الثمرة الجيدة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993

 

الثمرة الجيدة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993

                        الثمرة الجيدة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993

 

أنا سيدة في الثانية والثلاثين من عمري جامعية وموظفة , تزوجت منذ سبع سنوات عشت حياة هادئة مع زوجي ولم أنجب .. ثم توفاه الله فجأة بعد 4 سنوات من الزواج , وأصبحت أرملة في سن التاسعة والعشرين , وحزنت لحالي وللظروف التي قضت علي بهذه التجربة المؤلمة قبل أن تمضي على زواجي الا سنوات قليلة.

وبعد رحيل زوجي بشهور تقدم لي أكثر من رجل للزواج فكنت أرفض في كل مرة باختلاق أسباب واهية تتعلق بالمستوى الاجتماعي , ثم تقدم لي بعد ثلاث سنوات من وفاة زوجي رجل في الثانية والأربعين من عمره تربطني به صلة قرابة وعلى خلق كريم ويشغل مركزا مرموقا ومستواه الاجتماعي والثقافي والمادي جيد , وهو مطلق لسيدة أجنبية ويريد الاستقرار والزواج والانجاب , لكن فيه "عيبا" واحدا هو أن إحدى ساقيه مبتورة ويستخدم جهازا تعويضا يمشي به بضع خطوات , ويمارس حياته كأي إنسان طبيعي , ويقود سيارته بنفسه كما أنه ناجح في عمله ويجيد ثلاث لغات .. وقد وافق عليه أهلي جميعا , لكنهم لا يريدون الضغط علي لقبوله أو ارغامي على شئ لا أريده , وقد توقفت حائرة أمامه على عكس من تقدموا لي قبله .. فأخشى إن قبلت به أن "يتحدث" عني البعض بأني قد قبلته لماله ومركزه وشقته وسيارته , مع أن كل ذلك لا يعنيني وإنما تعنيني الأخلاق الكريمة قبل أي شئ آخر , وأخشى أيضا إن رفضته سدا لباب كلام الناس أن أخطئ في حقه وأوذي مشاعره لأنه سيرى أن ساقه هي سبب رفضه إذ ليس به عيب آخر .. فماذا أفعل ؟

جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"

abdelwahabmetawe.blogspot.com

 
ولكـــاتــــبة هـــــذه الـــرســـالــة أقـــول:

 

اقبليه يا سيدتي إذا كنت مقتنعة بشخصيته وأخلاقياته ومؤهلاته , فهذه هي العوامل الأساسية التي تؤخذ في الاعتبار عند الاختيار وليس حديث الناس عنك إذا اخترت شريكا جديدا لحياتك .. إذ ما وجه العجب في أن تقبلي شخصا في الثانية والأربعين من عمره من أقاربك أي من مستواك الاجتماعي ومثقف وناجح في عمله لكي يتحدث عنك الناس وتخشين سنان ألسنتهم !

إنه ليس شيخا ثريا في الثمانين من عمره .. وما تعتبرينه"عيبا" جسمانيا فيه تتوجسين من أن يفسر البعض قبولك به بمؤهلاته المادية وهي عادية في مجملها , أمر لا يعتد به عند العقلاء ولا يجوز اعتباره عيبا في أي إنسان .. فالعاهات الاخلاقية والنفسية هي التي تشقي شريك الحياة وتهدم السعادة والاستقرار العائلي , وليست عيوب الجسد التي لا حيلة لأحد فيها .. "فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان" كما يقول الشاعر .. لكنه من الضروري أيضا أن تتخلصي أنت أولا من احساسك القوي بهذا "العيب" إذا قبلت به حتى لا يؤثر على علاقتك به في المستقبل ويهدد سعادتك معه , أما ألسنة الآخرين , فلا أحد يستطيع أن يحول بينهم وبينها مهما فعل وكل ما يملكه هو أن يلتزم في حياته الشخصية بقيم دينه وأخلاقياته وبألا يظلم أحدا أو يغتضب حق أحد أو يبادر أحدا بعداوة وبأن يتجنب مواطن الشبهات وأسباب الزلل , التي تقدم للآخرين "مادة" الحديث عنه , ثم يمضي في الحياة بعد ذلك راضيا عن نفسه بغير استفزاز للآخرين وبغير أن يشل خوفه من كلام الآخرين عنه حركته وإرادته مادام يؤمن بأنه لا يرتكب خطأ في حقهم .. فمن يعلق كل تصرف صحيح أو فعل سليم له على موقف الآخرين منه وتعليقاتهم عليه لن يتحرك من بيته ولن يحقق لنفسه أو للحياة شيئا .. ولقد كان الأنبياء والرسل الذين جاءوا بالحق هم أولى الناس بأن يكف الآخرون ألسنتهم عنهم .. ومع ذلك فلم يسلموا من ألسنة الكارهين وآذاهم .

وعلى أية حال فإن لأحد المفكرين الفرنسيين في هذا الشأن عبارة جميلة تقول: يستطيع النمام دائما أن يغتاب أفضل الناس .. تماما كما تترك العصافير الثمرة الفاسدة، ولا تنقر إلا أجود الثمار !

فإذا كان الأمر كذلك .. فخير للإنسان أن يكون من "أجود الثمار" بأخلاقه ودينه ونجاحه وسعادته ثم تنقره بعض العصافير بمناقيرها الصغيرة .. من أن يكون ثمرة فاسدة تعف العصافير عن الاقتراب منها فلا تكون إلا غذاء للحيوانات السائمة أي للوحوش البشرية من أصحاب الألسنة الحادة التي تجد في سلوكه ما يشبع حاجتها ولأكل لحوم البشر بالاغتياب , إذ أنه حتى في الاغتياب وهو شر كله هناك فرق بين من يلتزم بالقيم الدينية والخلقية في سلوكياته , فلا تنال منه إن نالت إلا ألسنة العصافير الرقيقة , وبين من لا يضع على تصرفاته أي قيد من قيم أو أخلاق .. فتنهش أعراضه أنياب الوحوش بلا رحمة ولا عجب في ذلك .. ولا غرابة ! .

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" ابرايل 1993

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات