الضربة القاضية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993

الضربة القاضية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993

             الضربة القاضية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993

أنا رجل في السابعة والستين من عمري حين كنت شابا كنت عصبي المزاج أشخط ويعلو صوتي وأثور على والدتي رحمها الله بل وكنت أحيانا أمد يدي عليها للأسف وقد عرفت منها حين كبرت أنني مرضت في طفولتي بالحمى وأنه ربما تأثرت أعصابي لهذا السبب.

ثم حصلت على مؤهل متوسط ورأت والدتي أنني إذا تزوجت فسوف تهدأ حدة أعصابي فبدأت تبحث لي عن عروس مناسبة حتى استقرت على فتاة جامعية مؤدبة من أسرة متوسطة الحال تصغرني بعشر سنوات , وتقدمت لأسرة هذه الفتاة فرفضتني بسبب مؤهلي المتوسط , لكني ترددت على الأسرة عدة مرات ونبهتني أمي إلى ضرورة أن أكون حريصا في كل تصرفاتي مع أفراد الأسرة حتى لا ترفضني , ووفقني الله في إقناع أشقاء الفتاة بأنني رجل طيب ومهذب واستطيع تحمل المسئولية فتم الزواج.

وبدأنا شهر العسل .. واعترف لك الآن يا سيدي أن عصبيتي وثوراتي قد بدأت قبل أن تنتهي أيام شهر العسل , فبدأت استسلم لحدة مزاجي وأثور لأتفه الأسباب بينما هي صامتة ساكنة لا ترد على كلماتي ولا تتكلم, وتحملت مني زوجتي الكثير, وكانت تعمل موظفة فكانت تصحو مبكرة لتعد لي الإفطار ثم تذهب إلى عملها وتعود في الظهر لتقوم بشئون البيت وشئوني, وأنجبنا طفلين وبنتا فتولت زوجتي رعايتهم إلى جانب رعايتي, وكانت تستذكر لهم دروسهم حتى منتصف الليل, فأصبحت حياتها كلها نشاطا وحركة وصبرا على عصبيتي وثوراتي الحمقاء لأتفه الأسباب .. فلقد كنت أثور وأسب وأشتم بصوت عال مثلا إذا تأخر الطعام بضع دقائق وأكسر الطبق أو الكوب إذا وجدته في غير مكانه .. إلخ .. والغريب أنني كنت أحبها ولا أكرهها, وكنت بعد هذه الثورات الحمقاء أهدأ دائما وأصالحها وأتأسف لها.

ومضت السنوات بنا وكبر الأبناء وتخرجوا من أفضل الكليات وعملوا بأرقى الوظائف وكل ذلك بفضل كفاحها وصبرها وتحملها للكثير والكثير, ثم بدأ الأبناء يفكرون في أمر زواجهم بعيدا عن تدخلي وتم زواجهم واحدا وراء الآخر من أحسن العائلات, ووقفت أمهم إلى جوارهم وباعت ميراثها عن أبيها ومصاغها وساعدتهم جميعا في زواجهم.

وخلا البيت علينا بعد انتقال الأبناء إلى بيوتهم وذات يوم أحست زوجتي بتعب فانزعجنا وأتضح أنها مريضة بالقلب وارتفاع ضغط الدم, فقدمت زوجتي استقالتها من عملها وجاء إليها مرءوسوها في البيت يطلبون منها العدول عن الاستقالة والعودة للعمل لأنهم يحبونها لكنها اعتذرت بأنها لم تعد لها طاقة على العمل وهي من النوع الذي يحب أن يعطي أكثر مما يأخذ .. واستقالت زوجتي فعلا وتفرغت لحياتها المنزلية.

وخلال ذلك كان قد حدث في حياتنا تطور غريب فلقد كبرت أنا وتدهورت صحتي وتغيرت وتوقفت عن ثوراتي وعصبيتي في حين أصبحت هي التي تثور علىَ وتسبني وتهينني وأقف أنا ساكنا أمامها .. كأنني قد أصبحت "هي" في شبابها وأصبحت هي "أنا" في شبابي حين كنت عصبي المزاج ضيق الصدر!

لقد تغير أسلوبي معها وأصبحت ودودا وصبورا معها لكنها هي أيضا تغيرت بطريقة مؤسفة وأصبحت عصبية معي وجافة .. فإذا قلت لها "كلمة حلوة" أو داعبتها مداعبة رقيقة أجابتني بأنه قد "فات الأوان " ! وإذا أهديت لها هدية من ملابس فإنها لا ترتديها وإذا أهديت لها شيئا من طعام أو حلوى فإنها لا تأكلها ولا تقربها!

وذات يوم كنت متعبا وهي نائمة فأيقظتها لعمل كوب من الشاي فنهضت من النوم وفوجئت بها تضربني لكمة قوية في وجهي تركت أثرا أزرق اللون في وجهي وبقي هذا الأثر حتى جاء الأبناء لزيارتنا وشاهدوه وسألوني عما حدث لوجهي فأخبرتهم بما حدث فإذا بهم يقولون لي أنني أستحق ما هو أكثر من ذلك!

أما هي فحين سألتها عن أسباب ما فعلت معي وما تفعله أجابتني :

ضيعت شبابي وعمري ومالي وصحتي !

لقد تعبت من هذه الحال وندمت كثيرا على ما فعلت معها في الماضي وبكيت كثيرا أيضا وأحاول إرضاءها بشتى الطرق ولكن بلا فائدة .. فارحمني يا سيدي مما أعانيه الآن كل يوم فهي تحترم آراءك وتقرأ بابك بانتظام وأطلب منها أن تسامحني وتغفر لي حتى يغفر لي الله وحتى أعيش ما بقي من عمري معها في أمان .. وأرجو ألا تخذلني في هذا الرجاء وشكرا.

 

جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"

abdelwahabmetawe.blogspot.com

ولـــكــاتــب هــذه الـــرســـالــة أقـــول :

 

لا عاش من يخيب رجاء رجل في السابعة والستين من عمره يستنجد به ليعينه بكلمات لا تغني ولا تسمن من جوع على أن يحيا ما بقي له من عمر في سلام مع زوجته وشريكة حياته، لهذا فإني سأتوجه إلى السيدة زوجتك التي أعطت لك ولأبنائها الكثير بحديث طويل, لكني قبل أن أفعل أريد أن أسجل انزعاجي لعدة عبارات جاءت عفوا في رسالتك فتوقفت أمامها وتأملتها طويلا.

 العبارة الأولى : ما ذكرته من أنك في شبابك كنت "سامحك الله" تثور على والدتك فتمد يدك إليها بالأذى , والثانية : ما ذكرته من أن أبناءك حين علموا بما أصابك في وجهك من أمهم لم يحزنوا لما تدهور إليه الحال بينك وبينها, ولم يأسفوا لك, وإنما تشفوا فيك بعبارة مخجلة لا تليق بأي حال من الأحوال من أبناء تجاه أبيهم مهما كان تاريخه معهم.

 والحق أنني رغم إنزعاجي لهذين الحدثين فقد ربطت بينهما ووجدت في ذلك تفسيرا منطقيا للأخير منهما .. ذلك أن ما نرتكبه من أخطاء أو خطايا في حق أبوينا, قد يرده أبناؤنا في الحياة الدنيا, ويكون ذلك هو الجزء عاجل السداد من الفاتورة الاجمالية لاثم الإساءة إلى الأبوين, ويبقى الجزء مؤجل السداد إلى يوم الحساب, إلا من عفا عنه ربك وتقبل ندمه وتوبته .. وبنفس هذا المنطق أبشر أبناءك الذين لم يرفقوا بك بمصير مماثل إن لم يرجعوا عن هذا السلوك معك ويطلبوا صفحك عنهم.

أما العبارة الثالثة فهي الخاصة "باللكمة" التي سددتها إليك زوجتك, وعنها أقول لزوجتك التي كانت حياتها معك رحلة طويلة من الصبر والتحمل والعطاء .. لا يا سيدتي ليس ما فعلت من شيم الفضليات الصابرات من مثيلاتك حتى ولو كانت ظروفك الصحية لا تسمح بإيقاظك من النوم لصنع كوب من الشاي وحتى أيضا لو كانت هذه اللكمة القاضية قد افلتت منك فجمعت فيها كل ما كظمته من شعور بالقهر والغبن طوال رحلة العمر ونفست بها عنه .. فهي في النهاية تصرف لا يقره عرف ولا دين, كما أنها مع جفائك لزوجك وأهانتك له ورفضك لتودده إليك واعتذاره عما ارتكب في حقك بدعوى أنه قد فات أوان اصلاح الأخطاء وتجديد المشاعر, إنما يضيع كل ما استحققته من أجر ومن فضل بصبرك الطويل وحرصك البطولي على كيان أسرتك ورعاية أبنائك حتى كبروا وتخرجوا وعملوا وتزوجوا بفضل تضحياتك المادية أيضا, ذلك أن إحسان عشرة شريك العمر في خريف الحياة حتى لو كان سيئ العشرة في معظم سنوات الرحلة, إنما هو من تمام الفضل ومزيد الكمال في طلب الأجر ممن تطلب منه الأجور سبحانه وتعالى, فلا تضيعي أجرك عند خالقك يا سيدتي بهذا الجفاء لشريك عمرك, وهذا السباب وهذه الاهانات له, خاصة وقد انقضت مرحلة الشدائد وزالت الصعوبات وتحققت معظم أهدافك في الحياة بنجاح الأبناء وسعادتهم, ولا تفسدي على نفسك متعة الاحساس بالرضا عن نفسك لأدائك رسالتك له على خير وجه, فغاية ما يسعى إليه الإنسان هو أن يؤدي رسالته تجاه أبنائه, ثم يخلد للراحة واطمئنان القلب والنفس في سن الجلال والاحترام.

إنني أعرف جيدا أن تغير الطباع تغيرا كاملا أمر يعد من ضرب المستحيل, وأن المزاج الناري لا يتحول إلى مزاج ملائكي بين يوم وليلة, وإنما تتبقى منه آثار قد يسبب بعض المتاعب الصغيرة من حين لآخر, لكن لماذا أصبحت تعجزين عن التجاوز عن "الرماد "الساخن قليلا في بعض الأحيان وقد كنت تصبرين من قبل على جمر النار؟

ربما تكون طاقتك على الاحتمال قد استنفدت تماما, خاصة مع ظروفك الصحية الأخيرة, لكن من يعترف بخطئه في حقنا ويندم على ما بدر منه أفضل كثيرا ممن يصر على المكابرة والانكار حتى الرمق الأخير , وزوجك يا سيدتي يعترف لك بفضلك على أبنائه وعلى أسرته وعليه, ويعترف بندمه على اساءته معاملتك وعلى مزاجه العصبي الناري معك, ومن الحكمة أن نتقبل اعتذار الآخرين لنا ونشجع مبادراتهم للتقرب إلينا ليس من أجلهم فقط وإنما من أجلنا نحن أيضا قبلهم, حتى ننعم بطمأنينة القلب ونتجنب أسباب الشقاق والملاحاة .. ولست معك في أنه قد فات أوان تجديد المشاعر وإصلاح الاخطاء .. فالحق أن كل مرحلة من العمر هي "أوان" صالح دائما لأن نبدأ فيه حياة جديدة نعيشها كما كنا نشتهي أن نحيا حياتنا منذ البداية ونستظل فيها بما تمنينا دائما أن نستظل به من خمائل الحب والتفاهم والأمان .. والفضلاء في النهاية هم من يتعففون عن الانتقام ممن آذوهم وهم في عنفوانهم وجبروتهم حين يعتريهم الضعف والوهن ويطلبون صفحهم ومودتهم ولاشك أنك من هؤلاء.

فاقبلي يد زوجك الممدوده إليك .. ولا تمدي إليه يدك بالأذى مرة أخرى .. واعقلي لسانك عما كنت تكرهينه منه وهو في شبابه وقوته ليس فقط احتراما له .. وإنما لنفسك أيضا ولكل القيم الدينية والأخلاقية .. وعفا الله عما سلف.

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" ابرايل 1993

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات