الجفون الخالية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

 

الجفون الخالية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992


الجفون الخالية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992 

ليست هذه قصتي لكنها قصة زميل لي أرويها لك ولقراء بريد الجمعة لعل فيها ما يعين البعض على احتمال ظروفه وآلامه .. فلقد تخرج زميلي في الجامعة منذ عشرين عاما وعمل مهندسا زراعيا مقبلا على الحياة وراغبا في أن يحقق لنفسه كل ما تمناه فتزوج من إحدى فتيات أسرته وعاش معها حياة أسرية سعيدة وحملت زوجته بعد شهور فسعدا بذلك كثيرا ورفعا أكفهما إلى الله شاكرين له نعمته وداعين أن يرزقهما ربهما بمن تكتمل به سعادتهما .. ثم حان موعد الولادة ووضعت زوجته مولودها فإذا به ابتلاء وامتحان من الله للصابرين فقد ولد الطفل محروما من نعمة البصر وبجفون خالية مطبقة على الخواء لأنه بغير جوهرة العينين من الأصل .

وارتج زميلي وزوجته من قسوة الصدمة لكنهما تماسكا على الفور واعتصما بالصبر والرضا بما اختارته لهما الأقدار .. وعزما على ألا يدعا هذا الابتلاء يفسد عليهما حياتهما فلم يمض عام حتى ظهرت على الطفل أعراض التخلف ثم كشفت الأيام بعد ذلك عن عدم مقدرته على الكلام والسمع فاحتسب أبوه كل ذلك عند ربه وراح يشد من أزر زوجته ويهون عليها آلامها .. وبعد عامين عاودهما الأمل في أن تعوضهما الحياة عن أحزانهما بمولود صحيح فحملت الزوجة مرة ثانية وتعلق الأبوان بالرجاء .. فإذا بالمولود الثاني يأتي نسخة أخرى من الأول فى كل ظروفه للأسف من الجفون الخالية إلى عدم السمع والكلام إلى التخلف .

واستسلم الأبوان لأقدارهما وعاشا حياتهما في صمت وصبر, وتنازل الأب عن طموحه في عمله وضحى بالتقدم والترقية واختار عملا منزويا بعيدا عن الأضواء لكي يوفر معظم وقته لولديه اللذين كبرا وتضخم جسماها بطريقة لافتة , وتفرغ تقريبا لخدمتهما في المأكل والمشرب والحمام وكل شئ لأنهما لا يستطيعان التعبير عن أي شئ سوى بالصياح بعبارات وأصوات غير مفهومة .. ويقومان بتكسير كل ما يقابلهما.

 

 ومضت السنوات كئيبة ومنذ عام وقع الابن الأكبر فأصيب بكسر في عظام الفخذ وذهب به الأب إلى مستشفى الجامعة بالمدينة التي يقيم بها وكان يحمله رغم ضخامة جسمه إلى الدور السادس من مبنى المستشفى لكنه للأسف لم يعالج جيدا وسقط للمرة الثانية من الفراش فانكسرت عظام فخذه الأخرى ولم يستطع الأب المسكين أن يفعل شيئا سوى أن يدعه في سريره مكسور الفخذ .. وماذا في مقدوره أن يفعل له وقدرته محدودة وإمكاناته عاجزة وكارثته في ولديه مما لا يتحمله البشر.

إنني أكتب لك يا سيدي لأسألك أليست هناك جهة أو هيئة أو جمعية متخصصة تستطيع أن تساعد زميلي هذا في علاج ابنه حتى يستطيع أن يتحرك ويذهب إلى الحمام ..

أو لا يستطيع أطباء الأعصاب من أصدقاء بريد الجمعة مساعدته في علاجهما حتى يكفا ولو لبعض الوقت فقط عن الصراخ ليلا ونهارا ويرحما والديهما قليلا من هذا العذاب ؟

 

ولـكــاتــب هــذه الـرسـالـة أقول :

 

يا إلهي .. إن أقسى ما تحكم به الأقدار على أحد هو أن يعاني مثل هذه المحنة المؤلمة مع أحد أبنائه فكيف بمن يعانيها مع ولديه معا كما يعاني زميلك هذا أعانه الله على بلائه , إنها في تقديري من أكثر اختبارات الحياة وشدائدها إيلاما للنفس وقسوة، ولابد أن تكون هناك وسيلة بل وسائل كافية لإعانة المبتلين بها على معاناتهم معها .. لكن ذلك للأسف لم يتحقق بعد بالدرجة الكافية في مجتمعنا , فلا دور لرعاية أمثال هؤلاء البؤساء المحكومين بأقدارهم ولا خدمات صحية ملائمة لهم ولا مساعدات نفسية ومادية من الدولة لأسرهم كما يحدث في المجتمعات المتقدمة .. ولا شئ سوى بعض الجهود والمبادرات المحدودة , بكل أسف .. فأرجو أن يتصل بي زميلك مساء الاثنين القادم عسى الله أن يهيئ له ما قد يعينه على أمره وشكرا .

 

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" مايو 1992

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات