أشياء لا تُباع .. رسالة من بريد الجمعة عام 1984

 
أشياء لا تُباع .. رسالة من بريد الجمعة عام 1984

أشياء لا تُباع .. رسالة من بريد الجمعة عام 1984

تذكرت كلمة الملياردير الأمريكي الشهير بول جيتي وأنا اقرأ هذه الرسالة:

" إن المال لا يستطيع شراء الصحة ولا السعادة ولا الحنان ولا سهولة الهضم !" .

وبالرغم من أن من يحاضروننا عادة في عدم جدوى المال هم دائما من أصحاب المليارات الذين أفنوا العمر في جمعه فإن الكلمة صادقة ولاذعة ، ولو آمن بها الكثيرون ومنهم قائلوها لحُلت مشاكل عديدة من مشاكل البشر .

عبد الوهاب مطاوع

بريد الجمعة

 

أما الرسالة فتقول كلماتها :

إسمح لي بأن أبدأ قصتي بدون مقدمات .. وبصراحة فأنا لا اكتبها لك لأني أريد منك حلالها ولكني أكتبها لكي تقرأها قارئاتك من صاحبات المشكلات فربما هونت عليهن مشكلتي مشاكلهن !

فأنا يا سيدي فتاة عمری 35 سنة من أسرة غنية ميسورة الحال عندي كل ما أريد .. وكل ما تشتهيه النفس .. وأستطيع أن اشترى كل ما أرغب فيه إلا شيئا واحدا .. هو السعادة !.

فأنا رغم بلوغ سن الخامسة والثلاثين مازلت آنسة والسبب في ذلك هو أن الرجال يتجاهلون تماما أن الفتاه البدينة لها أيضا قلب وروح وإحساس وإنها أنثی كأي فتاة رشيقة . والمشكلة أنني بدينه جدا ، وليس ذلك بيدي لكنها إرادة الله وقد لجأت إلى أشهر أطباء علاج السمنة وأنفقت الكثير على العلاج فكان وزني ينخفض بسرعة غريبة حتى أصبح كغصن البان ، لكنه لا يلبث أن يعود مرة أخرى وبسرعة مذهلة لحجمی السابق بل وأكثر منه أيضا . وأحمد الله أني لم أصب حتى الآن بمرض من أمراض السمنة ، لكني منذ عامين ظهر في ساقي اليمني ورم گبر حتى أصبح في حجم البطيخة وثبت أنه ورم حميد والحمد لله فاستأصلته وأصبح في إمكاني بعد الجراحة إتباع رجيم خاص للتخسيس ... لكن بلا فائدة لماذا ؟ لأن رأى الأطباء أن الرجيم وحده لا يفيد ، وأنه عقب الزواج سوف تتغير هورمونات جسمي وينخفض وزني ، أما قبل الزواج فلا فائدة من الرجيم ، لكن أين هو الرجل الذي يصدق ذلك ؟ وأين هو الرجل الذي يقبل الزواج من فتاة شديدة البدانة على أمل أن ينخفض وزنها بعد الزواج .

إنك لن تصدق أنه إذا اخطأ شخص وتقدم لخطبتي فإن أهلي هم الذين يضعون العراقيل أمامه بدعوى بأن من يطلب الزواج من فتاة بدينة مثلى لابد أن يكون طامعا في مالي ، وتنتهي القصة بالرفض ، مع أني والله بشهادة الجميع أحمل وجها جميلا وروحا طيبة مرحة ولم أحمل طوال حياتي لأحد سوى الحب ولا أكره أحدا حتى الذين يهينوني بقصد أو بغير قصد فاني لا اكرههم .. وأتلمس هم الأعذار وأقصى ما استطيع أن أقوله في مثل هذه الحالة : الله يسامحهم .

إنني أرى حبي في عيون الناس الذين من حولي والذين أتعامل معهم ، لكني رغم ذلك ينقضی شیء هام واشعر بالحزن على نفسي والبنات الصغيرات قد تزوجن وأنجبن وأنا مازلت كما أنا تصد عني سمنتی راغبي الزواج ، إنني والله أحب هؤلاء الفتيات اللاتي تزوجن قبلي وأحمل الهدايا إليهن في الزفاف وعند الإنجاب وأحمل أطفالهن فوق صدري لكن والدي لا يرحمني فهو يعتبر عدم زواجي مأساة .. وهو يطلق علي أسماء الحيوانات السمينة .. وأتقبل الموضوع بروح عالية وأضحك أمامه لكني ما أن اختلي بنفسي حتى أبكي ، إنني أعيش آلامي ولا احد بجوار سوی زوجة أبي الحنون التي أجد في حنانها وحبها ما يعوضني عن كثير من آلامی فهي إنسانة عطوفة كريمة تضمني إلى صدرها فاشعر أنها أمي الحقيقية ، لقد أكملت دراستي الثانوية ولم ادخل الجامعة لكي لا أتعرض لسخرية الزميلات والزملاء وقد كتبت إليك هذه الرسالة لكي تقرأها كل فتاة فشكر الله سبحانه وتعالى على ما أنعم عليها به من رشاقة وجمال وزواج أو خطوبة وليقرأها كل شاب ليعرف أن السعادة ليست فقط مع الفتاه الرفيعة وإنها قد تكون أيضا مع فتاة سمينة . غفر الله لكل رجل يبتعد عن فتاه لا لشيء إلا لسمنتها .. وغفر الله لمن لا يتصورون أن للفتاة البدنية قلبا ومشاعر وعاطفة !.

 

وهذه هي الرسالة التي تلقيتها والتي انشرها تلبية لرغبة كاتبتها لكي تقرأها - كما تقول هي - كل فتاة فتجد فيها ما قد يخفف عنها آلامها وما قد يدفعها لأن ترضى عن حياتها وعن نفسها .. وليقرأها أيضا كل رجل ليعرف أن السعادة لم تكن في مقاسات حجم الزوجة ، وإنما في صفاء الروح وطيبة القلب وفي الإخلاص والعطاء المتبادل .

لقد أحببت كاتبة هذه الرسالة كثيرا دون أن أراها لصدقها وتلقائيتها وسماحة أخلاقها .. وأحببتها أكثر لطيبة قلبها التي تدفعها لحب الآخرين حتى الذين أساءوا إليها وآلموها بالسخرية ، وأحببت كثيرا كلماتها الصادقة الطيبة عن زوجة أبيها وأعترف بأني لم اقرأ لها مثيلا من قبل فيما يصلني من رسائل .

إن كل هذه اللمحات تؤكد يا صديقتي أنك فتاة محبوبة من الجميع ، إذ يستحيل أن تحمل كل هذا الحب للآخرين بغير أن يبادلوك حبا بحب .. ولا يمكن أن تكون لك هذه النفس الشفافة الصافية بغير أن تجذب القلوب إليك ، لذلك فأنا مندهش من أنك لم تلتق حتى الآن بمن يستحقك ، ولا أصدق أن البدانة وحدها يمكن أن تقف في وجه سعادتك مع جمالك وثرائك وخفة روحك وطيبة قلبك . فإذا صح ظني فلابد أن هناك أسبابا أخرى قد يكون من أهمها شكوك أبيك فيمن يتقدم إليك وإحساسه بأن كل راغب فيك .. هو راغب في مالك .. وهو رغم سلامة دوافعه في ذلك مخطىء إلى حد كبير ، إذ أنه بذلك يحكم هو نفسه عليك بأنك لا تستحقين أن يتقدم إليك خاطب إلا إذا كان راغبا في مالك وهو إحساس ظالم لو تسلط على أب لما زوج ابنته أبدا ، لذلك فإنه مطالب بالتخلي قليلا عن شكوكه .. ومطالب أيضا بقدر أكبر من الواقعية لكي تمضي السفينة إلى الأمام .. وأكاد أقول إنه مطالب بشيء من التضحية وبشيء من الحكمة التي تغلب سعادة ابنته على أية اعتبارات أخرى ..

إذ ماذا يساوي المال بلا سعادة ولا هناء ولا حياة طبيعية ؟ إن الحياة رحله واحدة لا تتكرر ومن السفاهة أن نبددها في معاناة لا مبرر لها إذا كنا قادرين على تجنبها . إنني لو التقيت بأبيك لقلت له على الفور وسيفهم إشارتی یا رجل اختر لابنتك زوجا لائقا قبل أن ينتهي العمر في المعاناة وما أكثر من يتمنون هذه الفرصة وما أكثر الزيجات التي أنبتت الحب من خلال العشرة ولقلت له أيضا .. انس ثروتك قليلا فهي لا تساوي شيئا مقابل سعادة ابنتك كما أنك لن تصطحب هذه الثروة معك إلى العالم الآخر ، فدع ابنتك تتمتع بما أعطاك الله في حياتك وكن راعيها وحاميها وهاديها إلى الاختيار .


نشرت بتاريخ 19 ابريل 1985


  نشرت في جريدة الأهرام باب بريد الجمعة سنة 1984

راجعها وأعدها للنشر/ نيفـين علي

 

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات