الذكريات السعيدة .. رسالة من بريد الجمعة عام 2000
كُلنا في حاجة إلى مشورة الآخرين في
أمورنا.. غير أن هدوء الموج قد يوهمنا في بعض الأحيان أننا في مأمن من العواصف .. فإذا
اضطرب البحر فجأة فزعنا بسفننا إلى المرافئ نلتمس فيها الأمان .. ونستعين بتجارب
الآخرين وخبرتهم على اختيار المسار الآمن لها عند مواصلة الرحلة من جديد .
عبد الوهاب مطاوع
بريد الجمعة
شاءت لي أقداري أن أحتاج إلى مشورتك, وقد كنت
أظن من قبل وبالرغم من مداومتي على قراءة بابك أن المرء العاقل المثقف أقدر دائما
على فهم جوانب مشكلته وحلها الحل المناسب من غيره.. وها قد أثبتت لي الأيام خطأ
ظني.. ووجدتني عاجزا عن اتخاذ قرار بشأن حياتي وأحتاج إلى مشورتك فيه.
فأنا مهندس تجاوزت الثامنة
والأربعين من عمري بشهور.. كنت أعيش مع زوجتي الأستاذة الجامعية.. وابني
الطالب بالسنة الأولى بكلية مرموقة ـ حماه الله ـ وابنتي الطالبة بالسنة الأولى
الثانوية.. أخرج إلى عملي بشركة أجنبية بالمدينة الساحلية التي نقيم فيها في
الصباح, فيأخذ عملي كل وقتي ولا أرجع إلى البيت إلا في المساء, فأسعد بأسرتي
الصغيرة المتحابة ونجلس للعشاء نتبادل الأحاديث العذبة عما حدث لي ولأفراد الأسرة
خلال يومنا.. وأدع شئون البيت والأسرة كلها لزوجتي تديرها بحكمتها كيفما تشاء من
مأكل وملبس ونزهات ودروس للأبناء.. وتستشيرني فيما يعرض لها من أمور فأوافق
غالبا على رؤيتها.. وأقوم بالإنفاق.. وتتولى هي التنفيذ.. وهي قوية الشخصية
وعنيدة في طلباتها ولا تلين بسهولة إذا اقتنعت برأي..
أما في المساء فهي زوجتي
وحبيبتي وسكني وراحتي.. ومضت بنا الأيام بحلوها ومرها وأدينا فريضة الحج معا قبل
سبعة أعوام.. ورحل أبي عن الحياة وقد كان لي نعم السند والمشير ـ يرحمه الله ـ
فحزنت لفراقه كثيرا.. وحججت عنه في العام التالي.. ورجعت من الحج وأنا أكثر حبا وتعلقا
بزوجتي فصارحتها بأن فترة بعدي عنها قد أكدت لي عمق تعلقي بها وعدم قدرتي علي
فراقها ورجوتها مازحا ألا تستغل في هذا الضعف تجاهها.. وتوالت الأيام رخية هانئة..
وحقق ابني وهو قرة عيني وعين والدته أملنا في التفوق في الثانوية العامة..
والالتحاق بنفس الكلية العملية المرموقة التي تخرجت فيها أمه.. وتبعته أخته على
طريق التفوق وهي شديدة التعلق بأمها إلى حد أن كانت لا تنام في كثير من الأحيان
إلا بجوارها.. وحتى كنت أمازحها قائلا لها إنها تحرمني بذلك من زوجتي وحبيبتي.
والدنيا جميلة.. وزوجتي
في قمة صحتها وتألقها وجمالها تنتظر في شوق الترقية إلى وظيفة أستاذ بكليتها..
والأيام قد لانت لي فتحسنت أحوالي المادية والعملية.. ونحن نقيم في شقة جميلة
بعمارة يملكها أبي يرحمه الله.. وقد طلب مني قبل رحيله عن الدنيا وعدا مني له
بألا يدخل عمارته غريب عنا.. حيث لا يقيم فيها إلا الإخوة ولكل منهم إلى جانب شقته
شقة إضافية لأبنائه في المستقبل.
ومنذ ثلاثة أشهر كانت زوجتي
تضحك وتتحدث عن المستقبل والمكان الذي سنقضي فيه إجازة الصيف المقبلة.. وعن
زميلة لها مصابة بالمرض اللعين وتستعد للسفر إلى لندن للعلاج وإجراء الفحوص..
وفجأة وجدتها تجلس على المقعد وهي لا تستطيع التنفس.. وتقول لي إن قلبها يتوقف..
ثم تنطق بالشهادتين.. وتغيب عن الوجود الغياب الأبدي.. وكل ذلك في 5 دقائق
فقط وأنا لا أصدق ما يجري أمامي.. ولا أملك لها نفعا.. ولا أستطيع أن أدفع
عنها هذا الزائر الغامض الذي قوض سعادتي وسعادة أسرتي واختطف زوجتي أمام عيني..
وزلزل الحدث كياني كله
وشعرت بيأس شديد من كل شيء, وأدركت أن الحياة ما هي إلا لهو ولعب وزينة ثم لا
شيء بعد ذلك.. وتماسكت ظاهريا أمام الناس وأبنائي.. ورحت أدعو لزوجتي الراحلة
في صلاتي وأناجي ربي بالدمع أن يرضيها ويرضى عنها ويدخلها جنته
ويجمعني بها في مستقر رحمته بإذن الله مصداقا لقوله تعالي: هم وأزواجهم في ظلال
على الأرائك متكئون.
والآن فإنني أواجه الحيرة
فيما أصنع بنفسي وحياتي بعد غياب زوجتي عني.. فابني كبير بما فيه الكفاية
ويستطيع أن يكمل مشواره بإرشاد بسيط من جانبي.. أما ابنتي فلاتزال تحتاج إلى
الرعاية وأحاول الآن بكل جهدي أن أملأ فراغ أمها في حياتها.. والأسئلة الحائرة
التي تتردد داخلي الآن هي: هل أعيش لابنتي وابني حتى التخرج وزواج كل منهما وسوف
يستغرق ذلك عشر سنوات تقريبا.. فيكون عمري حينئذ 58 عاما.. فأعيش من بعدهما
وحيدا أجتر ذكريات السعادة القديمة؟ أم هل أبحث عن زوجة لي تكمل معي مشوار الحياة
فتكون زوجة أب لولدي وبنتي وما أدراك ما زوجة الأب خاصة بعد أن تنجب؟
أم هل أتزوج مطلقة لا تنجب
مني فنتقاسم معا بقية العمر وتكون أما ثانية لأبنائي وأكون أبا آخر لأبنائها وإذا
فعلت ذلك فهل يكون الزواج في شقتي الحالية التي شهدت رحلة العمر مع زوجتي الراحلة..
أم في شقة خارجية.. لتكون زوجة الأب بعيدة عن أبنائي؟ إنني لا أعرف أي طريق
أسلكه ولا أين أجد الزوجة الملائمة لي خاصة أن عملي بعيد عن الاختلاط بالناس,
مما يجعل الاختيار والمفاضلة أمرين شبه مستحيلين؟
أرجو النصح والإفادة..
وشكرا.
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
كلنا في حاجة إلى مشورة
الآخرين في أمورنا يا صديقي.. غير أن هدوء الموج قد يوهمنا في بعض الأحيان أننا
في مأمن من العواصف.. فإذا اضطرب البحر فجأة فزعنا بسفننا إلى المرافيء نلتمس
فيها الأمان.. ونستعين بتجارب الآخرين وخبرتهم علي اختيار المسار الآمن لها عند
مواصلة الرحلة من جديد.
ولاشك في أنك تقف الآن في
مفترق للطرق يتطلب منك الحكمة والرشاد في اختيار المسار الجديد لسفينة حياتك
وحياة أبنائك خلال المرحلة المقبلة من العمر, غير أن آثار العاصفة التي زلزلت
أركانها لم تزل قريبة في الأفق.. ولم يمض بعد الوقت اللازم لاستيعاب ما جرى..
وترميم ما أتلفته العاصفة في نفوس ركاب الرحلة.. قبل التهيؤ لاستئنافها من جديد.
واتخاذ قرار متعجل الآن بشأن حياتك سوف يكون متأثرا غالبا بحالة الفراغ العاطفي
والإنساني الكبير الذي تعانيه حاليا بسبب الغياب المفاجيء لشريكة العمر, وقد
يقودك التعجل فيه إلى مهاوي سوء الاختيار لنفسك أو لأبنائك.. لهذا فإن نصيحتي
المخلصة لك هي أن تمنح نفسك أولا الوقت الكافي لاسترداد سكينة النفس والقلب وصفاء
التفكير بعد الصدمة المزلزلة التي اعترضت حياتك, ثم تبدأ بعد فترة النقاهة
النفسية الضرورية التفكير في مستقبل أيامك.. ذلك أنك سوف تحتاج أول ما تحتاج الي
إشراك ابنيك معك في الاختيار لحياتك المقبلة.. لكي يكون قرارك بشأنها مقبولا
منهما ويتمتع بتأييدهما له..
ومفاتحتك لابنيك الآن وبعد
ثلاثة أشهر فقط من رحيل أمهما عن الحياة في أمر مستقبل حياتك بعدها.. قد يصدم
مشاعرهما ويتعارض لديهما مع الاحترام الواجب لذكرى الأم الغالية.. أما حين تمضي
الفترة الكافية.. ويلمس الابنان معاناتك لوحدتك.. واحتياجك الإنساني لمن تعيد
اليك الإحساس بالأمان والثقة في المستقبل.. ويلمسان كذلك أثر افتقاد دور ربة
الأسرة في حياتهما الشخصية.. فلسوف يكونان مهيأين نفسيا وإنسانيا لبحث الأمر
والتداول معك فيه.. ولقد يترفقان بك ويحثانك علي التماس السلوي والعزاء عن وحدتك
في رفقة جديدة للحياة.. وفارق كبير بين أن يجيء الاقتراح من جانبهما رفقا
بأبيهما وحبا له, وبين أن يضعهما الأب في مثل هذا الحرج الإنساني بعد ثلاثة أشهر
فقط من مغيب شمس أمهما عن الحياة..
وحين يجيء الأوان للاختيار
فقد يكون من الحكمة أن تدع القرار بشأن شكل الحياة الزوجية المقبلة لك لابنيك
بالتشاور معك.. فتعرف منهما هل يقبلان بأن تحل سيدة أخري محل
أمهما في حياتك وحياتهما ويرجع شكل الأسرة الكامل إليهما.. أم يفضلان لك
ولنفسيهما أن تكون لك حياة زوجية مستقلة عنهما وفي مسكن آخر بعيد عن موطن ذكريات
الأم الراحلة؟
ولقد تكون البداية التي يفضلانها
الآن هي الحياة الزوجية المستقلة لك في مسكن آخر مادمت قادرا على
ذلك, ولقد يكون العكس.. أو قد تكون البداية مستقلة ثم لا تلبث شخصية الزوجة
المقبلة إذا كانت رحيمة وحكيمة أن تجتذبهما إليها حتى ليفضلا أن تشاركهما الحياة
وتعوضهما عن دور الأم الغائب في حياتهما.. وفي كل الأحوال فإن حسن الاختيار كفيل
بتفادي كل الأشواك والهواجس التي تراودك الآن بشأن زوجة الأب المقبلة, وكم من
زوجات للأب كن نعم التعويض النفسي للأبناء الذين حرموا من أمهاتهم.. وكم من
غيرهن أيضا قد ضاعفن من شعور الأبناء بفداحة خسارتهم لأمهم.. غير أن الفضليات
كثيرات وخير الزيجات في مثل ظروفك الحالية هي ما قدمت الحل الملائم لمشكلة الطرفين
معا.. وليس لمشكلة طرف علي حساب طرف آخر.. وفي ذلك فلقد تكون المطلقة أو
الأرملة القريبة منك في العمر والظروف العائلية والاجتماعية هي أفضل الاختيارات المرشحة
للنجاح والاستمرار.. والقبول من الأبناء.
إما الانتظار لعشر سنوات حتى
يتخرج الأبنان ويتزوجا.. فليس من الحكمة في شيء لأنك لن تطيقه.. وأنت الذي
يؤرقك الآن بحث مستقبل حياتك بعد ثلاثة أشهر من رحيله الزوجة الغالية.
والأوفق هو أن تصبر علي
ظروفك بعض الوقت ثم تختار لحياتك ما يعيد اليها السعادة والأمان بإذن الله.
نشرت في جريدة الأهرام باب بريد الجمعة سنة 2000
راجعها وأعدها للنشر/ نيفـين علي
برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر