خط البداية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995
أكتب إليك هذه الرسالة داعية الله سبحانه وتعالى أن يهيئ لي حل هذه المشكلة على يديك .. فأنا أم لسيدة شابة قضينا حياتنا كلها منذ زواجي وحتى تخرج الأبناء في الجامعة في احدى الدول العربية , وحياتنا بفضل الله ميسورة من الناحية المادية , كما أننا وزوجي وأولادي جميعا نعرف الله حق معرفته ونؤدي فروض ديننا كاملة ونساعد الآخرين قدر استطاعتنا , أما المشكلة التي تؤرقني فهي أن ابنتنا الشابة المتزوجة قد أجهضت عدة مرات وفي شهور متقدمة من الحمل مما أصابها بحالة شديدة من اليأس في الانجاب والإكتئاب إلى جانب ما أصابها من سوء حالتها الصحية بسبب النزيف الذي يتكرر مع كل اجهاض .. ولم نقصر نحن في علاجها .. بل وذهبنا بها إلى أكثر الدول تقدما في الطب لعلاجها ورغم التحاليل التي أثبتت أنه ليس لديها أية موانع للإنجاب , فإنها تفقد جنينها بعد أن يتحرك في احشائها في كل مرة تحمل فيها رغم التزامها الكامل بتعليمات الأطباء ودون أن تبذل أي مجهود يبرر هذا الإجهاض مما سلمها لحالة مؤلمة من الاكتئاب والاحباط .
وحين أرى ابنتي تذوي أمامي ووجهها أصفر من كثرة النزف ولا تنام إلا بالمهدئات فإني أشعر بأن سكينا قد انغرزت في قلبي ولا أستطيع نزعها .
إننا مؤمنون بقضاء الله وقدره وصابرون والحمد لله , لكن زوجي أصيب بحالة من الاكتئاب وهو يرى ابنته على هذه الحالة المؤلمة ويضيق صدري حين أرى نفسي رغم ما أنعم به علينا الله من مال أقف عاجزة عن مساعدتها واخراجها من اكتئابها وتزداد مخاوفنا عليها ونحن نرى ابنتنا تعاني في كل اجهاض أكثر مما عانت في المرات السابقة وتتعرض لخطر أكبر عن ذي قبل .
وقد رأيت بعد تفكير طويل أن طفلا وليدا يتيما قد يكون هو العلاج لأسرتنا الحزينة .. وقد سمعت أن هناك أطفالا يتامى من أهل البوسنة قد فقدوا آباءهم وأمهاتهم لكننا لا نعرف كيف نصل إليهم .. فهل تتكرم بأن ترشدنا إلى كيفية تبني طفل رضيع من أيتام البوسنة , أو طفل رضيع من أهل بلدنا , على أن يكون رضيعا لكي يعوض ابنتي عن "الأطفال" الأربعة الذين فقدتهم قبل أن يأتوا إلى الحياة , ولكي يشب بيننا كأنه واحد منا ؟ إننا نعرف جيدا أن الإسلام قد حرم التبني الكامل ونحن حريصون على ألا نفعل شيئا يتعارض مع أحكام الشريعة وسوف نحتفظ للطفل الرضيع بإسمه ونحسن إليه ليكون ربيبا لابنتي فهل تستطيع معاونتنا في ذلك ؟
جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولكــــاتـبــــة هــــذه الــرســـــالـة أقـــول:
أقسى من الحرمان أن تراوغنا أمانينا السعيدة في الحياة .. وتغرينا بالسعي وراءها .. فنحث الخطى إليها في لهفة ونتحمل أقصى العناء في سبيلها .. فإذا أوشكنا على اقتناصها تبددت فجأة في الهواء من بين أيدينا ووجدنا أنفسنا قد رجعنا خائبين إلى خط البداية من جديد .. نعزف عن تكرار المحاولة بعد أن أعيانا المسير فلا تدعنا آمالنا الملحة للراحة طويلا وإنما تغرينا من جديد بتكرار رحلة العناء والآلام .. ولا راحة في النهاية للقلب الحزين ببلوغ أمله .. ولا راحة له باليأس منه .
إنه عذاب أليم شبيه بعذاب الخاطئ الذي غضبت عليه الآلهة في الأسطورة الاغريقية فحكمت عليه بأن يقف مقيد اليدين طوال عمره في بركة من الماء العذب يرتفع إلى وسطه.. وكلما اشتد عليه الظمأ وانحنى ليشرب منه غاض الماء في الأرض قبل أن يصل إليه بفمه وكلما انتصب يائسا من إرواء عطشه تفجر الماء من أرض البركة من جديد وغمره حتى بلغ وسطه !
وهكذا الإنسان في عذابه مع بعض أحلامه وأمانيه المستحيلة في كثير من الأحيان !
لكنها قصة أخرى على أية حال .. أما عن أيتام البوسنة فإن ما أعرفه هو أن سياسة حكومة البوسنة الآن هي ألا تشجع على خروجهم من بلادهم لكيلا يفقدوا هويتهم ولكي يحتفظ شعب البوسنة المكافح بأبنائه الذين ستحتاج إليهم قضيته بكل تأكيد في الأجيال التالية ولهذا فإن حكومة البوسنة كما أكد لي القائم بأعمال سفارتها في القاهرة السيد افاديا حسن مؤخرا لا تسمح بذلك الآن .. بل وتعمل على استعادة من خرجوا من بلادهم في ظروف الحرب العصيبة في البداية وما تقرئينه في الصحف الآن عن كفالة يتيم من أيتام البوسنة لا يعني تبنيه وضمه إلى أسرة الكفيل وإنما يعني التكفل ماديا برعاية أحد هؤلاء الأيتام وهو في دار الرعاية التي يقيم بها في بلاده عن طريق الجمعية المختصة هناك بذلك.
وأما الحصول على طفل رضيع يتيم في مصر فهو أمر ليس مستحيلا .. والسبيل الأمثل لذلك هو زيارة دور رعاية الأيتام التابعة لوزارة الشئون الاجتماعية للتأكد أولا من وجود طفل ملائم بها .. ثم التقدم بطلب رعايته للسيد مدير عام إدارة الأسرة والطفولة بوزارة الشئون الاجتماعية بالمحافظة التي تتبعها دار الأيتام .
وبالنسبة للقاهرة فإن هذه الادارة تقع بمبنى مجمع التحرير بالدور الرابع وترأسها السيدة فاطمة يوسف وتتطلب الاجراءات أن يتقدم الراغب في رعاية طفل لهذه الادارة بطلب يفيد ذلك مرفقا به ما يثبت عدم الانجاب ومرور أكثر من خمس سنوات على الزواج , إلى جانب شهادة بمفردات مرتب الزوج أو الزوجين معا أو ما يثبت وجود مصدر دخل كاف لرعاية الطفل , مع صورة من عقد الايجار أو التمليك لمسكن لا يقل عدد حجراته عن حجرتين كحد أدنى .. وتنظر لجنة خاصة بهذه الادارة طلب الرعاية وتوفد اخصائية لمعاينة المسكن الذي سيقيم فيه الطفل والتأكد من ملائمة ظروف الأسرة التي ستتكفل به وبعد ذلك تتخذ قرارها ويتم اختيار الطفل وتسليمه للأسرة الراغبة .. ولا تنقطع بعد ذلك صلة الادارة بهذا الطفل وإنما تستمر على شكل زيارات متباعدة للتأكد من سلامته وتوافر الظروف الملائمة له .. غير أن هناك سبيلا آخر لذلك وهو أن يكتب لي أحد قراء بريد الجمعة كما حدث من قبل بعلمه بوجود طفل رضيع يتيم ويحتاج إلى الرعاية في مكان ما .. أو في كفالة أسرة غير محرومة من الانجاب وتم تسليمه إليها مؤقتا بقرار من النيابة للظروف الانسانية المعروفة .. فاكتب إليك بعنوانها وتتقدمين بعد التفاهم مع هذه الأسرة بطلب إلى النيابة لنقل كفالة هذا الرضيع إلى أسرتك وهو أمر ممكن ويتوقف على اطمئنان النيابة لتوافر الظروف العائلية والاجتماعية الملائمة في الأسرة التي تطلب رعايته , وقد اتاحت لي الظروف من قبل مساعدة أسرتين أو ثلاث أسر في رعاية أطفال يتامى بنفس هذه الطريقة .. ولعلي لم أنشر رسالتك إلا لهذا الغرض بالذات وهو أن أتيح الفرصة لمن يرغب في المساعدة في حل مشكلة ابنتك للاتصال بي في هذا الشأن .. وشكرا له مقدما إذا فعل.
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" فبراير 1995
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر