بعد هدوء العاصفة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1986

 

بعد هدوء العاصفة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1986


بعد هدوء العاصفة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1986

أكتب إليك لأطلب رأيك في المشكلة الشخصية التي أعيشها الآن .. فأنا يا سيدي شاب في الثلاثين من عمري تفتحت عيناي فوجدت أبي وأمي منفصلين ووجدتني مع شقيقتي الوحيدة في الحياة ندفع ثمنا لخطأ لم نرتكبه .. وأمنا تكافح وحدها لتعولنا بعد أن تخلى عنها الأهل والأقرباء .. ورغم مرور السنوات الطويلة فمازلت أذكر صورتنا نحن الثلاثة ونحن ندخل المحكمة ونجلس بين المتقاضين وأمي تبكى أمام القاضي وهي تصف حالها .. ثم تقرر لها المحكمة نفقة قدرها 150 قرشا من مرتب أبي الذي لم أره ولا أعرفه .. كانت سنوات بائسة تجرعناها صغيرين ثم تضاعفت مرارتها حين لم تجد أمي وسيلة لإعالتنا وتعليمنا سوى أن تقبل الزواج ممن تقدم لها .. وكان زوج أمي رجلا محروما من الإنجاب ونحن طفلان نذكره كل لحظه بما حرم فكان صعبا وقاسيا وعنيفا معنا ومع أمنا, واشتعلت الخلافات بين أمي وزوجها وكان وجودنا معها يغذي هذه الخلافات وعند كل خلاف يهددها بطردنا معها .. فننكمش في حجرتنا نرتعد من الخوف من المستقبل ومن الضياع ومن أن نجد أنفسنا فجأة فى الشارع بلا سند ولا معين .. والعجيب يا سيدي أن هذه الخلافات لم تكن تشتد إلا فى أيام الامتحانات .. ومع ذلك فلقد وهبنا الله القدرة على التحمل وعلى التفوق أيضا .. فلم أنجح أبدا بمجموع أقل من 85% فى كل سنوات الدراسة حتى الثانوية العامة .. وكذلك لم تتعثر أختي أبدا في دراستها .. كأننا كنا نستمد من شقائنا طاقة تدفعنا للنجاح والصمود .

 

ومرت سنوات حياتنا بخيرها القليل وآلامها الكثيرة .. وعندما وصلت إلى سن الصبا تغيرت معاملة زوج أمي لي ولأختي وأصبح يحاول أن يجعل مني صديقا له .. والحق أنني رحبت بصداقته .. بل واعترف لك أني أحببته ومازلت حتى الآن لأنه مهما جرى بينه وبين أمي من خلافات فإنه لم يطلقها ولم يشردنا معها .. وإنما اعتبر نفسه مسئولا عنا وعن مستقبلنا .. وأصبح يفسر لي قسوته وشدته علينا فى البداية بأنه رجل جاد ويجب أن ينشئنا تنشئه جادة لكي نستطيع أن نواجه الحياة .

وفى هذا الوقت كنت قد حصلت على الثانوية العامة بمجموع كبير وأتيح لي الالتحاق بكلية الطب .. فترددت أمامها لتكلفتها الباهظة ثم استجمعت عزيمتي والتحقت بها ووقفت أمي بجانبي وأصرت على أن أكمل تعليمي العالي وكان سندها الوحيد في ذلك هو مصروف بيتها اليومي الذي كانت تقتطع منه القروش لتعطينا أجر المواصلات .. أما زوج أمي فلم يبخل للحق بثمن الكتب وبالرسوم وخلافه واعتبرت ذلك فضلا كبيرا له فى عنقي وعدا ذلك لم أسأل أحدا أي عون في أشد أيام الاحتياج .. وكثيرا ما مشيت على قدمي من مسكني في أقصى أحياء مدينة الإسكندرية .. إلى كلية الطب وعدت أيضا سيرا على الأقدام تحت المطر وفى شدة البرد لأن أمي لم تستطع أن تعطينا أجر الترام .

وهكذا مضت حياتنا إلى أن أنهت أختي تعليمها وعملت فعرفت حياتنا لأول مرة بعض نسائم الراحة .. ثم تخرجت أنا وعملت طبيبا وأفرغت طاقتي الهائلة في العمل حتى تفوقت فيه بشهادة رؤسائي وزملائي .. وسعدت أمي بذلك سعادة لا توصف .. أما زوج أمي فلقد رأيت الفخر فى عينيه والرضا كأنه هو الذي تخرج طبيبا .. ورأيته يقدمني للجيران بفخر واعتزاز "ابني" الدكتور فلان .

وصدقني يا سيدي أني حين سمعت هذه العبارة منه لأول مرة دمعت عيناي فرحا وحزنا في نفس الوقت فرحا بأني قد أصبحت مصدرا لفخر أهلي .. وحزنا لأني تذكرت في هذه اللحظة أن لي أبا حقيقيا فأين هو من حياتي وحياة أختي وأين نحن منه ؟! لقد غاب عن حياتنا كل هذه السنوات الصعبة الطويلة .. ولم يتذكرنا أما النفقة الشهرية بحكم المحكمة التي حصلنا عليها فقد توقفت بعد عامين أو ثلاثة لأنه فصل من عمله للانقطاع عن العمل .. ولعل ذلك وحده يعطيك فكرة عن شخصيته واستهتاره وكيف أنه يعيش ليومه بلا أدنى تقدير للمسئولية .

المهم أنني أقبلت على عملي بهمة ونشاط وسافرت إلى إحدى دول الخليج وتزوجت زوجة وفية أحبها وتحبني ثم عدت إلى وطني ومدينتي واستأجرت شقة مناسبة وأصبحت لي عيادة تدر علي دخلا طيبا وكانت أختي قد تزوجت هي أيضا وأصبح لها بيتا.

وهنا فقط تذكر أبي الغائب أن له ابنا وبنتا فعاد للظهور فجأة في حياتنا .. أو لو أردت الدقة ظهر لأول مرة في حياتنا .. وبدأ يزورني في مسكني ويزور أختي في مسكنها وكان قد تزوج وأنجب 5 بنات صغيرات ! وكنت قبل ذلك أزوره بين حين وآخر خاصة بعد أن تخرجت لأني اتقي الله في أبوته .. بل وكنت أساعده ماديا حسب قدرتي في ذلك الوقت رغم ماضيه معنا لأنني أخشى الله وأقدر الأبوة كعلاقة لها قدسيتها رغم كل شئ.

 

ولا بأس بكل ذلك لولا ما حدث فجأة منذ أسابيع .. فلقد كانت أمي العظيمة وزوجها يزوراني في بيتي حين فوجئنا بأبي يدخل إلى البيت قادما لزيارتي يسوق أمامه زوجته وبناته الخمس الصغيرات واللاتي أنجبهن رغم نصيحتي له بتنظيم النسل !

 

ولك أن تتخيل ما حدث يومها فلقد كادت أمي تتمزق حنقا وغيظا حين رأت أبى آتيا لا لزيارتي وإنما لأنه لم يطق انتظار المساعدة المادية فجاء يطلبها ولك أن تتخيل ضيق زوج أمي وهو يراه يتصرف كأنه والد صاحب البيت فى حين أنه لم يره ولم ينفق عليه ولم يتحمل مسئوليته منذ كان عمره بضعة شهور.

لقد انتهت الزيارة في النهاية لكن رد فعلها كان عنيفا من جانب أمي وزوج أمي فلقد وضعاني أمام اختيار صعب حين اقسما ألا يدخلا بيتي مرة أخرى إلا إذا منعت أبي من زيارتي وقالا لي أن أبي لا يرغب فقط فى المساعدة مني وإنما يمهد لأن يحملني مسئولية أسرته الكبيرة التي كونها رغم نصائحي وقالا لي أنه لم يجيئني إلا بعد أن هدأت عاصفة الشقاء فى حياتنا ووصلت السفينة الصغيرة إلى شاطئ الأمان وعلا البناء وارتفعت قامة الشجرة فكيف يحصد ما لم يزرعه .. وكيف يقطف ثمرات عرق وجهد غيره بلا عناء ؟

والحق أني وجدت لهما بعض الحق فيما قالاه .. وتأثرت بغضب أمي وزوج أمي .. فوجدت نفسي أصارح أبي بذلك .. وبأني لا أتصور أن تنقطع أمي عن زيارتي أنا وأختي بعد أن أفنت عمرها من أجلنا .. لكني شعرت بعد ذلك بالألم لأني قسوت على أبي وأصبح علي أن أختار بين إرضاء أمي وزوجها وبين إرضاء ربي الذي يأمرني بالرحمة بالوالدين في كل الظروف .. فما هو رأيك .. وبم تنصحني ؟

 

ولــكــاتب هذه الرسالة أقــول :

 

إن حيرتك بين رغبة أمك فى منع أبيك من زيارتك وبين رغبتك النبيلة فى صلة أبيك ارضاء لضميرك هى خير دليل على سلامة وجدانك ونقاء سريرتك رغم التجارب الأليمة التي عشتها في طفولتك وخير التجارب يا صديقي مالا يلوث قلب الانسان بالحقد حتى على من أذوه ..وخيرها ما يخلق لدى الانسان الرغبة فى مساعدة الآخرين لكي يجنبهم مرارة الحرمان الذي ذاقه وعاناه فى بداية حياته.

إنني اعترف لك بأنني لا أكن أي احترام لهذا الشخص الذي يزورك الآن دافعا أمامه بنات صغيرات طالبا منك مساعدتك المادية واعترف لك أيضا إنني لو خيرت بين مثل هذا الأب "الاسمي" وبين هذا الرجل "الصعب" الذى قسا عليك في طفولتك ثم حاول كسب صداقتك في صباك , لأعطيت صوتي بلا تردد لهذا الرجل الصعب ورأيت فيه صورة الأب بأكثر مما أراها فى هذا الرجل الآخر الذى اختفى من حياتك خمسا وعشرين سنة ثم ظهر فجأة ليطالب بنصيبه فى ثمرة عناء الآخرين وشقائهم .

إن الاب يا صديقي ليس هو من ينجب ثم ينصرف عن أبنائه نهائيا تاركا أياهم للأقدار أو لرعاية غيره بلا أدنى احساس بالمسئولية عنهم وإنما الأب هو من يرعى ويعلم ويربي ويرشد ويشقى من أجل توفير الحياة الكريمة لأبنائه  ومن أجل تنشئتهم وتربيتهم التربية السليمة هذا هو الأب بمفهوم الأبوة الصحيح ولذلك فإن لهذا الرجل "الصعب" فيك أضعاف اضعاف ما لهذا الرجل اللاهي الذي تحمل اسمه بالصدفة ومن حقه فعلا أن يقدمك للآخرين مفتخرا ومعتزا بأنك "ابنه" الدكتور فلان لأنك ابنه فعلا مهما كانت قسوته عليك في طفولتك فلا شك أن من يقسو عليك لصالحك أفضل كثيرا ممن يتركك للأقدار بلا شراع .. وبلا معين ومع كل ذلك فإني لا أدعوك أبدا إلى مقاطعة أبيك الاسمى ولا إلى الامتناع عن مساعدته وإنما أدعوك بصراحة ألا تضحي برضا أمك من أجله مهما كانت الظروف والأسباب وألا تضعهما في كفتي ميزان تتردد بينهما .. لأنه لا وجه للمقارنه بين رصيد أمك وفضلها عليك وبين رصيد هذا الرجل لديك .. وأنت تستطيع بسهولة أن تلفت نظره إلى أنه من المحرج لأمك وزوجها أن يلتقيا معه فى بيتك وأنك تفضل أن تزوره أنت في بيته أو أن تستقبله فى العيادة فى مواعيد محددة "رعاية لعلاقة الأبوة التى ينبغى احترامها رغم كل شئ" ولن يحس فيما أظن بألم شديد لذلك ,لأني أتصور أن دوافعه إلى زيارتك وصلتك دوافع مادية إلى حد كبير .. فإذا ما واصلت مساعدته فلن يختلف الأمر كثيرا .. وفى هذه النقطة بالذات فإني أدعوك إلى استمرار مساعدته ليس فقط وفاء لصلة الرحم وعلاقة الأبوة مهما كانت الظروف وإنما أيضا من أجل اخواتك الصغيرات .. لأنهن مسئوليتك يا صديقي شئت ذلك أم أبيت وبالرغم من أنك لا ذنب لك في "نزوات" هذا الأب العابث ولا فى عدم احترامه لقواعد تنظيم النسل .. لكن ماذا تفعل يا صديقي وبعض الآباء لا يكتفون فقط بتجاهل مسئولياتهم تجاه الأبناء وإنما يحملونهم أيضا مسئوليتهم هم أنفسهم ويطلبون منهم دفع ثمن "قرارات" لم يتخذوها ولا دخل لهم بها كقرار هذا الأب الأخرق بالزواج وانجاب 5 بنات ! فتحمل مسئوليتك يا صديقي واستعد لذلك فهذا هو قدرك ولست أظن أن من له مثل ضميرك الديني يتخلى عن أداء واجبه فى حدود طاقته وفي حدود أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ..

ولعلك ترضى عن نفسك وعن كفاحك ونجاحك حين تجد أن الدنيا قد عوضتك عن سنوات الحرمان الطويلة بأن أعطتك ما تستحقه وما يسمح لك باعالة الآخرين من عثراتهم وبمد يدك حتى إلى من قبضها عنك وأنت فى أشد الحاجة للمعاونة ولعلك تتذكر عندها راضيا قول القائل:

وأذكر فضائل صنع الله إذ جعلت عندك لا لك عند الناس حاجات

فإنه لفضل لو تعلمون عظيم أن تكون قادرا على معاونة الآخرين بدلا من أن تكون فى حاجة إلى عونهم .. وأنه لفضل لو تعلمون عظيم أن تكون ناجحا كريما ينسب الآخرون نجاحك إليهم بدلا من أن تكون فاشلا مهملا يتبرأ الآخرون من فشله .. فهكذا الدنيا يا صديقي النجاح فيها له ألف أب .. أما الفشل بكل معانيه المادية والأدبية .. فلقيط يتبرأ منه الجميع فكن من الناجحين الأمناء مع الحياة وأدفع ضريبة النجاح والانسانية راضيا مرضيا وكن دائما هذا الشاب المسئول الذى يستظل به من يحتاجون إليه حتى ولو لم يكن لهم أى فضل فى نجاحه ..فذلك أفضل كثيرا .. ذلك أفضل كثيرا.


                                            نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" أغسطس 1986

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات