دموع التلج .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994
أكتب إليك وأنا في محنة شديدة بعد أن أعيتني الحيل ولم أجد مخرجا سوى الكتابة إليك .. إن لي طلبا بسيطا عندك يا سيدي وهو أن تعيد نشر رسالة نشرتها في هذا الباب منذ سنوات , وكانت من سيدة روت لك فيها أنها قد تزوجت من رجل كبير في السن وله أبناء من زوجة سابقة , وأن الرجل كان كريما وفاضلا وعطوفا على أولاده الذين لا يقيمون معه وكان الأبناء شديدي الارتباط بأبيهم الأرمل فنهشت الغيرة من هذه العلاقة الحميمة بين زوجها وأولاده قلبها ولم تحتمل أن تلمس عواطف زوجها الطيبة تجاه أبنائه ولا عواطفهم تجاهه فاعتزمت في نفسها كما اعترفت لك في رسالتها أن تدمر هذه العلاقة لتنفرد وحدها بعواطف زوجها وماله وراحت تفتعل أسباب الخلاف بينها وبين أبناء زوجها وبينهم وبين أبيهم وتفتري عليهم بالباطل حتى نجحت في النهاية وبعد أحداث طويلة في إيغار صدر الأب على أبنائه وقد دعت عليها ابنة زوجها وهي تغادر مسكن أبيها باكية لآخر مرة بأن يحرمها الله من نور بصرها كما حرمتهم هي من أبيهم وقطعت ما بينه وبينهم ظلما وافتراء .. وروت لك هذه السيدة أن هذه اللحظة كانت قمة انتصارها على أبناء زوجها فشعرت بسعادة غامرة لنجاحها في استحواذها على زوجها بالكامل , ومضت الأيام بعد ذلك والصلة بين الأب وأبنائه مقطوعة إلى أن رحل عن الحياة دون أن يفيق من غفلته أو يصحح أخطاءه مع أبنائه , ونعمت زوجته كما روت لك في رسالتها بما ورثته عن زوجها وبالشقة الفاخرة .. والأثاث الجميل والدخل الكبير , وراحت تعيش حياة مريحة مليئة بالزيارات والرحلات والنوادي , ثم أحست ذات يوم وهي تشاهد التليفزيون في مسكنها بزغللة بسيطة في عينيها وقامت بزيارة الطبيب الذي نصحها بارتداء "النظارة الطبية" فاختارت نظارة فاخرة زادتها أناقة وشياكة وعادت للاستمتاع بحياتها فلم يمض وقت طويل حتى عاودتها الزغللة من جديد وطافت على الأطباء وبعد رحلة طويلة من العلاج والفشل سلمت باليأس من بصرها الذي راح ينسحب ضوءا بعد ضوء وتذكرت دعاء ابنة زوجها التي ظلمتها مع اشقائها عليها وهي تغادر شقتها باكية ومقهورة فكتبت إليك معترفة بافترائها على أبناء زوجها وطالبة من ابنة زوجها الصفح عنها بعد أن انتقم الله منها بحرمانها من بصرها الذي لم يبق منه إلا شعاع أخير!
هذه هي القصة التي أريدك أن تعيد نشرها من جديد يا سيدي لكي تقرأها أمي وتعرف أن في الدنيا من يحملون قلوبا ونفوسا مريضة قد تسول لهم الافتراء على الأبرياء ليحققوا أغراضهم الدنيئة .. فأنا أعيش الآن موقف ابنة الزوج في هذه الرسالة مع اختلاف بسيط في حالتي وهي أن زوج أمي هو الذي يقوم الآن بنفس الدور الذي قامت به السيدة كاتبة الرسالة مع أبناء زوجها .. ولست أريد أن ينتهي زوج أمي إلى نفس المصير الذي انتهت إليه كاتبة الرسالة أو أن يصاب بالعمى أو الشلل فحسابه مع ربه وحده وهو العليم بما في الصدور وإنما أريد فقط أن تفيق أمي قبل أن تحدث هذه النهاية .. فأنا أحترق بالنار كل لحظة وأنا أراها تعيش مخدوعة في زوجها ومصدومة فينا نحن أبناءها وتتصور كما وسوس لها زوجها أننا أشرار نكرهه بلا سبب ونريد ابتزازها إلى آخر ما يقنعها ويدمرها به صحيا ونفسيا ويدمرنا معها سامحه الله .. فهل تعيد نشر هذه القصة عسى أن تساهم في تنبيه أمي لكي تعرف حقيقة ما يجري حولها .. أما زوجها فلن أقول عنه سوى حسبي الله ونعم الوكيل .. حسبي الله ونعم الوكيل والسلام عليكم ورحمه الله .
ولـــكـــاتــــبة هــــذه الــــرســـالـــة أقــــول:
تلخيصك للقصة القديمة يُغني عن إعادة نشرها مرة أخرى والإثقال بها على الذين قرأوها من قبل . كما أن مغزى رسالتك واضح يا سيدتي ولا يحتاج إلى إفاضة أو اسهاب .. فمن يفسد بين أم وأبنائها يبتغي من وراء ذلك مصلحة مادية أو حتى نفسية ومعنوية إنما يرتكب أبشع الجرائم , ومثله في ذلك من يفرق بين أم وأبنائها أو ينزع صغيرا من يد أمه , والأخيران هما من عناهما الرسول الكريم بقوله صلى الله عليه وسلم : "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" .. وفي تقديري أن التفريق في المشاعر والقلوب بين أم وأبنائها بإيغار صدرها عليهم ووسوسة الشياطين ضدهم يتساوى في جرمه وإثمه مع التفريق بينها وبينهم في المكان ونزع الولد من يد أمه إن لم يزد عليه لما يترتب عليه من أضرار أعم وأشمل .. وكلاهما إثم عظيم وسعي أثيم في قطع صلة الرحم التي أمر الله بها أن نوصل وعقاب مرتكبه ثقيل في الدنيا وفي الآخرة .. وهذا الهمس الفاحش ضد أبناء الزوجة أو ضد أبناء الزوج من جانب شريك حياة كل منهما يكفى وحده للتأكد من سوء نية صاحبه وعدم اخلاصه لمن يدعي الإخلاص له .. إذ لو كان مخلصا حقا لحرص على أن يجنب شريك حياته مرارة الاحساس بالخذلان من جانب أبنائه .. أو قسوة الاحساس بابتزازهم المزعوم له ولخلى بينه وبين أبنائه ينفقون ويختلفون اتفاق الأهل واختلافهم .. إذ في أي عرف أو منطق يمكن أن يكون هناك على وجه الأرض من هو أكثر رفقا بالأم من أبنائها أو بالأب من أبنائه ؟
إن آفة بعض النفوس هي أنها لا تطيق منافسة الشركاء الشرعيين لهم فيمن ارتبطوا بهم فيسعون بالدس الحقير .. والافتراء البشع إلى ابعادهم عنهم لينفردوا بهم , ومن عجائب النفس البشرية أن ينخدع البعض أحيانا بغسيل المخ الفاجر فتتغير صدورهم على ثمرات قلوبهم .. وسعاة التفريق هؤلاء بين الأمهات والآباء وبين أبنائهم .. هم احدى الفئات التي عناها الشاعر الايطالي دانتي "الليجيري" واختار لهم في ملحمته الخالدة "الكوميديا الالهية" اسفل منازل الجحيم مقرا لهم وسماهم فيها مشيري السوء الذين لا يصدرون في مشورتهم عن اخلاص أو حق أو عدل سواء أكانوا يشيرون على أصحاب المناصب أم على الأشخاص العاديين في شئونهم الخاصة وعقابهم عنده هو أن يلتف حول كل منهم عنق من النار بحرقه ليل نهار ويدور حوله .. ومن قبيلهم أيضا من أسماهم خونة الأهل والأقارب أو سكان منطقة قابيل في أسفل منازل الجحيم عند دانتي وهؤلاء يعيشون في بحيرة مجمدة لا يظهر منهم سوى رؤوسهم الصغيرة التي تبدو كرؤوس الضفادع وتتجمد عيونهم فلا يبصرون ويبكون ثلجا من شدة الندم!
فلا تحزني يا سيدتي فلابد أن
يأتي يوم تتكشف فيه كل الحقائق وينتصف فيه ربك للمظلوم ويبكي فيه الظالمون بدموع
الثلج من عيون مظلمة بعد أن أظلمت من قبل قلوب أصحابها !
رابط رسالة الضوء الأخير المشار إليها
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" سبتمبر 1994
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر