الدائرة الضيقة ..رسالة من بريد الجمعة عام 1994
قد لا يكون في قصتي شئ مثير أو فريد لكنها رغم أنها صورة من صورة الحياة، فإني أرى أن أعرضها عليك لأستشيرك فيها .. فأنا شاب في الحادية والثلاثين من عمري نشأت في أسرة صغيرة يظللها الحب والسلام والقيم الأخلاقية , بين أخ وأخت يصغرانني .. وكنا جميعا من الأوائل درسيا وحصلنا على شهاداتنا الجامعية متفوقين ونواصل الآن نحن الثلاثة معا دراستنا العليا .. أما أبي وأمي فقد تشكل وعيهما في زمان كان للمثل العليا فيه شأن كبير فعلمانا حب بلادنا والاستقامة الخلقية في الحياة وشرف الكفاح فيها .. ومازال في قدم أبي أثر من جرح قديم لرصاصة أصابته وهو يؤدي واجبه كمجند في العدوان الثلاثي عام 56 , وهو مدير حاليا باحدى الهيئات الحكومية ومن كبار "مرضى الشرف" الذين أشارت إليهم كاتبة رسالة "الأسئلة" منذ أسابيع , أما أمي فهى مديرة بالتعليم الابتدائي وتعتبر التعليم رسالتها في الحياة .. وقد طالبناها حين كبرنا وعملنا بأن تستريح بعد انتهاء رسالتها معنا , وبعد كفاح السنين .. فرفضت متسائلة : نعم علمتكم حتى تخرجتم لكن ماذا عن أبناء الآخرين ؟ ومازالت تعمل وتمارس هوايتها القديمة في الرسم .. وتجمعها بأبي علاقة جميلة من الحب والاحترام المتبادل .. وقد ربيانا تربية ليبرالية تعتمد على الحوار والمناقشة والاقناع .. فسمحت لنا هذه التربية في بعض الأوقات بأن نتردد على بعض حلقات المتطرفين بلا اعتراض من جانبهم سوى الارشاد والتحذير .. وأن نتردد في فترات أخرى على حفلات الديسكو لنرى هذا العالم الآخر بلا اعتراض أيضا سوى الارشاد والتحذير , فكانت النتيجة أننا لم ننتم إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء واتبعنا خطهما المستقيم المعتدل في الحياة .
وقد تخرجت متفوقا في الحادية والعشرين وعملت بنفس كليتي والتحقت بكلية أخرى لدراسة الدبلوم في تخصص آخر , فتعرفت بزميلة في مثل سني أو تكبرني بشهور تدرس نفس الدبلوم وأعجبت بها واقتربت منها وتبادلنا المشاعر وفاتحت أبي وأمي برغبتي في الاربتاط بها .. فلم يعترضا طريقي رغم بعض تحفظاتهما على سيطرة أمها على أبيها وعلى أسرتها .. وتقدمت لخطبتها وعمري 22 عاما ولاحظت من زياراتي الأولى صدق ملاحظة أبي على شخصية الأم المسيطرة , وأحسست أيضا بالتجربة أن علاقة فتاتي بأمها ليست طبيعية وإنما يشوبها توتر مكتوم تحت السطح , حتى خيل إلي في بعض الأوقات أن فتاتي تشعر بأن أمها لا تحبها بنفس القدر الذي تحب به أختها الكبرى المتزوجة , ولهذا كانت حريصة على ألا تظهر أمام أمها أي ضعف فيها , وحزنت حزنا غير مفهوم حين أخطأت مرة وشكوت لأمها من بعض تصرفاتها العابرة كما يحدث أحيانا في فترة الخطبة .. فكأنني بذلك قد غدرت بها وكشفت عيبا فيها أمام "عدو" غريب وأعتذرت عن هذا الخطأ غير المقصود .. وعرفت أن أسرتها لن تساهم بشئ في تكاليف الزواج فتحملت المسئولية كلها وحدي وبمرتبي من عملي الأساسي .. وبدخل آخر من عمل اضافي عملت به بعد الظهر .. وتزوجنا بعد عامين من الخطبة وعمري 24 سنة , وأنجبنا طفلة بعد عام واحد .. وكان دخلي في هذه الفترة يتراوح بين 250 و300 جنيه , وكان مرتب زوجتي 200 , لكن هذا الدخل لم يكن كافيا لأن يحقق لزوجتي الشابة رغبتها في الحياة المريحة وزاد من عناء حياتنا أنني بدأت حياتي الزوجية مثقلا بأقساط ديون الزواج .. وتضافرت ظروف عديدة لاشعار زوجتي بأنها لم تحقق لنفسها الحياة الكريمة التي ترى أنها تستحقها كشقيقتها وصديقاتها لا من الناحية المادية ولا من الناحية النفسية .. بعد أن تبين لها اختلاف مفهومي عن العلاقة الزوجية الذي اكتسبته من الحياة بين أسرتي عن مفهومها المتأثر بشكل العلاقة الزوجية في أسرتها والتي تقوم على سيطرة الزوجة على زوجها وكل شئون الأسرة .. أما الصعوبات المادية فقد حوسبت عنها وعن عجزي عن توفير الحياة المماثلة لحياة شقيقتها وصديقاتها بلا رحمة بغير مراعاة أن أزواج شقيقتها وصديقاتها يكبرونني بخمسة عشر عاما, وزاد من سوء الظروف أيضا أن والدتها كانت تقارنني دائما بزوج شقيقتها التاجر فتجئ نتيجة المقارنة في غير صالحي على الدوام .. فهو تاجر ميسور وأكبر مني سنا .. ولا يعجزه إذا تشهت والدة زوجته السمك أن يحضر لها وللأسرة وجبة سمك ساخنة تتكلف مائتي جنيه .. أما أنا فكيف أستطيع أن أجاريه في ذلك ولكل إنسان رزقه وإمكانياته وأنا موظف شاب عمري 24 عاما ؟.
ولست أتحدث هنا عن احساسي المؤلم بالمقارنة ولا بأن والدة زوجتي كانت تريد لابنتها الصغرى زوجا كزوج شقيقتها فمن حق كل أم أن تحلم لابنتها بأفضل حياة تتصورها لها , لكني أتكلم عن "كائن" عزيز صغير نسيه البعض خلال هذه المقارنات والأحلام وهو ابنتي الوليدة الرضيعة التي لا ذنب لها في قلة رزق أبيها .. فلقد كنت حريصا على استمرار الحياة مع زوجتي حتى لا تضيع ابنتي الصغيرة وسط الزحام .. وفوجئت بزوجتي بعد أقل من عامين من زواجنا تهجر شقتنا البعيدة عن المدينة وعن عملها وعملي والذي لم تسمح امكانياتي بتوفير غيرها .. وترجع إلى بيت أمها وتطلب الطلاق .. ودهشت دهشة بالغة .. الطلاق ؟ .. لماذا ؟ ألم يختر كل منا الآخر بملء إرادته قبل عامين فقط ؟.. وماذا عن هذه الطفلة الصغيرة .. ألم يفكر فيها أحد ؟.. رفضت الطلاق متألما واحتضنت طفلتي الصغيرة التي تركتها لي أمها وعدت إلى بيت أبي وأمي الذي لم أشهد فيه نزاعا ذات يوم بين الأبوين على قلة الدخل ولم أشهد فيه إلا الحب الشريف والتعاون على الحياة بينهما .. وقاومت الطلاق عاما كاملا .. وأدارت أمها النزاع معي بشخصيتها المسيطرة بشراسة غريبة لتثبت لابنتها أنها تحبها فعلا وليست كما تتوهم ! .. لجأت فيه زوجتي للأسف إلى المحكمة ولم أهتز لدعوى المحكمة بقدر ما آلمني فجور الخصام والنزاع .. ولم تؤثر الدعوى في قراري .. ولم أستجب لرغبتها في الطلاق إلا حين طلقتها "داخليا" أولا ولم يعد لها في قلبي ولا في مشاعري أي رصيد .. ولم يبق إلا أن أعلن هذا القرار الداخلي الصامت وتم الطلاق وأخذت زوجتي ابنتها معها .. وأخذت أيضا الأثاث الذي اشتريته وكتبته باسمها .. ورجعت إلى بيت أسرتي مطلقا شابا عمره 25عاما , أحب وتزوج واكتشف أنه أقل رزقا مما ينبغي لزوج يرغب في السعادة فرفع الراية البيضاء واعترف بالفشل !
إنني أقرأ في بابك المفيد هذا رسائل عديدة لمطلقات شابات يصفن فيها مشاعر الألم والمرارة التي أحسسن بها بعد الطلاق ويعتقدن أن هذه المشاعر مقصورة على السيدات اللاتي يغدر بهن الأزواج وحدهن .. وأريد أن أضيف إلى خبرتهن بالحياة شيئا جديدا هو أن الرجال الذين يستجيبون لرغبة زوجاتهم في الطلاق بعد مقاومة يشاركهن هذا الاحساس المرير أيضا .. فالفشل مؤلم للجميع يا سيدي وليس للسيدات وحدهن خاصة إذا كان له ضحايا من الأطفال الأبرياء .. لكن هذا حديث آخر سأؤجلة إلى نهاية رسالتي وأعود إلى قصتي فأقول لك أنني واصلت دراستي العليا وحصلت على الدبلوم وسجلت للماجستير وقطعت فيه شوطا كبيرا .. ورزقني الله بعمل اضافي آخر فأصبحت أعمل في 3 أعمال في وقت واحد .. شغلت بها .. ومن عجب أن أحوالي المادية قد تحسنت بعد الطلاق بشكل ملحوظ .. فكأنما أراد الله سبحانه وتعالى أن يعوضني عما عانيت وخسرت في الطلاق أما زوجتي فلقد زوجتها أمها بحمد الله بعد الطلاق بعامين من تاجر نصف متعلم يكبرها بـ 15 عاما طلق زوجته الأولى التي لا تنجب وتزوجها لكي ينجب منها وتم التعارف بينهما عن طريق زوج شقيقتها الكبرى واستراحت الأم أخيرا بعد أن أنضم إلى أسرتها شخص آخر قادر على احضار أكلة سمك ب 200 جنيه أو أكثر .. بدلا من ذلك الشاب الخائب الذي كان لا يحمل لها سوى صينية حلوى شرقية بعشرة جنيهات عند الزيارة .
ولم أعترض على استمرار حضانة زوجتي لطفلتنا بعد زواجها لأنها تحتاج إلى أمها في هذه السن الصغيرة أكثر من أبيها , وواظبت على رؤيتها ورعايتها واحضارها لقضاء إجازة آخر الأسبوع معي ومع أبي وأمي بإنتظام ونشأت بيني وبينها علاقة عميقة جعلتني أزداد تعلقا بها يوما بعد يوم .. إلى أن فوجئت بها بعد عام ونصف عام من زواج أمها تبدي رغبتها في البقاء معي على الدوام فاسترددتها بلا معارضة من أمها .
ومنذ ذلك الحين وابنتي الطفلة التي بلغت الآن سن مدرسة الحضانة تعيش معي وأعيش معها وأتمسك بها , واعتبرها نعمة السماء الكبرى في حياتي , وقد لاحظت أن كلمة الأم في مخيلتها تنصرف إلى أمي التي تحنو عليها وترعاها وتعلمها أما أمها فهي ماما فلانة كأي سيدة أخرى من سيدات الأسرتين.
وبعد ثلاثة أعوام من تجربة الطلاق المريرة بدأت أفكر في تكرار التجربة مستفيدا من أخطاء التجربة السابقة التي تحطمت في تقديري بسبب اختلاف الخلفية الاجتماعية والأسرية لكل من الطرفين رغم أننا من طبقة واحدة .. وتحريت هذه المرة ألا أقترب من فتاة بهدف الزواج إلا إذا تحريت كل خلفياتها الاجتماعية والعائلية بدقة حتى الجذور , لكي أتفادى تكرار الخطأ .. ووجدت ضالتي في طالبة تدرس بكليتي بالسنة النهائية وراقبتها في صمت لفترة كافية حتى تأكدت من أنها ضالتي التي أبحث عنها فكلفت زميلا لي بجس نبضها تجاه التقدم لخطبتها فأجابته بأنها ستبلغ أسرتها بعرضي .. وبعد أيام أبلغته أن أسرتها ترى تأجيل بحث الموضوع كله لما بعد الامتحان , واعتبرت ذلك ردا مبشرا .. وبعد ظهور نتيجة الامتحان ونجاحها زرت والدها في بيته وفاتحته في الأمر فاعتذر لي بأدب عن عدم قبول عرضي وشفع رفضه بقوله أنه استشار عشرة أشخاص في هذا الأمر فأجمعوا جميعا على أن ابنتي ستصبح مشكلة كبرى في حياة ابنته في المستقبل , وهو لا يريد لابنته أن تبدأ حياتها بمشكلة , وشكرت الأب على حسن لقائه وانصرفت وحاولت بعد ذلك أن أجرب حظي في جبهات أخرى مختلفة فإذا بي اكتشف أن "اللقب البغيض" الذي تشكو لك منه قارئات مطلقات ويعتبرنه لعنة تطاردهن في نظر المجتمع وهو لقب المطلقة , إنما يشمل أيضا الشبان المطلقين حتى من لم يكن لهم ذنب في طلاقهم وقاوموه طويلا مثلي .. وقد أحزنني أن كل عروض الزواج التي عرضت علي كانت كلها في دائرة التنازلات التي لا أقبلها وأنني أسمع حتى من بعض الأصدقاء , هذا الحديث المؤلم عن أن من كان في مثل ظروفي عليه أن يقبل ما لا يقبله الشاب الذي لم يتزوج بعد .. وبالتالي فعلي أن أتزوج مطلقة ذات أولاد ولديها شقة , أو فتاة فاتها قطار الزواج منذ زمن طويل لأن أسهمها في سوق الزواج منخفضة أو ما شابه ذلك من العروض .. وأنا مستعد لأن أقبل بأسرة أقل مني اقتصاديا ومستعد أيضا لو ألتقيت بمطلقة ذات أبناء أن أتزوجها لكن لأنها أعجبتني لشخصها وأخلاقها وليس لأني مطلق معيب ولدي طفلة ولا يجوز أن أتطلع إلى غيرها .. كما أنني لست مستعدا للتخلي عن طفلتي إذا تزوجت مهما كانت الظروف .. فهل تراني أبالغ في هذه الشروط .. وهل توافق على رأي من يحصرونني في دائرة التنازلات ويذكرونني دائما بظروفي الخاصة كما لو أنني كنت قد اخترتها لنفسي .. إنني أريدك أن ترفع عني وعن المطلقين الشبان من أمثالي هذه النظرة المؤلمة لنا في نظر الأسر والفتيات والمجتمع والتي لا تختلف عن نظرته الظالمة أيضا للمطلقات على عكس ما يتصورون .. فهل أنا محق في ذلك ؟
جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولكــاتـــب هـــذه الـرســـالـــة أقــــول:
من المؤلم حقا أن يشعر الإنسان أنه موصوم "بوصمة" لم يخترها لنفسه , وعليه أن يدفع ثمنها غاليا من احساسه بجدارته بالسعادة التي يتطلع إليها ويرى نفسه أهلا لها.
والفشل في الزواج في حقيقة الأمر ليس وصمة على جبيبن أحد ولا عارا عليه , خاصة إذا كان لا يعتبر نفسه قد سارع بالتسليم به دون أية مغالبة لظروفه ولا مقاومة له حتى الرمق الأخير مثلك .. لكن المشكلة هي أننا مهما سلمنا بذلك يا صديقي , فإنه لا ينفي حقيقة أخرى لا مفر من الاقرار بها وهي أن كل تجربة زواج يخوضها الإنسان خلال رحلة حياته فإنها إلى جانب ما تضيفه إليه من خبرة ثمينة بالحياة .. فإنها تنقص من ناحية أخرى من مؤهلاته لتكرار التجربة في سوق الزواج , شاء ذلك أم أبى , ولا يعني ذلك أي مساس بشخصه أو بكرامته وجدارته بالسعادة والأمان لكنها أحكام الحياة التي لا حيلة لنا فيها والتي نسلم بها عادة إذا انطبقت على غيرنا .. ونستاء منها غالبا إذا تطابقت مع ظروفنا .. فالشاب الذي لم يسبق له الزواج أحظى بالقبول لدى الأسر من الشاب الذي سبق له الزواج والطلاق حتى ولو لم يكن قد أنجب , ومنطق الأسر في ذلك أن من له سابقة اجتراء على الطلاق قد تشي باستسهاله لهذا الأمر البغيض الذي تستهوله الأسر الكريمة وتتفاداه بكل السبل .. كما قد تشي خطأ أو صوابا بعيوب في شخصه ربما تقلل من فرص نجاح زيجته الثانية .. أو تزيد من صعوبة معاشرته .. وكلما قصرت فترة الزواج الأول أوحت للغير بعدم الصبر وقلة المجاهدة لتفادي الطلاق مما يزهد الأسر في الارتباط بصاحبه كما يتفادى المريض الطبيب الذي يبدأ العلاج باقتراح الجراحة الباترة ويفضل عليه الطبيب الذي لا يلجأ إليها إلا بعد استنفاد كل وسائل العلاج الأخرى .. ومن لم ينجب في زيجته الأولى أحظى بالقبول لدى الأسر ممن أنجب , ومن تزوج مرة أحظى لديها ممن تزوج مرتين وفشل لنفس الأسباب وهكذا .. وكل مصيب فيما يراه لنفسه مادام لا يحتكر الصواب لنفسه ويعتبر ما يراه هو الحق الذي لا يأتيه الباطل من جوانبه , فمن لا تطلب لنفسها إلا من لم يسبق له الزواج محقة في رغبتها وفقا لرؤيتها للحياة وخبرتها بها , ومن ترى فيمن سبق له الزواج وفشل فيه .. زوجا واعدا بالنجاح والاستمرار والحرص على تجنب تكرار الفشل في حياته مرة أخرى محقة أيضا في وجهة نظرها وفقا لرؤيتها للحياة وخبرتها بعد .
والنحل تأكل كلها من مكان واحد .. لكن يجئ من بعضها الابر .. ويجئ من بعضها العسل .. كما يقول لنا الشيخ الحكيم مولانا جلال الدين الرومي .. ويعني ذلك أننا لا نستطيع أن نصدر أحكاما عامة وقاطعة على البشر فنقضي بأن هؤلاء هم المرشحون وحدهم للنجاح والاستقرار , وهؤلاء هم المرشحون وحدهم للفشل والقلاقل , وإنما تقاس تجربة كل إنسان بظروفه وشخصيته واخلاقياته وكل العوامل المحيطة به , وأكثر الزيجات احتمالا للنجاح والاستقرار هي التي تلبي احتياجات الطرفين وتقدم الحل الأمثل لمشكلة كل منهما معا وليس لمشكلة أحدهما على حساب تنازل الآخر عن بعض اشتراطاته أو تصوراته الخاصة لحياته .. وشقاء الإنسان يبدأ غالبا بمطالبته لآخر بجبر كسره .. في نفس الوقت الذي يعزف فيه عن جبر كسر طرف ماثل أمامه ويستطيع كل منهما أن يجبر كسر الآخر .. ويتمسك به كامل وحيد له في السعادة .
لهذا كله فلست مع من لا يرون لك إلا التنازل عن اشتراطاتك ومطالبك , لكني لست أيضا في نفس الوقت مع تجاهل الإنسان لظروفه ومطالبته لنفسه دائما بالحد الأقصى من الأشياء , وإنما أنا مع سعي الإنسان إلى سعادته المشروعه إذا اتيحت له وفق تصوراته لنفسه مع استعداده في نفس الوقت لئلا يتشبث برغبته في "الأمثل والأرفع" إذا عز عليه لظروف فرضت عليه والفارق الوحيد بين حاله إذا توافر لديه هذا الاستعداد وبينه إذا غابت عنه هذه النظرة الواقعية لظروفه هو كالفارق بين من يوسع على نفسه فرص السعادة الى أقصى ما تسمح به الدائرة .. وبين من يضيقها على نفسه حتى تصبح كثقب الابرة ثم يتساءل متألما أين حقي في السعادة ؟ ويكون بذلك قد أعان ظروفه الخاصة على نفسه ولم يعن نفسه على هذه الظروف.
ومن حق كل إنسان بعد ذلك أن يختار طريقه في الحياة ويظل متشبثا بأفكاره ومعتقداته .. لكنه ليس من حقه أن يلوم البعض إذا خالفوه فيها وفقا لما اختاروه لأنفسهم.
لقد حللت أسباب فشل زواجك الأول .. وارجعتها إلى اختلاف الوسط الأسري والقيم السائدة فيه بين الطرفين .. وأنا أوافقك على هذا التحليل لكني أضيف إليه أيضا عامل صغر السن بالنسبة لك وقلة التجربة التي لم تعنك على ملاحة الزواج الصعبة في سنواته الأولى , بالإضافة إلى ذلك فلقد تزوجت وأنت دون الثالثة والعشرين من العمر .. ولم تكن زوجتك الأولى أصغر منك في السن حتى يسهل عليك قيادة دفة السفينة , بل كانت أكبر منك ببضعة شهور .. وليس ذلك خطأ في حد ذاته لو كان كلاكما قد قارب الثلاثين مثلا عند الزواج , ونضجت شخصيته وأفكاره لكن تماثل السن أو كبر الزوجة عن زوجها في مثل هذه السن المبكرة قد لا يثمر أحيانا إلا تناطح إرادتين تحاول كل منهما السيطرة على الطرف الآخر , ولا تسند أحدهما خبرة كافية بالحياة أو نضج عقلي يسمح له بتفادي أشواك الصراع أو فهم الحياة الزوجية فهمها الصحيح بعيدا عن السيطرة والتسلط .
ولقد كان زواجا مرشحا للفشل منذ البداية مع كل هذه العوامل .. والمؤسف حقا هو أن تدفع طفلة بريئة ثمن صراع الارادات غير الناضجة هذا خلال هذه الفترة القصيرة .. وختاما أقول لك إنني معك في إدانة نظرة المجتمع القاصرة إلى من سبق له الفشل في الزواج رجلا كان أم إمرأة .. إذ لا ينبغي حقا أن نجلد أحدا بسوء حظه في الحياة .. أو بانتصار القيم المادية الفاسدة على الحب والسعادة في زواجه كما حدث معك .. وإنما علينا أن نسلم جميعا بأن الفشل قد يكون مقدمة للنجاح في حياة أخرى .. كما أن النجاح والاستمرار ليسا دائما فضلا لأحد يحاكم به الآخرين .. فكل إنسان محكوم بتجربته وظروفه .. وما أكثر من فشلوا في الحياة وكانوا أجدر الناس بالسعادة لولا تقلبات الحياة القاسية .. وما أكثر من نجحوا فيما فشل فيه غيرهم وكانوا أحق الناس بالفشل والتعاسة .. لكنها أقدار يوزعها كيفما يشاء مقلب القلوب وموزع الحظوظ .. وليس لنا إلا الرجاء والأمل دائما في وجهه الكريم سبحانه جل في علاه.
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" ديسمبر 1994
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر