أحزان الخريف .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

أحزان الخريف .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

أحزان الخريف .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994 

أتابع مشكلات قرائك وهمومك، وأقرأ ردودك التي تضع الأمور في نصابها السليم وأحتفظ بها في ملف لدي، والآن جاء دوري لأن أحتاج لمشورتك في مشكلة قد لا ترقى إلى مستوى المآسي التي تعرضها في بريدك لكنها بالنسبة لمن كان في مثل سني لا تخلو من قسوة . فأنا رجل كنت مديرًا عامًا بإحدى الهيئات وعندما بلغت الخامسة والخمسين قدمت استقالتي وخرجت إلى المعاش المبكر بإرادتي وباختياري حتى لا أخرج إليه مكتئبًا وأنا في سن الستين، وباشرت عملي في مهنتي الحرة بهدوء ورفق وليس بإرهاق .

 

وقد تزوجت في شبابي المبكر وسارت بي وبزوجتي سفينة الأيام ونحن متعاونان ندير دفة حياتنا بحب وتضحية لكي يصل أبناؤنا إلى بر الأمان .

 

وكانت زوجتي – والحمد لله - فاضلة متدينة تعرف واجباتها كربة بيت وزوجة وأم، وقد رزقنا الله بابن وبنتين أحسنّا تربيتهم وأكملوا دراساتهم وعملوا وتزوجوا، والآن أنظر إلى حياتي الحالية فماذا أرى يا سيدي ؟ لقد تخرج الابن الوحيد طبيبًا وتزوج ممن أحبها ولم ينجب حتى الآن بعد سنوات من زواجه وقد تراضى مع أقداره وقبلها ويقول عن ذلك :"إذا كان السبب يرجع لزوجتي فما ذنبها في ذلك ولو كان الأمر بيدها لأنجبت لي عشرة أطفال .. وكيف أعترض على إرادة الله الذي لم يشأ أن يكون لي أطفال .. ثم ماذا فعل كثير من الأبناء لآبائهم وأمهاتهم وأنا واحد منهم ؟ .. إذ ماذا قدمت لأبي الذي أفنى حياته لأصل إلى وضعي الحالي، سوى بعض المجاملات في المناسبات المتباعدة كما أني أعيش بعيدًا عنه في الدولة التي أعمل بها منذ سنوات "؟.

 

وقد وافقته على وجهة نظره في ذلك بعد أن كنت في البداية أنظر إلى المسألة نظرة أخرى .. كأي أب يتمنى أن يرى أحفادًا له من ابنه الوحيد .. ثم اقتنعت والحمد لله مع ابني بأن الرضا بإرادة اله أفضل كثيرًا من هدم أسرة صغيرة لحساب أمل لا يعلم إلا الله إذا كان سيتحقق أم لا .. وهل سيسعد به من يحققه أو لن يسعد .

 

أما ابنتي الكبرى فقد تخرجت في كلية التربية وتزوجت وأنجبت وعملت فترة ثم استقالت وتفرغت لتربية أطفالها .. واستقرت مع زوجها في نفس البلد العربي الذي يعمل به شقيقها، وقد توقفت منذ فترة عن إرسال أية خطابات لي حتى التهنئة في المناسبات المختلفة لانشغالها بمسئوليات الأبناء وبزوجها الذي لا يقدم لها أية مساعدة في ذلك لانشغاله بمهام كثيرة ..

 

أما الابنة الصغرى فقد تخرجت أيضًا وتزوجت ورفضت الإنجاب باختيارها وبالاتفاق مع زوجها مع أنهما من الناحية الصحية على ما يرام وهي تقيم مع زوجها في نفس البلد الذي يقيم فيه شقيقها الأكبر وشقيقتها .

 

وهكذا اجتمع الأبناء الثلاثة في بلد عربي واحد ومكان واحد بعيدًا عني، وعن أمهم منذ سنوات عديدة، وقد زارتهم أمهم عدة مرات، فلاحظت منذ سنوات قليلة بوادر تغيير كبير في شخصية زوجتي وفي معاملتها لي خاصة بعد عودتها من كل زيارة .. وفسرت ذلك في حينه بأنه من أثر حبها الزائد لأبنائها وافتقادهم، وقدرت أنها فترة مؤقتة وتنقضي كما انقضت فترات مماثلة، لكن الأمور تصاعدت منذ فترة حتى فوجئت بها تطالبني بصراحة بأن تقيم مع أولادها في ذلك البلد العربي إقامة دائمة .. وتخيرني بين ذلك وبين الطلاق !

 

وصُدمت بما ناقشتني به وتناقشت معها في ذلك طويلاً، وذكرت ها من أسباب رفضي لأن أهاجر معها إلى هذا البلد أنه لا عمل لي فيه، وأنني في حالة صحية جيدة بل ممتازة والحمد لله ولهذا لا أقبل أن أترك لابني وزوجته، أو لابنيّ وزوجيهما أن يقوموا بإعالتنا هناك، فضلاً عن أن وضعي في بلدي مريح وأحمد الله عليه، فلماذا أتركه وأترك  بلدي لأعيش مع زوجتي عالة على أبنائها وزوجاتهم أو أزواجهم؟ ولم تقتنع بكل ذلك، وتكررت المناقشات وبدأت تنتابها الثورة والعصبية وحالات الإغماء وارتفاع ضغط الدم والبكاء والاكتئاب، فضلاً عن إرهاق ميزانيتي بفاتورة ثقيلة للمكالمات التليفونية الطويلة مع أبنائها وأحفادها يومًا بعد يوم .

 

وخوفًا على صحتها من الانهيار تركت لها حرية السفر لهم في أي وقت والإقامة معهم لفترة مؤقتة حتى ترتوي .. أو " تشبع منهم " على حد قولها .

 

وسافرت زوجتي واطمأنت على أولادها وسعدت بالقرب منهم وارتوت من محبتهم .. وانتظرت أنا أن تعود لتخفف عني وحدتي الموحشة في خريف العمر .. فإذا بها لا ترجع !

 

خاطبتها تليفونيًا ورجوتها العودة .. بلا فائدة .. خاطبت أولادي وكتبت إليهم وطلبت منهم أن يقنعوها بالرجوع ولكن بلا نتيجة .. خاطبها الأهل والأقارب ولم تستجب لوساطة أحد أو لنصحه ..

 

وتألمت لسلبية أولادي من هذا الأمر فعاتبتهم عتابًا مريرًا في ذلك فكانت حجتهم : أنت أبونا .. وهي أمنا .. فماذا نفعل بينكما .. هل نضعها في صندوق ونرسلها إليك ؟!

 

وحين أحست زوجتي بشدة الضغوط عليها لكي ترجع طلبت الطلاق لتقطع الصلة بيننا ولا يعود لي الحق في مطالبتها بالعودة . ورفضت الطلاق بالطبع بعد عشرة السنين الطويلة التي تقترب من الأربعين، ونحن في خريف العمر، وحين يئست من موافقتي عليه قالت لي :"إذًا تزوج إذا كنت تريد من تؤنس وحدتك وتخدمك" .

 

وأيّدها الأولاد في ذلك فيما بعد، وقالوا لي إنهم بذلوا معها ما يستطيعون ولكن بلين ورفق حتى لا تظن أنهم لا يريدونها معهم وإن كل المحاولات قد فشلت ولهذا قهم ينصحونني أيضًا بالزواج وقال لي أحدهم : يا أبي هذا حقك ونحن موافقون وراضون بأن تتزوج مادامت أمنا لن تعود إلى مصر مرة أخرى !

 

لكن زوجتي لم تكتفِ برفض العودة فقط وإنما منعت أيضًا أولادي من قضاء إجازاتهم في مصر كما كانوا يفعلون حتى لا تضطر للعودة معهم، وتتكرر المناقشات والانفعالات التي تؤثر على صحتها، وقد لاحظت بأسى  أن زوج ابنتي الكبرى الذي تقيم لديه زوجتي - مع أنني أحبه ونتبادل الاحترام منذ عرفناه - قد التزم الصمت عن "الإفتاء" في حكم الدين في تصرف زوجتي مع أنه مريض بداء الإفتاء في كل شيء ولو كان تافهًا ويسند كل فتاويه إلى "قال الرسول" - صلى الله عليه وسلم - و" قال الصحابة " وبالرغم من أن عمله كمحاسب بعيد عن مجال الفتوى، لكنه لم يتحفنا هذه المرة بأية " فتوى " عن حكم الزوجة التي تترك زوجًا وحيدًا مثلي للمعاناة والوحشة والسأم وتهرب من إبداء الرأي في ذلك، ربما لأن مصلحته في بقائها هناك لخدمة الابنة الكبرى الضعيفة المدللة وخدمة الأحفاد الأعزاء، بدلاً من تشغيل أجنبية من الفلبين أو سيريلانكا !.

 

أما عن نفسي فلا تسلني كيف مضت بي الأيام طوال السنوات الثلاث العجاف التي مضت على سفر زوجتي إلى أبنائها بلا عودة حتى الآن فلقد خيمت الكآبة والوحشة على حياتي، وتوقفت عن عملي لشعوري بالاختناق لغدر أقرب الناس إليّ بي، وأمضيت السنوات الثلاث الأخيرة أتنقل بين سكني في القاهرة وسكني بالإسكندرية وأسافر لقضاء بضعة أيام في الزقازيق أو في بورسعيد لأملأ فراغ حياتي بالجلوس في القطارات المزدحمة وسيارات الأجرة التي تسير بين المزارع والصحراء لأرقب الناس والأشياء بعد أن وجدت نفسي - وأنا الذي اعتاد الحياة الأسرية قرابة أربعين عامًا - في وحدة مميتة بلا زوجة ولا أولاد ولا أحفاد ولا رعاية من أحد !.

 

فبماذا تشير عليّ يا سيدي ؟ وبماذا تنصحني أن أفعل بعد كل ما فعلت ؟

 

 

ولكاتب هذه الرسالة أقول :

 

يخيّل إليّ أن ما قالته بطلة إحدى قصص الأديب جي دي موباسان من أنه يبدو أن السعادة في الأرض لا تواتينا غالبًا إلا في الأحلام، صحيح إلى حد كبير في بعض الأحيان، وقصتك مثال لذلك، فحين تنتهي مسئوليات الإنسان في الحياة ويتهيأ لأن يعيش إلى جوار شريكة الحياة حياة هادئة آمنة فيفاجأ بأنه قد كتبت عليه الوحدة والسأم والفراغ برغم وجود رفيق عمره على قيد الحياة أمر قاسٍ حقًا ومخيب للآمال .

 

وهو أيضًا جائزة غير عادلة للأب الذي أخلص في عطائه لأبنائه .. فإذا كانت الظروف قد اقتضت أن تستقر حياة الأبناء بعيدًا عنه .. فلقد كان الأمل والعزاء في شريكة العمر .. أما أن تتحالف الشريكة هي أيضًا مع ظروف الحياة عليه، وتهجره لتعيش مع أبنائها في الغربة فهذا بلاء مضاعف يزيد من وطأة إحساسك بالوحدة والألم .

 

والكارثة يا سيدي هي أن ما يسعد الآخرين يشقينا وما يسعدنا قد يشقيهم في بعض الأحيان، كما هو الحال في قصتك، فزوجتك قد وجدت سعادتها في الاستقرار إلى جوار أبنائها الثلاثة .. وهذه " السعادة " نفسها هي مصدر شقائك الآن، وسبب وحدتك ومعاناتك، لهذا فمن الإنصاف دائمًا أن نضع سعادة الآخرين في اعتبارنا ونحن نطلب سعادتنا وألا ننسى حقوق الآخرين علينا ونحن نطلب حقوقنا ونلح عليها .

 

ولو أنصفت زوجتك لما اختارت الهجرة الأبدية والبعد النهائي عنك لكي تحظى بالعيش مع أبنائها .. ولحرصت على العدل معك بغير أن تتنازل عن رغبتها في الحياة إلى جوار أبنائها .

 

ولم يكن تحقيق ذلك صعبًا ولا مستحيلاً لو شاءت، إذ كان يكفي تمامًا أن تسافر إلى أبنائها في أجازة طويلة لثلاثة أو أربعة شهور مثلاً كل عام لترتوي منهم ثم تعود لتصاحبك فيما بقي من رحلة الأيام، ولو أنها فعلت ذلك لاستمتعت أكثر بصحبة الأبناء ولتجددت حياتها كل حين بترقب موعد السفر، والاستعداد له وبانفعالات السعادة عند اجتماع الشمل بعد الغياب، ولكانت الأجازة السنوية تجديدًا مفيدًا للحياة يبعث فيها الحماس والحيوية والأمل لك ولها وللأبناء أيضًا .

 

ولست في الحقيقة أعرف دوافعها الحقيقية لهذا الاختيار غير العادل .. لكي أحكم على تصرفها حكمًا موضوعيًا .. لكني أعرف من ناحية أحرى أن الزوجة المنصفة لا تختار أبدًا صحبة أبنائها بديلاً لصحبة زوجها الذي تزداد حاجته النفسية لها كلما تقدم به العمر وكبر الأبناء، وانشغلوا بحياتهم عنه . كما أنها أيضًا لا تتخلى عنه وتدعه للوحدة والسأم ومعاناة  الإحساس بالنبذ، وفقد الاعتبار لدى شريكة عمره ، لمجرد الاستجابة لنداء حبها الزائد على الحد لأبنائها ، فمعظم الأمهات يحملن لأبنائهن مثل هذه العاطفة لكنهن لا يهجرن أزواجهن ليلحقن بهم .

 

والمشكلة أن بعض الزوجات قد يختزن مرارات رحلة العمر كلها مع شريك الحياة في صمت حتى إذا تهيأت لهن الظروف المواتية بعد انتهاء المسئوليات العائلية، زهدن فجأة في صحبة شريك العمر، واحتمين بأبنائهن، وتحجرت مشاعرهن تجاه أزواجهن كأنما لم تعد تربط بينهن وبينهم صلة .. أما أزواجهن فإنهم يشترون هبة العمر الطويل للأسف بثمن بالغ الفداحة هو الوحدة .. والنبذ .. ومرارة الإحساس بالغدر .

 

وهذه قصة أخرى  لا أريد أن أزيد من آلامك بها ..

 

لكني تعجبت حقًا "للحل المثالي" الذي تقدمه لك بديلاً عن عودتها إليك وهو أن تتزوج لكي تجد من تؤنس وحدتك وتخدمك .. نعم إنه أحد الحلول الممكنة لمشكلتك حقًا، لكنه ليس بالسهولة ولا باليسر الذي تتصوره زوجتك وأبناؤك . ولست أقصد بذلك صعوبة إيجاد شريكة حياة جديدة ملائمة في مثل سنك لأن هناك بكل تأكيد من تتماثل ظروفها مع ظروفك، وترحب بك، لكني أقصد صعوبة الإقدام على تغيير الحياة .. والتوافق نفسيًا من جديد مع إنسانة أخرى، تحتاج لأن تتواءم مع طباعها وأفكارها وأسلوب حياتها بعد ذا العمر الطويل من الحياة العائلية والروابط المشتركة مع إنسانة بعينها، فالزوجة ليست مجرد سيدة تشارك زوجها السكن وتلبي احتياجاته الإنسانية وترعى شئون بيته .. وإنما هي صحبة نفسية واجتماعية واعتيادية وتراكمات شعورية تختلط فيها الخيوط وتتشابك حتى ليصعب فيها على الإنسان الطبيعي أن ينسلخ منها بسهولة ليبدأ من جديد مع إنسانة لم يعرفها ولم تجمع بينه وبينها أية روابط من قبل .

 

وبالرغم من ذلك .. فإن الإنسان مطالب على أية حال بأن يتحمل أقداره بشجاعة ولأن يقول لنفسه دائمًا مع الموسيقار بيتهوفن : لأغالبن الظروف القاسية دون أن أحني لها هامتي .

 

.. ومادام الأمر كذلك فلا بأس بأن تنفذ "الحل" الذي تقترحه عليك زوجتك الآبقة حتى ولو لم يكن الحل المثالي، ولا العادل في مثل ظروفك إذ إن الوحدة الموحشة أشدّ خطرًا على النفس من تبعات المخاطرة والتغيير في خريف العمر .

 

ففكر جديًا في أن تملأ فراغ حياتك الذي تشغله الآن بركوب القطارات وسيارات الأجرة، بشريكة جديدة للحياة تشغلك حتى ولو بمشكلات عدم توافق الطباع واختلاف الرؤى بينكما، عن اجترار مرارة الوحدة والإحساس بالغدر والجحود .. فهو إحساس قاتل للإنسان وهو في عنفوان شبابه وقوته، فما بالك به بعد رحلة السنين .. والكفاح لتربية الأبناء .. وتحقيق أهداف الحياة ؟

 

وتخفف من بعض معاناتك بإعفاء نفسك من الإحساس بالمرارة تجاه سلبية أبنائك في هذا الأمر .. فهم لا يملكون إرغام أمهم على العودة إليك، بل ولا يملكون - مهما كانت تحبهم - أن يمنعوها من العودة إليك ولو كانت قد أرادتها .. وأصعب الأشياء هو ما يتعلق بإرادة الغير وليس بإرادتنا وحدنا .. والأمر كله معلق بإرادتها وحدها . لهذا فلا مسئولية على أبنائك فيه ولا على أحد حتى على زوج ابنتك .. وشكرًا .

 

نشرت في مايو عام 1994 في باب بريد الجمعة بجريدة الأهرام 
نقلها من أرشيف جريدة الأهرم وراجعها / نيفين علي

 

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات