زواج على ورقة طـلاق .. رسالة من بريد الجمعة عام 1986

 

زواج على ورقة طـلاق .. رسالة من بريد الجمعة عام 1986

زواج على ورقة طـلاق .. رسالة من بريد الجمعة عام 1986

               

أواظب منذ فترة طويلة على قراءة المشاكل التي تعرض في بريد الجمعة على أمل أن أجد مشكلة شبيهة بمشكلتي فأستفيد بالرد عليها، فلم أجد مشكلة قريبة منها حتى الآن .. لذلك اكتب إليك واطلب رأيك فيما أواجهه..

وفى البداية أقول لك إنني طالبة بكلية مرموقة على وشك التخرج، والدي ووالدتي أستاذان جامعيان محترمان في مجالهما وفى وسطهما العائلي وأسرتي محترمة ويشغل عدد أفرادها مراكز كبيرة.

ومنذ 5 سنوات تزوجت شقيقتي الكبرى والوحيدة وهى طبيبة من طبيب وزميل لها كانت تجمعها به قصة حب عميقة، وسعدنا بهذا الزواج الناجح من كل الوجوه .. وعاشت شقيقتي سعادتها مع زوجها لحظة بلحظة وأنجب الزوجان طفلة جميلة اكتملت بها سعادتهما، ومنذ ميلاد هذه الطفلة ارتبطت بها بمشاعر خاصة فكنت كثيرا ما أزورهما لكي أراها وأداعبها .. وفى بعض الأحيان كنت أزورهما مرتين في اليوم لكي أرى الطفلة وامضي معها لحظات سعيدة ، وكثيرا ما خرجت مع شقيقتي وزوجها والطفلة في رحلات نهاية الأسبوع إلى أماكن عديدة، وخلال ذلك حصلت على الثانوية العامة بتفوق وكنت من العشر الأوائل على مستوى الجمهورية والتحقت بكلية مرموقة وواصلت تفوقي فيها بامتياز وتقدم لخطبتي معيد بنفس الكلية من أسرة طيبة وصديق لأسرتي فرحبت به بعد أن كنت قد رفضت غيره، والحق أنه بهرني بشخصيته ووسامته وأناقته وتهافت الطالبات عليه وقد فرحت به لأنه اختارني وأحببته حبا عظيما بادلني به حبا أعظم منه وحددنا موعدا لإعلان الخطبة .. وبدأت استعد لها وأعد الفستان الذي سأرتديه فيها.. وأعد بطاقات الدعوة التي سنوجهها .. وأتشاور مع خطيبي في عدد الزميلات والزملاء الذين سندعوهم .. وبينما نحن طائران على أجنحة السعادة .. وقع لشقيقتي الطبيبة حادث مؤلم وهى تقود سيارتها عائدة من عملها فتوفيت على الفور قبل أيام من خطبتي .. ورانت سحابة ثقيلة من الحزن على حياتنا .. ثم تأجل إعلان الخطبة بالطبع واستغرقنا الحزن على هذه الشقيقة الوديعة الشابة وعلى طفلتها الصغيرة الجميلة التي راحت ببراءة عمر السنوات الثلاث تسأل الجميع عن "ماما" وتتعجب لتأخرها كل هذا الوقت في العمل!

ومضت الأيام ثقيلة حزينة .. والطفلة تعيش معنا لأن أباها لا يستطيع رعايتها .. ثم فوجئت بأبي وأمي يتشاوران ويتهامسان وسط الأحزان ثم يبلغانني بما كنت أجهله .. وهو أن زوج شقيقتي قد استأذن أبى في أن يتزوج لأنه لا يستطيع أن يمضي حياته وحيدا، وكيف أنهما قد بحثا الأمر طويلا ووجدا أني الإنسانة الوحيدة التي تصلح زوجة له لأن الطفلة لا تأنس لأحد ـ فى الدنيا بعد وفاة أمها ـ غيري ولأنه من غير المعقول أن تعيش الطفلة اليتيمة مع زوجة أب لا أحد يضمن حسن معاملتها لها .. ولأنه لن يكون لها أم أكثر حنانا عليها بعد أمها مني ..الخ.

وفوجئت بهذا الأمر، ولم استطع أن أقاومه، خشية أن يتهمني الجميع بالأنانية والجحود، فذهبت إلى أسرة خطيبي وقابلته مع أفراد أسرته وصارحته بالأمر فجن جنونه وانفعل وتوجه إلى أسرتي منفعلا فأصروا على موقفهم وانقطع حبل الرجاء.

وتزوجت يا سيدي زوج شقيقتي الراحلة وانتقلت إلى بيتها .. لكني من أول لحظة بعد الزواج صارحته بأني تزوجته من اجل هذه الطفلة وأنى لا أتصور نفسي في مكان شقيقتي منه وان علينا أن نحيا "كإخوة" ونؤدي دورنا في الحياة وهو رعاية الطفلة وحمايتها من مؤثرات الحياة مع زوجة أب قد لا تكون رحيمة بها، وعلى عكس ما توقعت فوجئت به يقبل ذلك .. فعشنا غرباء تحت سقف واحد أعيش مع ابنتي في غرفة واحدة .. وقد سعدت بوجودي مع أبيها في بيت واحد وبدأت تنسى أمها وتكف عن السؤال عنها ومضت بنا الحياة فكنت استيقظ في الصباح مبكرة فأساعد ابنتي على ارتداء ملابسها ثم نجلس نحن الثلاثة على مائدة الإفطار ويخرج كل منا إلى طريقه هو مع ابنته في سيارته ليتركها في دار الحضانة ثم يتوجه إلى عمله، وأنا بسيارتي إلى كليتي وبعد الدراسة أعود إلى بيتي فأجده قد أعاد ابنتي في طريق عودته من المستشفى فنجتمع على مائدة الغذاء وأرعى شئونه وشئون ابنتي بكل إخلاص ثم يخرج هو إلى عيادته واستسلم أنا إلى مذاكرتي حتى ساعة متأخرة من الليل لاحتفظ بتفوقي ولك أن تتصور مدى الحرج الذي كنت أعانيه كلما التقيت بخطيبي السابق بالكلية إذا التقينا .. أو تلاقت عيوننا رغم أن كلا منا يتجنب الحديث مع الأخر .. ولك أيضا يا سيدي أن تتصور التساؤلات ونظرات الإشفاق التي كنت أراها فى عيون زميلاتي وزملائي الذين علموا جميعا بملابسات قصة زواجي لأنه لا شىء يخفى على احد.

واستمرت حياتنا هكذا لمدة حوالي عام .. ثم بدأ زوجي يضيق بما نحن فيه ويطالبني بأن نحيا الحياة الطبيعية فتمسكت بموقفي فهددني بأنه سوف يتزوج إذا لم أغير موقفي منه لأنه لا يريد الانحراف .. فوافقته على فكرة الزواج على أن يترك لنا الطفلة ويعطيني حريتي إلى أن تبلغ السن القانونية فيستردها .. فنظر إلي طويلا ثم قال: ما كان من الأول ! ثم ذهب إلى أسرتي وصارحها بحقيقة حياتنا التي كتمها عن الجميع لمدة سنة وكتمتها أنا بدوري، فأيده الجميع في موقفه وطالبوني بالعدول عن موقفي ولم يقف إلى جانبي أحد حتى أعمامي وأخوالي وزوجاتهم طالبوني جميعا بأن أحافظ على حياتي الزوجية وان أطيع زوجي.

لكنى لم استطع يا سيدي .. وطلبت منه الطلاق فرفض وقد بدأ يحس بأني لا أريده لكي أتزوج من خطيبي السابق .. وتعكر صفو حياتنا وبدأت أحس بالخوف منه .

 

ثم لم استطع أن أتحمل حياتي معه على هذا النحو بعد أن فقدت هدوءها السابق فتركت بيت الزوجية وعدت إلى بيت أسرتي والطفلة معي، لكنه لا يكف عن الحضور إلينا كل يوم مطالبا بزوجته وابنته وأنا ارفض والجميع يلحون علي بذلك .. حتى ذهبت إليه في عيادته بعد أن ضقت ذرعا بكل ذلك وحاولت أن أتفاهم معه بهدوء على أن يطلقني ويترك لنا الطفلة ويتزوج هو بمن يشاء ويعيش حياته كما يريد .. لكنه متمسك بى بطريقة "استفزازية" .. لماذا لا أعلم ! وموقف أسرتي مازال كما هو .. والكلام المعاد حفظته عن ظهر قلب .. فماذا افعل؟ هل أسافر إلى مكان لا يعلمه أحد؟ إنني على وشك التخرج فهل حرام على شابة مثلى أن تعيش حياتها وأن تتمتع بشبابها قبل أن يذبل .. لقد ضحيت بأشياء كثيرة فكانت النتيجة هي ما أعيش فيه الآن من نكد وعذاب فقل لي ماذا افعل .. وكيف أتصرف في هذه المشكلة وأعدك بأن أنفذ ما تنصحني به بالحرف الواحد ودون تراجع فهل تفعل يا سيدي؟

 

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

 

نعم افعل يا سيدتي والله المستعان على ما تصفون! فأقول لك في البداية إنني لست مقتنعا بضرورة هذه التضحية التي أقدمت عليها .. ومازلت أعجب من تفكير أبويك الأستاذين الجامعيين اللذين أرغماك عليها بغير حساب لمشاعرك العاطفية تجاه خطيبك السابق .. ولا لحقك في أن تحي الحياة التي تختارينها لنفسك .. لسبب بسيط هو أن رعاية الطفلة البريئة كانت ممكنة جدا في بيت أسرتك إلى أن تبلغ من أمرها رشدا يهيئها لتقبل حقائق الحياة المريرة.

ولا يعني ذلك أن التضحية في حد ذاتها خطأ .. لكني أعني أنها تصبح خطأ حين يرغم الإنسان عليها أو حين يقدم عليها وهو غير مستعد لتقبلها ولا مهيأ لتحمل تبعاتها .. وأنت فيما أتصور لم تكوني مستعدة عاطفيا لقبولها .. لذلك فقد أخطأت في حق نفسك حين قبلت هذا الزوج وأخطأت في حق زوجك الذي لا ذنب له ولا جريرة فى هذه الأقدار التي حرمته من زوجته وحكمت على طفلته الوحيدة باليتم، حين قبلت الزواج منه وأنت تضمرين في قرارة نفسك ألا تستمر التجربة معه إلى نهايتها..

وأخطأت بل أجرمت فى حقه حين لم تصارحيه "بنوع" الحياة التي تنوين أن تعيشيها معه وذلك قبل الزواج وليس بعده فإما أن يقبل وهو أمر مستبعد .. وإما أن يرفض وهو الأقرب للمنطق ! فتتوقف التجربة قبل البداية وبلا خسائر عاطفية وإنسانية بالنسبة له ولك على السواء.

لقد كان زوجك حكيما حين قبل مضطرا في ضوء الظروف المأساوية المحيطة بالقصة كلها، أن يحيا معك حياة الغربة الداخلية كما طلبت وكان صبورا أيضا حين صبر على استمرارها حوالي السنة .. على أمل أن تخلق الحياة المشتركة الروابط لطبيعية التي تذيب الجليد بينكما، لكن لكل شىء حدوده يا سيدتي ولا يصح في النهاية إلا الصحيح فإما زواج يحقق الغرض الكامل من "تضحيتك" وإما لا زواج ولا تضحية ولا تمسح بها من البداية.

ومن عجب أن رسالتك لم تشر من بعيد أو قريب إلى أية "مثالب" أو أخطاء شخصية يمكن أن يحاسب عليها زوجك وتكون مبررا لاستحالة الحياة معه .. فهو شاب مقبول من كل الجوانب وأخلاقه طيبة بدليل حكمته وصبره .. ورفضه للانحراف .. وهو أمر يسير بالنسبة له ـ فما هو خطأه إذن ؟ هل هو تمسكه "الاستفزازي" بك كما تقولين؟ إذا كان الأمر كذلك فلعله أمر يحسب له لا عليه.. ولعله أمر جدير بأن تغبطك عليها أخريات .. لا أن تضيقي به.

يبقى إذن احتمال واحد هو الأقرب إلى المنطق .. وهو انك لم  تقدري مشاعرك تجاه خطيبك السابق التقدير السليم حين أقدمت على هذا الزواج .. وان حلمك القديم معه مازال حيا فى مخيلتك .. وهو حلم لا مكان فيه "لابنتك" التى قلت انك قبلت التضحية من أجلها .. وفى ذلك فلقد جنيت على زوجك كما جنيت على نفسك بالإقدام على هذه التجربة.

ومن الإنصاف أن يذكرك المرء بأنه ليس كل ما يتمنى المرء يدركه .. و بأن الرياح قد تأتى أحيانا بما لا تشتهى السفن .. وبأننا قد نتصور أحيانا سعادتنا فى تغيير حياتنا بلا تدبر فنضحي بما فى أيدينا طلبا للسعادة .. ثم تصدمنا الأيام بما لم نتوقعه .. ونرتجيه ؟

فإذا سألتني عن رأيي .. فأني قد أنصحك بألا تتسرعي مرة أخرى في هدم الزواج كما تسرعت من قبل فى بنائه وأنصحك بمعاودة التفكير فى الأمر كله بعين جديدة تتعامل مع زوجك كإنسان له حقوق كما أن لك حقوقا .. وله مشاعر وأحاسيس كما أن لك مشاعر وأحاسيس ويمكن أن تنبهر به أخريات .. فلعلك لو تعاملت معه كإنسان وليس كزوج لشقيقتك الراحلة لرأيت فيه ما لم تريه من قبل .. ولاكتشفته من جديد ووجدت فيه ما يجذبك إليه ويحبب إليك الحياة معه.

فإن انتهت فترة مراجعة النفس .. إلى غير هذه النتيجة فلا مفر من أن يبدأ كل إنسان حياته بعيدا عن الآخر ولا مفر من أن تقدما على الخطوة التي كان يمكن تجنبها لو غلبت أنت وأسرتك من البداية العقل على العاطفة وتعاملت مع المشكلة بواقعية تامة..

فإذا ساءك بعض ما قلته لك .. فاني لم افعل أكثر من أن وضعتك أمام نفسك بلا مداراة .. ولا مواربة ولأن تعرفي نفسك جيدا وتتصرفي على أساس من ذلك خير من الاستمرار في خداع النفس الذي لا يثمر إلا الأخطاء والتجارب الفاشلة .. فإن أغضبك ما قلت فلا لوم علىَّ فقديما قال أرسطو وهو يدحض بعض آراء معلمه: أفلاطون صديقي وأستاذي لكن الحق أولى بصداقتي من أفلاطون .. وما أحوجنا إلى أن نتذكر ذلك دائما في حياتنا العامة والخاصة على السواء.!!

 

* زواج على ورقة طلاق اسم مسرحية للكاتب المسرحي الأستاذ ألفريد فرج وقد استعرته لهذه القصة لملائمته الشديدة لها .

 


  نشرت في جريدة الأهرام باب بريد الجمعة سنة 1986

راجعها واعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات