الكلمة الرقيقة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991
قبل تخرجي من كلية الطب تعرفت بشاب وسيم الشكل خفيف الظل يعمل مدرسا بسيطا ومن أسرة بسيطة .. وكان أول ما لفتني إليه هو تهافت الفتيات عليه لخفة دمه التي يسيطر بها على أي جلسة يوجد فيها .. فأحببته وأحبني وأسعدني أنه اختارني من بين باقي الفتيات وتقدم لأبي الطبيب الكبير والأستاذ بكلية الطب يطلب يدي فواجهت المشكلة الكبرى في حياتي فقد رفضه أبي ورفضته كل أسرتي بإصرار وحاولت اقناع أبي بقبوله فاشتد غضبه مني .. وحاول أن يقنعني بلا جدوى بأن الفارق كبير بين مستوى أسرته وأسرتي وبأنني لن أسعد معه لهذا السبب .. وكرر محاولته معي بعد أن قام بعض أهلي بتحرياتهم عنه وجاءت كما قالوا لغير صالحه .. فعاد يؤكد لي من جديد أنه طامع في ويرغب في أن يرفع من مستواه الاجتماعي على حسابنا .. لكني سددت أذني عن كل نداء إلا نداء الحب وقلت لأبي أني لا أريد من دنياي إلا أن أتزوج منه ولا أريد مالا ولا ميراثا عنه إذا كان يتصور حقا أن ذلك هو دافع هذا الشاب للارتباط بي .. وأكدت له أنه لا يريد شيئا من ذلك ويرغب في حتى بدون جهاز.
وبعد جهاد طويل ومفاوضات مريرة غضب مني خلالها كل إخوتي وأفراد أسرتي قبل أبي مرغما الموافقة على زواجي منه بعد أن هددته بأنه إذا لم يقبله فسوف أهرب إليه وأتزوجه رغما عن ارادته أو انتحر .
وتزوجت من الشاب الذي أحببته ولم يفرح بزواجي من أسرتي أحد سواي وانتقلت إلى بيت زوجي ونسيت أهلي وأسرتي وإخوتي جميعا وغرقت فى بحر الحب مع زوجي , وكنت من المتفوقات في دراستي وحين انتهيت من سنة الامتياز بعد العام الأول من زواجي طلب مني زوجي أن أرفض التعيين كطبيبة لأتفرغ لبيتي وتربية طفلي الذي جاء للحياة قبل شهور, وبدافع الحب له والحرص على مصلحة طفلي رفضت العمل ثم أردت أن أدرس للحصول على دبلوم فى طب الأطفال لاستعين به على مستقبلي فكان زوجي يجد دائما عذرا مناسبا لكي أؤجل التقدم له, فلم أتقدم له حتى الآن .. ومضت 6سنوات بعد زواجي شغلت خلالها عن أهلي وأبوي تماما بحياتي الخاصة ثم رحل أبي عن الدنيا .. وتبعته أمي بعده ببضعة شهور, وقال لي كثيرون أنهما ماتا وهما تعيسان من أجلي بعد أن خيبت آمالهما ولم أحقق لنفسي المستوى التعليمي الذي كانا يطلبانه لي والذي كنت سأحققه لو لم أخرج على ارادتهما وارضى بتلك الحياة البسيطة التي عشتها كربة بيت كأنها لم تتعلم الطب ولم تمارسه .
ومع أني سعدت بزواجي إلا أن حياتي لم تخل من المكدرات المألوفة في كل حياة كاختفاء خفة الظل التي جذبتني إلى زوجي مثلا بعد فترة من الزواج واقتصارها على حياته خارج البيت فقط أما في البيت فهو دائما متعب من الدروس أو متاعب الحياة المادية وإحساسي بأني لم أحقق لنفسى ما كنت أريده من نجاح مهني أو ما يحدث كلما وجدت عملا كطبيبة في مستوصف قريب يرفض زوجي لكي أتفرغ له ولطفلي, وأجد نفسي مضطرة للرضوخ .. ومع ذلك فلقد كانت الحياة تمضي بنا لكن ما حدث بعد وفاة أبي منذ 4 سنوات كان شيئا مختلفا .. فلقد حرمني أبي فعلا من ميراثه, كما طلبت منه خلال محاولاتي إقناعه بقبول زواجي وما أن تبين ذلك عقب رحيله وعلم به زوجي حتى جن جنونه وتساءل في ذهول كيف يحق لهم أن يحرموا ابني منه ثم بدأت أسرته التي كنت اعتبرها أفضل من أسرتي تكثر من ترديد التعليقات الماسة بكرامتي من نوع أنني أنا التي طاردت زوجي لكي أتزوجه , وأنه لو كان قد تزوج من فتاة عادية لكان في حال أفضل الآن.. فأنا من أسرة كبيرة فعلا .. لكن ما قيمة ذلك وأنا عروس بلا جهاز ولا مال ولا ميراث!
وأنا أسمع هذه التعليقات وأتألم وأشكو لزوجي فيؤمن على هذه الأقوال ويصارحني لأول مرة بأنه كان يتوقع أن ينسى أبي كل شئ بعد الزواج وأن يعامله كواحد من أبنائه ويدعونا للإقامة في البيت الكبير فنتنقل بين البيتين وننعم بقربهم وعزهم لكن أبي ظل كما قال قاسي القلب حتى رحل عن الحياة ثم حرمني من الميراث بعد موته .. فلم أملك نفسي من البكاء حين سمعت ذلك .. وتذكرت أن أبي قد رفض بعد زواجي أن نعيش معه قائلا لي إنني قد بعتهم جميعا من أجل عواطفي.
لقد تزايد سوء التفاهم بيننا بسبب هذا الأمر ومنذ وفاة أبي منذ 4 سنوات ونحن فى خلافات مستمرة وتهديدات بالطلاق لأنه يريد لي نصيبي من الميراث الذي رفض إخوتي أن يعطوني منه وقالوا ردا على محاولتي أنهم قد نسوا أن لهم أختا منذ سنوات طويلة بعد أن نسيتهم فلم تتذكرهم الآن؟ .. فماذا أفعل وأين أذهب إذا طلقني زوجي وأنا لا أعمل وقد نسيت الطب ولم أعد أصلح للمارسة .. وهل من الممكن أن توجه كلمة رقيقة لإخوتي تناشد بها قلوبهم أن ترق لأختهم ولابنها وأن يقبلوا اعتذارها عما سببته لهم من آلام فضلا عن اعتذاري لأبي وأمي اللذين لم أعرف لهما قيمتها الحقيقية الا بعد أن غابا عني .. هل تناشدهم حقا يا سيدي قبل أن تتحطم حياتي الزوجية وأضيع في الزحام ؟
ولــكــاتــبة هــذه الـرســالــة أقــول:
طوبى للدنيا لو كانت مشاكلها المادية العويصة يمكن أن تحل بكلمة رقيقة من أحد مهما كانت بلاغته !
ومع ذلك فإني أقول لك إن حرمان الأب لبعض أبنائه من ميراثه إثم كبير لأن المواريث نظام قرره الله سبحانه وتعالى بحكمته وعدله وعلمه فمن خالفه فلقد "اتهم ربه" فى كل ذلك على حد تعبير فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي.
لهذا فقد قضى ربك على الأب أن يسوي بين أبنائه في العطية وحرم عليه أن يؤثر بعضهم بمنحة أو بعطاء بغير مسوغ أو حاجة فيوقع بينهم البغضاء بدلا من المودة والتراحم .. وقد سوى في ذلك بين الأب والأم وطالبهما معا رسوله الكريم بأن يعدلا بين الأبناء "ولو بالقبل" واعتبر تمييز أحد الأبناء بشئ يناله دون إخوته بلا مبرر جورا رفض أن يشهد عليه أو يقره في قصة معروفة حول ذلك في كتب الحديث.
لكنه أيضا وبنفس القدر من الحرص على عدل الآباء والأمهات مع الأبناء فلقد حرص على أن يطالبنا ببر الأبوين وطاعتهما وتجنب مخالفتهما أو ايلامها واعتبر عقوقهما من أكبر الكبائر التي يعجل الله لمرتكبه بالعقاب عنه في الحياة .. مع ما يدخره له منه في الآخرة.
وبعض الفضلاء الذين يحرم أبوهم أحد إخوتهم من ميراثه لغضبه عليه في حياته يتواصون بعد رحيل الأب على أن يتنازلوا لشقيقهم المحروم بما يعادل نصيبه الشرعي عن أبيه لو لم يحرمه ليس فقط رعاية لحق الاخوة وطلبا لرضاء النفوس وتجنبا للغيرة أو العداوة بل ورعاية لحق الأب نفسه بتصحيح خطأ انفعالي انقاد إليه في ذروة غضبه على ابنه وربما لو امتد به العمر لرجع عنه راجين بذلك أن يغفر الله لأبيهم ما أوقعه فيه الغضب الشديد من إثم وإبراء لذمتهم من أية شبهة ظلم أو حرام تعلق بما ورثوه من مال .
هكذا يفعل بعض الفضلاء .. فإن أراد اخوتك أن يسيروا على دربهم فليفعلوا مشكورين ومأجورين وبغض النظر عن موقفهم من زواجك .. وإن لم يريدوا فلا أحد يستطيع أن يجبرهم على الفصل إن لم يشاءوه لأنفسهم وسواء فعلوا أم لم يفعلوا فلا ينبغي أن يقلل ذلك من حرصك على أن تكفري عن جريمتك في حقهم بمقاطعتهم والانصراف عنهم إلى زوجك.
أما أبواك فلم يعد يجدي الاعتذار لهما الآن عما سببته لهما من آلام بابتعادك عنهما حتى ماتا حسيرين بتقصيرك في محاولة استرضائهما وطلب العفو منهما .
ولو كنت قد فعلت واصررت عليه ببعض الاصرار الذي جاهدت به لاتمام زواجك على غير ارادتهما .. لما استطاعا أن يقاوما عاطفتهما نحوك ولشفيت جراحهما بعد عام أو عامين أو ثلاثة من زواجك ومن اصرارك على مواصلة استرضائهما .. ولما احتجت لأن يغيبا عن الحياة حتى تعرفي لهما فضلهما كعادتنا نحن البشر حين لا نعرف دائما قيمة الأشياء إلا بعد أن تتسرب إلى العدم من بين أيدينا .
فاطلبي العفو من ربك وأكثري الدعاء لهما .. واحرصي على مودة اخوتك سواء فعلوا ما تحلمين به أم رفضوا .. ففي ذلك بعض العزاء .. وبعض القربى التي قد تقربك من العفو والمغفرة
أما عن خلافاتك مع زوجك بعد رحيل أبيك وحرمانك من ميراثه .. فهي أسوأ نهاية يمكن أن يتخيلها العقل لقصة جمع فيها الحب بين اثنين في وجه العواصف والصعاب والتحديات .. فأرجو ألا تكون بهذا القدر من الجدية التي تصورينها به فى رسالتك .. وأغلب ظني أنها ليست كذلك .. وإنما هو الأمل الذي يراود النفس البشرية غالبا في أن تنال من الحياة كل ما تريد.
وأنت على أية حال قد اخترت حياتك بإرادتك وتعلمين جيدا أن لكل اختيار تبعاته بل وتماديت في قبولك لها باعلانك أنك لا تنتظرين ميراثا عن أبيك .. وكان زوجك يعرف كل ذلك ويقبل به .. وقد تزوجك بلا أثاث تأكيدا لتعففه عن الطمع في مالك فماذا جد حتى تتوارى هذه الشهامة والترفع عن الماديات ليصبح الميراث هو الفيصل في استمرار الزواج أو انهياره كما تصورين الأمر في رسالتك .. ولماذا لم يصمد هذا التعفف حتى النهاية .. وفي وجه متاعب الحياة العادية كما صمد ضد إرادة الأهل ؟
على أية حال فلا مفر أمامك من مواصلة حياتك بغض النظر عن موقف الإخوة ولا مفر من أن تتحملي تبعات اختيارك والا اصبحت سنواتك العشر الماضية عبثا بلا طائل .
ولا مفر أيضا من أن تتحملي بعض ما تكرهين من إيماءات أو تعليقات عابرة قد تفلت من اللسان حين تضيق النفس ولا تعني أكثر من التشكي من صعوبات الحياة التي يشكو منها الجميع .
ولا بأس بأن تستعيني على ظروفك باستنهاض ارادتك القديمة واقناع زوجك بالسماح لك بالعمل أو مواصلة الدراسة إذا كانت متاحة الآن .. أما السماح لما حدث بأن يدمر حياتك ويشرد طفلك ويقضي على ذلك الحب الذي جمع بينك وبين زوجك ذات يوم وفارقت الأهل والأقارب والطب من أجله فلا أجد ما ينطبق عليه سوى ذلك البيت من الشعر الذى تقول فيه شاعرة أمريكية :
ليس يشقى أيامي أن الحب قد ذهب
وإنما أنه ذهب .. لأتفه الأسباب !
وانهيار الحياة الزوجية والحب بسبب أمر كان متوقعا منك ومن زوجك ورضيتما به منذ البداية حتى ولو كان ظالما .. يعتبر بحق من أتفه الأسباب .. بل ومن أغباها أيضا !
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" يوليو
1991
كتابة النص من مصدره / بسنت
محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر