أبناء الحياة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991
أكتب لك قصتي ليعرف قراؤك ماذا تفعل الأيام بمن تكون لهم مثل ظروفنا , فلقد تنبهت للحياة وأنا طفلة في الرابعة من عمري فوجدت أمي هي المسئولة الوحيدة عني وعن شقيقي الذي يصغرني بعامين بعد وفاة أبي، ووعيت أنها تكافح بمفردها في مواجهة الجميع لتكرس حياتها لنا وتعيش وحيدة في مسكنها لرعايتنا وأخوالي يرفضون ذلك ويخيرونها بين الانضمام بطفليها إلى أحد بيوتهم حيث لن ينتظرها سوى أعمال البيت وخدمة زوجاتهم وبين الزواج مرة أخرى, أما الحياة كأرملة شابة جميلة في بيت وحدها فلا يمكن قبولها , واشتد ضغط أخوالي عليها فاختارت الزواج وتزوجت وهي غير مقتنعة بالمبدأ وغير متقبلة للزواج نفسيا مما أدى إلى صعوبة بالغة في التفاهم مع زوجها الجديد وأنجبت من زوجها طفلة فأصبحنا ثلاثة من الاخوة , ثم تفاقمت المشاكل بينها وبينه وانعكس ذلك على صحتها فتدهورت واستسلمت للمرض, ولم يمض عام حتى كانت قد رحلت عنا وهي في الثلاثين من عمرها تاركة خلفها ثلاثة من الأبناء الكبرى فى الثانية عشرة والصغرى في الخامسة من عمرها , فتكفلت بنا جدتي لأمي وتركت كل شئ من مشاغل وعقارات وأراض وتفرغت لرعاية أيتام ثلاثة حرموا من الأم .. وحرم اثنان منهما من الأب والأم وتنقلا خلال سنوات عمرها القصير بين ثلاثة بيوت .. وحاربها أخوالي لتركها كل شئ من أجل هؤلاء الأطفال .. ووقفت فى وجه الجميع تدافع عن موقفها لكن استقرارنا في بيتها لم يطل كثيرا .. إذ لم ينته العام إلا وكانت جدتي قد توفيت هي أيضا متأثرة بأحزانها على ابنتها الشابة الجميلة التي لم تهنأ بحياتها ولم تعرف السعادة في رحلة عمرها القصير .. وآن لنا أن نغادر مرة أخرى البيت الثالث الذي فتح أحضانه لنا, فانتقلت وأنا فى المرحلة الاعدادية إلى بيت خالتي .. فكانت بالنسبة لي نعم الأم الحريصة على مصلحتي , ولم تكلفني بأي عمل سوى بالتفرغ لدروسي حتى حصلت على الشهادة الاعدادية بتفوق , وبعد حصولي على الشهادة ثارت بعض المشاكل مع زوج خالتي إذ أراد لي اختصار طريق الدراسة والالتحاق بمدرسة للمعلمات لأحصل على دبلومها بعد ثلاثة أعوام وأبدأ حياتي العملية .. ولم أعترض على ذلك بالطبع , وكيف لبنت الأيام التي لا أب ولا أم لها أن تعترض على شئ ؟
لكن خالتي الأخرى وزوجها هما اللذان رفضا ذلك بشدة وأصرا على أن التحق بالتعليم الثانوي العام ثم بالجامعة تماما كما سيختاران لابنتهما مادمت متفوقة في دراستي .. ولأني كما قالا لست أقل منها في شئ .. وسمعت أذناي خلال تلك الأزمة بعض التعبيرات الموحية بالشجن مثل الأيتام أمانة في أعناقنا نسأل عنها أمام الله بأشد ما نسأل عما فعلنا بأبنائنا .. ومثل "ماذا لو كانت أمها أو أبوها على قيد الحياة أكانا يرضيان لها ذلك ؟".
وانتهت الأزمة بانتقالي إلى بيت خالتي الأخرى وزوجها والتحاقي بنفس المدرسة الثانوية التى التحقت بها ابنة خالتي .. وبدأت حياتي في البيت الخامس مع أسرتي الجديدة خالتي وزوجها وأبنائهما .. فأمضيت فترة الدراسة الثانوية بينهم وكبرنا معا لا أحس بأي فارق بيني وبين أبناء خالتي وخاصة ابنتها التي تربيت معها وزاملتها في المدرسة .. ونسيت في كثير من الأحيان أنها ليست أختي وإنما ابنة خالتي, ومضت مرحلة الدراسة الثانوية وأنا فى بيت خالتي الأخرى في هدوء ولا أكلف بشئ سوى بالاستذكار والاجتهاد في الدراسة ولا تطالبني خالتي وزوجها إلا بما يطالبان به أبناءهما من مراعاة الله فى تصرفاتي والتزام الفضيلة والأخلاق الحميدة , حتى استقر في قلبي حبهما وتهيبهما هيبة الحب والاحترام مع أنهما لم يشتدا مرة واحدة في معاملتي ولم يوجها لي مرة كلمة قاسية .. كما حملت دائما نفس العاطفة لخالتي التي عشت مرحلة الدراسة الاعدادية في بيتها .
ولقد وفقني الله في دراستي الثانوية وحصلت على شهادتها بمجموع أهلني للالتحاق بالجامعة .. ولم يتخل عني التوفيق في كل سنوات دراستي الجامعية فأنهيتها بتفوق والحمد لله.
وها أنذا يا سيدي استعد لحفل زفافي إلى الإنسان الطيب كريم الخلق الذي اختاره لي الله وهداني إليه .. وقد أصبح أخي الأصغر يعمل الآن بعد أن حصل على دبلوم احدى المدارس برغبته واختياره .. وحصلت أختي الصغرى على الشهادة الاعدادية هذا العام وبدأت دراستها الثانوية .. وقد وفقنا الله تعالى فى كل خطوات حياتنا بفضل خالتي اللتين وقفتا إلى جوارنا بعد رحيل أمنا وجدتنا .. ومازالت الحياة تمضي بنا .. ولو عدت بذاكرتي إلى يوم وفاة أمي وأنا في الثانية عشرة من عمرى وسألت نفسي .. ماذا ستصنع بك وبأخوتك الحياة وأنتم بلا أب ولا أم لعجزت عن الاجابة ولوقفت حائرة، لكن الله لا يتخلى عن عباده الضعفاء , وقد أردت برواية قصتي لك أن يعرف من وجدوا أنفسهم في مثل ظروفنا أن الله يهيئ للحائرين من يأخذ بأيديهم إلى شاطئ الأمان .. فليثقوا فى ذلك ولينتظروا رحمة ربهم .. والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته .
ولــكــاتـبة هــذه الـرسـالـة أقــول:
إن الإنسان إذا فكر طويلا في وحشة الطريق الذي ينبغي عليه أن يقطعه , وطول السفر الذي لا مفر منه لبلوغ الغاية .. وقلة زاده واستعداده لهذه الرحلة الشاقة , لما خطا خطوة واحدة على بداية الطريق ولاستسلم لليأس والقنوط .. لكن من يثقون معك بربهم .. ويؤمنون بأنه لا يتخلى عن عبادة الضعفاء وإنما يهيئ لهم دائما من يستودع قلوبهم الرحمة بهم واستشعار المسئولية عنهم فإن هؤلاء لا يستسلمون للجزع عندما تلم بهم الملمات .. ولا يستهولون الطريق الطويل الذى سيقطعونه قبل أن يصلوا إلى بر الأمان .. وإنما يؤدون واجبهم ويفعلون ما ينبغي أن يفعلوه .. ثم " يذهبون للنوم واثقين من أن الله لا ينام " على حد التعبير الجميل للأديب الفرنسي العظيم فيكتور هوجو.
وهكذا تمضي الحياة بك وبأمثالك من الضعفاء ومن امتحنتهم الأقدار بفقد الأبوين في الصغر فيشبون كما شب اليتيم العظيم الرسول الكريم فى رعاية الرحماء من الأهل ويعتبرهم هؤلاء أمانة يسألون عنها أمام رب العرش العظيم .. فيكبر الوليد الذي بكت الأم يوم مولده فزعا عليه مما ينتظره من عناء الدنيا بعد أن سبق رحيل أبيه مقدمة للحياة .. وتتزوج الفتاة التي بكى الأهل اشفاقا عليها قسوة ما تخبئه لها الأيام حين فقدت أبويها وهي طفلة صغيرة .. ونكتشف مرة أخرى أنه ما أسرع ما تجري أمور الحياة وما أكثر الخير في القلوب .. لولا خوفنا المرضي من المستقبل .. ولولا مغالاتنا في التحسب منه .. واضعين فى اعتبارنا كل الاحتمالات وناسين في بعض الأحيان أهم هذه الاعتبارات وهو أن عين الله لا تنام !
وشكرا لك يا أنستي على رسالتك الجميلة وشكرا لخالتيك العظيمتين ولاسرتيهما وتهنئة لك من أعماق القلب .. والسلام.
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" سبتمبر
1991
كتابة النص من مصدره / بسنت
محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر