جمال الأشياء .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994
أنا فتاة في الخامسة والعشرين من عمري حين كان عمري 12 عاما اكتشفت بالصدفة وأنا في كامل صحتي وعافيتي أنني مريضة بالسكر, ومع أني كنت طفلة حينذاك إلا أنني تقبلت هذه الحقيقة المؤلمة ببساطة وهدوء على عكس أمي التي انهمرت دموعها بغزارة حين علمت بها ومازالت تبكي لها حتى الآن .. ورغم ما ترتب على علمي بمرضي من تغيرات من سلوكي كطفلة إلا انني انتظمت مع طبيبي المعالج واتبعت ارشاداته بسهولة ويسر وظللت أحب الحياة والناس والأرض والسماء والأشياء وأرى الجمال في كل شئ حولي وأعتبره نعمة جليلة ينبغي أن نشكر الله عليها , إلى أن وصلت إلى سن الحادية والعشرين وبدأ الخطاب يطرقون بابي فإذا بي اكتشف فجأة أنني كنت أعيش في عالم آخر من صنع خيالي وأن في الحياة "أشياء" أخرى لا يمكن أن تمت إلى "الجمال" بأي صلة فقد اكتشفت أنني ينبغي علي أن أبادر أي شخص يبدي نحوي أية بادرة اعجاب بأنني مريضة بالسكر حتى لا يتكرر ما حدث معي أكثر من مرة , حين يطرق بابي شاب ممتاز تتمناه كل فتاة وبعد المقدمات والحديث عن الخطبة أبلغه بأني مريضة بالسكر فيهتز كأنه قد سمع بقرب قيام الساعة , ثم ينتزع من وجهه ابتسامة شاحبة ويقول بإيمان كله بأمرالله , ثم يصمت قليلا ويتحدث مع أهله بعض الوقت بصوت خافت ثم ينصرف بلا عودة مبتعدا عني كأنني مصابة بالجرب !
وفي بادئ الأمر لم أكن أهتم بذلك بل كنت أعتبر نفسي محظوظة لأني لم أتورط في الارتباط بإنسان مستعد للتخلي عني عند أول اختبار وبلا ذنب جنيته إلى أن تكررت القصة أكثر من مرة , ثم خطبت لإنسان كان الوحيد الذي أسعد قلبي بقبوله لي رغم علمه بمرضي واختبرته كثيرا بالرفض حتى تأكدت من تمسكه بي وسعدت كثيرا واطمأن به جانبي وتمت الخطبة وبدأت أحلم بثوب الزفاف وأنا إلى جواره ثم شاءت لي الظروف أن أسمع بلا تعمد من جانبي حديثا مؤلما بينه وبين أمه كانت تسأله خلاله لماذا يرتبط بإنسانة مريضة يضيع عليها تعبه ونقوده والفتيات كثيرات أمامه كالورود المتفتحة ومنهن ابنة خالته .. ولم يصدمني كلام أمه بقدر ما صدمني صمت خطيبي وعدم اعتراضه عليه وبعد شهرين من الخطبة سافر خطيبي إلى عمله .. وبدأت اشعر بتغيره معي حتي في مراسلته , فقد مضت سبعة شهور دون أن يراسلني فأدركت أن حديث أمه إليه قد أتى بثماره وأصبت بخيبة أمل قاتلة وتم فسخ الخطبة في غيابه وشعرت بالحزن لأول مرة على نفسي حزنا لم استشعره من قبل .. فالشعور بالرفض إحساس مؤلم يا سيدي يجرح المرفوض ويقسو عليه خاصة إذا كان مرفوضا بسبب لا ذنب له فيه .
إن مئات بل آلاف السيدات يمرضن بعد الزواج .. فهل يتخلى عنهن أزواجهن بسبب المرض , لقد شاهدت منذ عدة شهور السيدة التي انجبت طفلة وهي مبتورة الساقين وقد تزوجها زوجها ولم يلفظها ولم يعترض عليها أهله فأين الوعي والثقافة وأين من قبلهما الرحمة ؟ ولماذا تتحمس كل أم لحث إبنها على رفضي وهي تعلم جيدا أننا جميعا لا نملك من أمرنا شيئا وماذا لو كنت أنا ابنتها ألم تكن ستدعو الله سرا وعلانية أن يقبل بي نفس هذا الشاب لو كان ابنا لغيرها , ثم هل قدر علي أن أصاب بالحزن والاكتئاب وأنا في شرخ الشباب إلى ما لا نهاية أم ترى أنني قد أصبحت مطالبة بأن أخفي حقيقة مرضي واستقر وراء الكذب حتى أستطيع أن أتزوج ثم افاجئ زوجي وأهله بالحقيقة المرة بعد فوات الأوان ؟ انني أطلب منك نشر رسالتي وتوجيه كلمة إلى كل من ظلمني بأن يتقي الله في وفي مثيلاتي من الضعفاء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولـــكـــاتـــبــة هـــذه الـــرســــالـــة أقول:
لا خيار لنا يا آنستي في أن نستمر في حب الحياة والناس وجمال الأشياء من حولنا وأن نتوسم الخير وحسن النية في الآخرين حتى ولو تألمنا لبعض التصرفات القاسية من جانب البعض ولا خيار لنا أيضا في أن نستمر في الثقة بأنفسنا وبجدارتنا بالسعادة وحقنا العادل فيها حتى وإن تأخر ضياء الفجر قليلا في التسلل عبر نافذتنا المغلقة .. فالبديل الوحيد لذلك هو أن نستسلم للاكتئاب والملانخوليا أي شدة الحزن والنظرو السوداوية للحياة والأشياء فتزداد معاناتنا وتتعقد مشاكلنا مع الحياة والآخرين أكثر فأكثر وتقل فرصنا في نيل ما نستحقه من سعادة .. لهذا فأنت لست مطالبة بالتستر على شئ لم تريديه لنفسك ولا حيلة لك أو لأحد غيرك فيه وإنما تستمرين في التعامل بالأمانة التي تليق بك مع الآخرين لكيلا تفقدي اعتبارك لدى نفسك أولا وقبل كل شئ ثم لكيلا تخسري ثقة من سوف ترتبط به حياتك في المستقبل وتتعرضي لما لا تحبيه لنفسك .. فاستمري يا آنستي في مصارحتك لمن يرغب في الارتباط بك . بحقيقة ظروفك ولا تخجلي منها ولا تأبهي لمن لا يتفهمها حق فهمها .. ولا يتمسك بك معها .
وتسامحي مع الحياة والأمهات الراغبات لأبنائهن في الكمال الذي لا وجود له إلا في السماء فمن متناقضات الإنسان أن يطلب لنفسه وذويه دائما الحد الأقصى من الأشياء .. وأن يتعجب في نفس الوقت لمغالاة الآخرين في مطالبهم من الحياة إذا تعاملوا معه أو مع أحد ذويه بنفس هذا المنطق الخيالي ومع ذلك ففي الحياة من أصحاب القلوب الحكيمة كثيرون وكثيرون ممن لا يجلدون الآخرين بأقدارهم ولا يحاسبونهم عليها وما أكثر من يتمنون فتاة رضية النفس وطيبة القلب مثلك ويعرفون أن زواج مريضة السكر مأمون ما لم تتعرض لمخاطر الحمل والانجاب , ومأمون أيضا لو وضعت تحت الرعاية القصوى خلال الحمل والولادة غير أن الحياة لم تضع بعد في طريقك أحد هؤلاء الذين يتمنون لأسباب تتعلق بظروفهم فتاة غير متلهفه على الانجاب مثلك .. ولابد أن يظهر أحدهم في أفقك في القريب العاجل بإذن الله . أكتبي إلي بعنوانك واضحا داخل الرسالة وليس على غلافها "لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا" وشكرا لك ..
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" سبتمبر 1994
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر