا بسببه الأحزان والآلام بلا نهاية .
لهذا فلست أرى مبررا لحيرتك ولا للصراع الذي يتأجح داخلك بسبب ظهور فتاتك القديمة في حياتك مرة أخرى فأنت تعترف لزوجتك الجميلة الطيبة بمزاياها العديدة , وحديثك عنها ينبض بالإعزاز لها والعرفان , كما أنك تحب أسرتك الصغيرة وأطفالك الثلاثة ولا تستطيع أن تكون سببا في تمزقها وشقائها لأسباب خارجية لا ذنب لها فيها.
فإذا كانت الأحاسيس القديمة تجاه فتاتك قد تحركت في قلبك فلأنها قد تلقت لفحة جديدة من هواء الذكريات الساخن وهو تحرك مؤقت في النهاية ولن يطول به الزمن حتى يخمد من جديد وتبقى البصمة القديمة في القلب كما هي أثرا يدل على ما جرى ولكنه لا يؤلم ولا يدفع الإنسان لأن يقدم على تغيير حياته وتحمل تبعات التغيير ومخاطره من أجله.
كما أن الأمر لا يخلو بالنسبة لك أيضا من إحساس باطني برد الاعتبار تجاه من خذلتك وتخلت عنك وعند أول مفترق للطرق , وهي حال تستمد وقودها من إستمرار اتصال فتاتك القديمة بك وتكرار رؤيتك لها , ولو تداركت الأمر من الآن وتفاديت الاتصال بها ورؤيتها بقدر الامكان لما تطلب عودة الاحاسيس القديمة إلى حالة الخمود مغالبة طويلة للنفس ولا عناء كبيرا .
فالأشجار الصغيرة يسهل اقتلاعها من الأرض الرطبة , فإذا تركناها حتى تضرب بجذورها في أعماق الأرض الصلبة تعذر علينا اقتلاعها والتخلص منها , وكذلك هوى النفس يمكن مغالبته دائما يا صديقى والانتصار عليه في البدايات المبكرة وقبل أن تلتحم جذوره بالأعماق فيدمر حياتنا .. ويدفع ثمنه أعزاؤنا الذين لم يجرموا في حقنا ولا في حق أحد.
لهذا كله فلابد من تتفادي الاتصال بهذه الفتاة قدر الجهد والاستطاعة .. ولابد من زيادة اتصالاتك بزوجتك وأطفالك كل حين واستحضار صورتهم كل لحظة في مخيلتك .. وحبذا اذا تطورت الأمور أكثر مما تطورت لو استطعت أن تجمع شملك بهم مرة أخرى مهما كانت التضحيات والأعباء , فالمثل الانجليزي يقول أنه "عند العاصفة يفزع المرء إلى أى مرفأ" وأنت تتعرض الآن لعاصفة تهدد استقرار أسرتك وسلامك وقد تسوء عواقبها إذا لم تفزغ إلى مرفئك الطبيعي وهو زوجتك وأطفالك.
ولأنك إنسان عادل فلن تسمح نفسك أبدأ بأن "تكافئ" زوجتك المحبة التي تتفاني في ارضائك وتقرأ رغباتك قبل أن تنطق بها على إخلاصها لك بالتنكر لها وخذلانها ولن تسمح لنفسك أبدا أن تعرض استقرار أطفالك وأمانهم لأية قلاقل واضطرابات من أجل من تخلت عنك عند أول منحنى .. ولم تكن في ظني صادقة الحب .. لكنك كنت أنت من أحببتها بقلب بكر لم تخدشة التجارب .. فلم يلق حبك عندها ما يستحقه من عطاء ووفاء وليس من الانصاف أن تطالبك الآن بأن تصحح أخطاءها هي على حساب استقرارك وأمانك , وسعادة أسرتك الصغيرة .
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" يوليو 1994
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر