الخطاب .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993
أنا سيدة في الثالثة والثلاثين
من عمري على قدر كبير من الجمال , منذ خمس سنوات تزوجت من طبيب شاب تعرفت عليه حين
توجهت إلى أحد المستشفيات الخاصة لاجراء فحص طبي وارتبطنا سريعا واتفقنا على
الزواج , ولم يكن حين تعرفت به يملك شيئا سوى مرتبه الضئيل في حين كنت أملك بعض
المدخرات من مرتبي الكبير كسكرتيرة ناجحة بإحدى الشركات الخاصة .. ولم أتوقف عند
الماديات مادمت قد ارتحت لمن اخترته لمشاركتي حياتي.
فحصلت على شقة مناسبة دفعت بضعة
آلاف مقابلها وقمت بمعاونة أبي رحمه الله بتأثيثها بأثاث بسيط لكنه كامل , وبدأنا
حياتنا الزوجية معا , واقتضت ظروفه المادية أن أقوم عنه بمعظم الأعباء المادية
لحياتنا فلم أتردد ووجدتني بطريقة تلقائية أدفع عنه إيجار الشقة وفاتورة الكهرباء
وفاتورة التليفون وطلبات البيت والمطبخ , أما هو فقد كان إسهامه الوحيد في ميزانية
البيت هو أن يشتري دجاجتين كل شهر وكيلو واحدا من اللحم لطعامه هو لأني لا أكل
اللحم منذ سنوات طويلة .. وحاولت رغم ذلك أن أكون سعيدة وأن أحافظ على حياتي
الجديدة لأننى أخترته بملء إرادتي والتمست له دائما العذر في ضيق موارده .. وفي
أنه شاب في مقتبل حياته وسوف يحقق نجاحه ذات يوم قريب ويعوضني عن صعوبة البداية
لكني لاحظت عليه منذ الأيام الأولى من زواجنا ميله الشديد للصمت , فهو صامت معظم
الأوقات .. وغامض فبدأت افتقد الاحساس بالأمان معه منذ الشهور الأولى ودفعني هذا
الإحساس من جانبي إلى تأجيل الحمل انتظارا لما سوف تكشف عنه التجربة , وراوده هو
الشك في أنني أؤجل الحمل فازداد صمتا وغموضا .. وبدأت حياتنا مع الأيام تتخذ طابعا
غريبا فنحن لا نكاد نلتقي على مائدة الطعام كما يفعل كل زوجين إلا في فترات
متباعدة , وهو يتناول طعامه في المستشفى معظم الأيام بدافع التوفير أو الابتعاد لا
أعرف , وكلما طالبته بالمشاركة الرمزية في أي مسئوليات مادية للبيت كشراء قطعة
أثاث جديدة أو استكمال بعض ما ينقصه رفض ذلك بإصرار بدعوى أنه لا يملك شيئا ..
ولأنه كما قال لي يحس بأن هذا البيت ليس بيته وإنما هو "ضيف" فيه ,
ويئست مؤقتا من محاولة اشراكة في مسئولية البيت .. والتمست له العذر مرة أخرى في
قلة دخله وإن لم أقتنع تماما بأن ضآلة دخله تكفي لاحجامه عن أي نوع من المشاركة
التي تشعر المرأة بمسئولية رجلها عنها مهما كان دخله أو حجم مشاركته , ومضت الحياة
بنا على هذا النحو ثلاث سنوات , وإحساسي بافتقاد الأمان معه يتزايد , لكن حرصي على
استمرار حياتنا لا يتأثر إلى أن عدت من عملي فوجدت في صندوق البريد الخاص بشقتنا
في العمارة خطابا له يحمل اسم أحد البنوك , ولم أكن أعرف أن لزوجي أية معاملات مع
البنوك وخشيت أن يكون مدينا لأحد بكمبيالة أو شيك والبنك يطالبه بسداد قيمته ..
ودفعني الخوف والفضول ومحاولة فهم شخصية زوجي الصامت دائما إلى فتح الخطاب ,
وفتحته فإذا به يتضمن كشف حساب يفيد أن رصيد زوجي في هذا البنك يبلغ 18 ألف جنيه !
وذهلت حين قرأت ذلك وأعدت قراءة اسم صاحب الحساب الرباعي فتأكدت من أنه اسم زوجي المسكين
الذي لا يستطيع دفع ثمن أنبوبة البوتاجاز وغضبت في أعماقي غضبا هائلا ليس لأن
المبلغ كبير ولا لأنه لديه رصيد ومدخرات فهذا شئ يسعدني بل ويشعرني بالأمان معه كزوجة
وإنما لأنه لم يشر لي في أي يوم من الأيام إلى أنه يملك شيئا سوى مرتبه الضئيل
ودخله البسيط جدا من بعض الفحوص الخارجية ! وأحسست بالخديعة .. وبأنني قد عاشرت
إنسانا لم أعرفه ولم أكتشف أغواره ثلاث سنوات ووضعت الخطاب على مائدة الطعام ..
وأيقنت تماما أن حياتي الزوجية التي حاولت بكل الطرق انجاحها قد وصلت إلى طريق
مسدود .. وجاء زوجي فصارحته بكل ما عرفت فارتبك ارتباكا شديدا في البداية .. ثم
تجاوز الارتباك بصعوبة وقال لي أنه كان لابد أن يفعل ما فعل لكي يصنع مسقبله ؟ حتى
الاعتذار يا سيدي عن اخفاء ذلك والحياة معي ثلاث سنوات بلا أي مشاركة في مسئولية
البيت لم يتقدم به وحتى الوعد بأن يتغير الوضع بيننا بعد أن اتضحت الحقيقة لم
يحاول أن يقدمه لي أو يرتبط به .. فثرت عليه وطالبته بالطلاق , ووافق بعد معارضة
ضعيفة مقابل التنازل عن كل حقوقي تجاهه وتنازلت له راضية عن كل شئ .. وتركت له حتى
الملابس التي اشتريتها له من مرتبي لكي يبدو في مظهر لائق , لإحساسي بعجزه عن شراء
ما يحتاج إليه , ولم يتغير شئ كثير في حياتي بعد الطلاق , فلقد كنت مسئولة عن نفسي
وأنا زوجة في عصمته فأصبحت مسئولة عنها في نفس المسكن بعد طلاقي منه , وقد مضى
عامان على حياتي وهكذا فقدت خلالهما ثقتي بكل الرجال .. لكن وطأة الوحدة على سيدة
شابة مثلي قد بدأت تشتد علي وكلما مضى شهر جديد من حياتي وحدي ..ضعف إحساسي بالقوة
التي تملكتني حين تخلصت من هذا الزوج المخادع .. إنني مازلت لا أثق بالرجال بعد أن
اهتزت صورتهم أمامي بما فعله معي هذا "الرجل" لكني وحيدة وتعيسة بوحدتي
.. فكيف أستعيد ثقتي بهم .. وكيف أبدأ حياتي من جديد ؟
جميع الحقوق محفوظة لمدونة
"من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولــكـــاتــبة هـــذه الــرسالــة أقــول:
لو حكمنا على كل الرجال بنذالة
أحدهم وعلى كل النساء بخسة أحداهن .. لافترق الجنسان إلى الأبد ولما جمع بيت صغير
بين رجل وإمرأة في أي مكان من الأرض .. هذه بديهية لا تستدعي الإطالة في الحديث
عنها أو مناقشتها فإذا كان لك بعض العذر في سوء ظنك المؤقت بالرجال , لأن
"صحبة الأشرار" تورث سوء الظن بالأخيار" كما يقول القطب الصوفي أبو
بكر الشبلي .. فإن ذلك لا يقتضي اعتبار الجميع أشرار , وإنما يتطلب فقط اجتناب
صحبة هؤلاء , وتحري الأخيار والأسوياء والبشر العاديين الذين يلتزمون بالقيم
الأخلاقية والدينية وبالصدق مع النفس ومع الآخرين في حياتهم والاقتراب منهم
واصطفائهم لصحبتنا , لكي يحافظوا لنا على حسن ظننا بالحياة وبالخير في نفوس البشر ..
وليست هناك في النهاية تجربة سعيدة أو مؤلمة يعيشها الإنسان ولا يستفيد منها شيئا
يضيف إلى قدرته على التعامل مع الحياة خبرة ثمينة لا تقدر بمال "وتجربة
آلمتني .. تجربة علمتني" كما يقول المثل الانجليزي .. أما أن نخرج من التجربة
المؤلمة بخبرة فاسدة تزيد من صعوبة تعاملنا مع الحياة وتآلفنا مع الآخرين فهذا هو
أسوأ حصاد لأي تجربة إنسانية.
فاستعيدي يا سيدتي ثقتك بنفسك أولا وتأكدي من أن
ما جرى لك ليس سوى حظ عاثر ساهم فيه الإقدام على زواج سريع لم يسبقه تعارف أو
ارتباط عميق بين الطرفين , ومن أنه ليس سوى فشل طبيعي لارتباطه بشخصية غريبة ليست
متكررة كثيرا بين الرجال ولا يمكن أن تكون هي النمط السائد بين الرجال أو النساء
في أي مجتمع من المجتمعات .. وحين تفعلين ذلك سوف تستعيدين تلقائيا ثقتك بالحياة
وبالرجال وبأحقيتك في أن تبدئي حياة جديدة وسعيدة مع من يعيد ترسيخ أركان الصورة
المهتزة أمامك .. ويعيد تصحيح المفاهيم الخاطئة التي تأثرت بتجربتك الخاصة مع هذا
النموذج الفريد من الرجال .
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" ابريل 1993
كتابة النص من مصدره / بسنت
محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر