الابن الرابع .. رسالة من بريد الجمعة عام 1996
أكتب رسالتى هذه إليك فى اليوم
الأول من أيام شهر رمضان المبارك وقد راودتني فكرة الكتابة إليك لك قبل ذلك مرارا
لكن الجرأة عليها لم تواتيني إلا الآن , وشجعني على ذلك هذه المرة أنني قد فرغت من
صلاة العصر , ووجدت أمامي وقتا طويلا إلى
أن يحين موعد الافطار فرأيت أن أكتب لك وأنا صائم .. عسى أن يعصمني صيامي من
الافتراء على من ظلمني .. أو الإساءة إليه .
وبعد فأنا يا سيدي شاب في
الثامنة والعشرين من عمري .. تفتح وعيي للحياة وأنا طفل صغير فوجدتني أعيش مع أمي وجدتي
في شقة من ثلاث حجرات بعمارة قديمة بها أثاث لا بأس لكنه قديم, ونحيا حياة مستورة
لكن لا ترف ولا رفاهية .. ولأن ظروف الحياة قد تعجل أحيانا بنضج الإنسان قبل
موعده, فلقد أدركت وأنا طفل صغير أن أمي هي عصب هذه الأسرة وعائلها الوحيد من
دخلها كموظفة بإحدى الهيئات العامة وقد أنجبتني أمي من زميل الدراسة الجامعية الذى
أحبته وأحبها وتزوجا عقب التخرج فى ظروف شديدة الصعوبة وفى شقة مفروشة على أمل أن
يحقق نجاحة وتتحسن الأحوال بعض الشئ .. فمضت الأعوام الأولى من زواجهما وهما فى
معاناة قاسية والديون تحاصرهما من كل جانب ومرتب كل منهما لا يكفي أياما من الشهر,
وضاعف مجيئي للحياة من قسوة هذه الظروف عليهما معا, فانهزم الحب وطلبت أمي الطلاق
وأصرت عليه إلى أن نالته وتنازلت لأبي عن كل حقوقها مقابله , ورجعت بي للإقامة في
بيت أمها الذى خلا عليها بعد زواج الأبناء .. ويبدو أن الطلاق قد صدم أبي فى ذلك
الوقت صدمة شديدة وأنه قد شعر بـأن أمي قد تخلت عنه ولم
تصبر على الكفاح معه فأثر عليه ذلك تأثيرا شديدا.. وأورثه فيما يبدو مرارة
شديدة تجاهها..فنفض يده منها ومني وانصرف بكل طاقته إلى العمل التجاري بجوار
وظيفته الحكومية وراح يعمل فى كل شئ وأى شئ ليثبت لها أنها قد خسرت شيئا ثمينا, ولم
تحصل أمي منه على نفقة لي إلا عن طريق المحكمة وعلى أساس مرتبه الضئيل.
وكرست أمي كل اهتمامها وحنانها
وعطفها علىّ, فلم أشعر بغياب أبي عن حياتي كثيرا .. وإن كنت أذكر دعوتي لمقابلته
بضع مرات متباعدة فى طفولتي ثم توقفت هذه الدعوات بعد ذلك ولم أعد أذكره .. ولم
أشعر بحاجتي إليه إلا حين كبرت بعض الشئ وسمعت زملاء المدرسة وكل منهم يتحدث عن
أبيه ويروي عنه ويحكي عما قاله أو نصحه به , أو أهداه إليه فى عيد ميلاده ..إلخ ..
فدفعني ذلك للتجرؤ على أن أسأل أمي ذات يوم وأنا صبي في العاشرة من عمري عن أبي :
أهو على قيد الحياة أم انتقل إلى رحمة الله .. وأذكر أن أمي قد انزعجت لهذا السؤال
بشدة وبكت وسألتني عما يدعوني للسؤال عنه .. وهل ينقصني شئ .. وهل طلبت شيئا ولم
تجبه لي؟.
ولا أذكر بماذا أجبتها وقتها
عما أريده .. ولكني أذكر بالتأكيد أنني لم استطع أن اعتبر لها وقتها عما أريده من
أبي وهو أن يكون أبا لي كآباء غيري من الأطفال يحبهم وينصحهم ويزجرهم إذا أخطأوا ..
إلخ.
ولم أرجع للسؤال عنه لفترة لما
لاحظته من أثر سيئ لذلك على أمي, واكتفيت بها وبحبها الطاغي لي وحنانها وقدرت لها
كفاحها من أجل توفير متطلبات حياتي, لكن السؤال عاد يلح علي مرة أخرى وأنا فى
الخامسة عشرة من عمري, وكانت له هذه المرة مناسبة لا ذنب لي فيها, فلقد كنت أتصفح
جريدة الصباح ذات يوم فى الاجازة الصيفية فإذا بعيني تقع على إعلان صغير عن منتج
جديد ينزل الأسواق , ولاحظت أن اسم صاحب هذا المنتج يتطابق مع بقية اسمي، فقاومت ترددي
وسألت أمي أمام جدتي عن صاحب هذا الاسم .. هل هو أبي أم أنها مجرد مصادفة فتبادلت أمي
وجدتي النظرات الحذرة وهمت أمي بالكلام, فأشارت إليها جدتي بالسكوت وقالت لها أنه
لا جدوى من إخفاء حقيقة سوف يعرفها من مصدر آخر, ثم صارحتني بأن صاحب هذا المنتج
هو أبي فعلا, وأن ظروفه المادية قد تغيرت إلى النقيض خلال السنوات العشر الماضية
التى لم يرني خلالها فرسخت قدمه فى التجارة واستقال من وظيفته الحكومية .. وتزوج
وأنجب ثلاثة أبناء ذكورا .. وبدأ يجني ثمار نجاحه المادي لكنه مازال ينكر مصادر
دخله ولا يلتزم إلا بالمبلغ الصغير الذى قررته المحكمة منذ 12 عاما كنفقة لي, وأن
كل جهود خالي معه قد فشلت لزيادته بعد أن تحسنت أحواله وأصبح صاحب عمل خاص مما
اضطر أمي لأن تقيم ضده دعوى أخرى لزيادة النفقة اعتمادا على تغير أحواله, وخسرتها
لأنه قدم إلى المحكمة ما يثبت أن العمل التجاري الذي يديره إنما تملكه زوجته رسميا
ولا دخل له منه سوى مرتبه, ومع أن الظروف قد تغيرت وبعد أن كانت أسرة أمي هي
الأرقى اجتماعيا أصبح أبي هو الأغنى ماديا .. فقد قلت لهما أنني لا أريد منه شيئا ..
وإنما أريد فقط أن يعرفني وأعرفه .. وأن أعرف إخوتي منه, ولاحظت على الفور صدى
كلماتي هذه على أمي فقد انفجرت باكية وسألتني بمرارة .. وماذا عني أنا التي قدمت
لك حياتي كلها ولم أتزوج من أجلك..؟ وماذا قدم لك هو حتى تسعى إليه أو تطلب أن
تعرفه ؟ .. إنه لم يسأل عنك طوال 10 سنوات .. ولم يشعر بالشوق إليك لحظة واحدة ولم
يحس بأن له ابنا على قيد الحياة .. فلماذا؟ .. ثم انخرطت مرة أخرى فى البكاء حتى
شعرت بالندم واحتضنتها وقبلتها وقبلت رأسها ويدها وطلبت منها أن تغفر لي هذه الزلة.
ثم رجعت لمواصلة حياتي مع أمي وجدتي .. متجنبا الإشارة
إلى هذه المنطقة المحرمة في حديثي مع أمي .. ومضت سنوات أخرى حصلت خلالها على
الثانوية العامة والتحقت بالجامعة ولم يغب عن خاطري أبدا أبي الذي يعيش على قيد
الحياة ويعرف بوجودي ولا يطلب رؤيتي أو يشعر بأي رغبة فى ذلك .
ولست فى حاجة لأن أقول لك يا
سيدي أنني مع تقدمي إلى سن الشباب فقد زادت مطالبي المادية واحتياجاتي وأن مرتب أمي
من عملها لم يعد يكفى لتوفير الحياة المريحة لي, فبدأت ومع تكرار ملاحظتي لظهور
الإعلانات الصغيرة عن ذلك المنتج فى الصحف من حين لآخر .. أتخيل ماذا كان يمكن أن
تكون عليه حياتي لو كان أبي مازال زوجا لأمي ونعيش معا فى شقة فاخرة مريحة فأرتدي
أجمل الملابس .. وأذهب إلى أحسن الأندية .. إلى أن تشجعت ذات يوم وأنا طالب بالسنة
الأولى الجامعية واستأذنت أمي في أن أعرف أبي وأتردد عليه من حين لآخر لأني في
حاجة نفسية إليه قبل أى شئ آخر, وفوجئت هذه المرة بعدم معارضتها لذلك بل ووجدت
لديها تفهما لحقي في أن تنشأ بيني وبين أبي هذه العلاقة الإنسانية الضرورية ووافقتني
على رغبتي لكنها طلبت من ناحية أخرى شيئا لم استوعبه جيدا فى لحظته .. وهو ألا
أزعل .. أو أسمح لأي شئ بأن يؤثر على حياتي ودراستي إذا لم أجد لدى أبي ما أريده
وابحث عنه وشكرتها بحرارة وتوجهت إلى المكتب التجاري الذي يديره أبي في حي روكسي بمصر
الجديدة وشعرت بالفخر الذى لا يمكن أن يفهمه أحد سواي حين دخلت بهو العمارة ووقفت
أتطلع إلى اللوحة السوداء الكبيرة المعلقة على حائط الدور الأرضي بين لوحات أخرى, وتحمل اسم المكتب
التجاري وتحته اسم أبي, وتلفت حولي كأني أريد أن يراني أحد معارفي لأقول له أن هذا
هو اسم أبي, وركبت المصعد إلى الدور الثالث ودخلت إلى المكتب وتقدمت من السكرتيرة
وطلبت مقابلة صاحب العمل .. وذكرت لها اسمي فلم أجد له أى صدى لديها .. فاضطررت أن
أصارحها بأنني ابنه ولاحظت نظرة الدهشة فى عينيها .. كأنها لا تصدقني, فأخرجت لها بطاقتي
الشخصية وقدمتها لها .. فنهضت مرتبكة وغابت داخل المكتب ثم رجعت تدعوني للدخول
وخطوت إلى المكتب وقلبي يخفق بشدة فإذا بي أراه جالسا وراء مكتبه ينظر إلي في ترقب
واهتمام .. وبلا أي تعبير من أى نوع على وجهه لا بالفرحة .. ولا بالتأثر ولا
بالدهشة .. ولا حتى بالغضب وإنما جلس يتفرس فى وجهي فقط في صمت .. فقلت له بصوت
مبحوح : صباح الخير يا بابا .. ففوجئت به يقول كأنه يحدث نفسه أو يحاول إقناعها
بما سمع .. بابا ؟
وبهت لرد فعله ولم أعرف ماذا
أفعل .. فظللت واقفا أنظر إليه فى ارتباك وبمشاعر متضاربة إلى أن أشار لي بالجلوس
.. فشعرت كأن دشا من الماء البارد قد انفتح فوق رأسي وطارت كل تخيلاتي السابقة
لهذا اللقاء .. فلا أحضان ولا قبلات ولا دموع ولا لهفة .. ولا سعادة ولا أي شئ .. سوى
صوته الجامد وهو يتساءل كأنما يستغرب الكلمة "بابا" وضاع مني الكلام ولم
أجد ما أقوله وجلست صامتا فإذا به يسألني : ماذا جاء بك ألا يصلك المبلغ الشهري بانتظام
؟
وبغير أن أشعر وجدت نفسي انفجر في
البكاء .. وأقول له أنني لم آت إليه لأي مطلب مادي .. وإنما لأعرفه ويعرفني .. وأشعر
بأن لي أبا ولو على البعد .. وأنه لا ذنب لي في أي شئ قد حدث بينه وبين أمي لكني
فقط في حاجة لأب أفخر به وأتحدث عنه كغيري من الأبناء .. إلخ .. ولمحت بعض التأثر
فى وجهه لأول مرة وللحظات قليلة عاد بعدها إلى الجمود ثم بدأ يتحدث فسألني عن
السنة الدراسية التى بلغتها وعن أحوالي في بيت جدتي .. وحدثني قليلا عن أنه لم
يقصر فى حقي ولم يشأ لي هذه النشأة فى بيت جدتي , ولكن أمي هي التي أصرت على
الطلاق لأنها لم تحتمل معه الفقر وصعوبات البداية وأنه كان يمنع نفسه من رؤيتي
طوال السنوات الماضية حتى لا يضعف تجاهي, لكن أمي من الناحية الأخرى لم تسع لأن
ترسلني إليه في مواعيد دورية ..لأنها أرادت الاستئثار بي دونه, كما أنها لم تحتفظ
معه بعلاقات ودية ونازعته كثيرا فى المحاكم وجرجرته إلى أقسام الشرطة لتنفيذ أحكام
النفقة .. إلخ .. فقاطعته والدموع في عيني بأنني لا أتهمه بشئ ولا أتهم أمي أيضا
بشئ لأنها ضحت من أجلي بالكثير.. وأن كل ما أريده هو أن يسمح لي فقط أن أزوره فى
مكتبه أو فى بيته من حين لآخر لأعرفه أكثر وأعرف إخوتي منه .. فتمتم فاقتضاب قائلا
: إن شاء الله ثم مد يده فى جيبه وأخرج 50 جنيها وأراد أن يعطيها لي فأبيت بإصرار
وتقدمت منه فصافحته مودعا .. ثم جذبته فجأة ناحيتي فضممته وقبلته وانفجرت مرة أخرى
في البكاء فاستجاب لي لحظات وهو يقول لي : طيب ..كفى..كفى.. ثم انتزع نفسه مني
وعاد للجلوس إلى مكتبه دون أن تدمع له عين فأقرأته السلام وخرجت.
لا تشجعني على محاولة أن أعبر لهم
عما أكنه لهم من حب على البعد .. فكأنما قد اكتسبوا من أبي القدرة الهائلة على كبح
المشاعر أو جمودها وقد ذهبت إليهم فاتحا قلبي وذراعي .. فوجدتهم مغلقين على أنفسهم
ولا يحملون لي أية مشاعر من أي نوع فكنت المقبل عليهم المتطلع إليهم برجاء وأمل
وحب وكانوا هم المستقبلين فقط لمشاعري وتوددي دون أية قدرة من جانبهم على
"ارسال" أية استجابة لذلك فكان لمحة العطف الوحيدة التى لمستها فى بيت أبي
خلال هذه الزيارة .. من جانب زوجته التى شعرت فى أعماقي بأنني قد "صعبت"
عليها بعض الشئ وأنا متلهف على أبي وإخوتي وهم لا يبادلونني قطرة واحدة من هذا
التلهف .. وانتهت هذه المقابلة كغيرها من مقابلاتي السابقة مع أبي بلا رفض صريح لي
ولا ترحيب بي.
وتحفظت في الحديث عما جرى مرة
أخرى مع أمي لكنها فهمت كل شئ وتجنبت سؤالي عما يحرجني ويثير أحزاني .. وواصلت حياتي
وارتبطت وأنا فى السنة النهائية من دراستي الجامعية بزميلة لي من أسرة طيبة
وتعاهدنا على الزواج بعد أن أتخرج وأجد عملا مستقرا وتخرجت وبحثت طويلا عن عمل,
وتنقلت بين عدة أعمال مؤقتة ..وكلما أعياني البحث تهمس لي جدتي بأن أذهب لأبي
واطلب منه العمل فى مكتبه كما يعمل اخواى الكبيران.. فأجيبها بمرارة بأنني لا أريد
أن أطلب منه شيئا حتى لا يسد بابه فى وجهي بعد أن فتحته بصعوبة ولست أريد أن أعيش
محروما حتى من وجود أب لي في الحياة إذا كنت قد حرمت من عطفه وخيره .. وواصلت
العمل بالأعمال المؤقتة إلى أن نجحت أمي في إلحاقي بعمل بالهيئة التي تعمل بها منذ
ثلاثين سنة .. وبدأت أواجه مشكلة مطالب الزواج .. وتحت إلحاح جدتي وضغطها علي في حديثي
مع أبي أنني مقبل على خطبة فتاة ولا أريده أن يحرمني من وجوده حين أتقدم لأسرتها
فظهر الضيق على وجهه ولم يرفض ولم يقبل وكررت عليه الطلب بعد ذلك
"بجرأة" أكثر .. فقبل كارها وجاء معي بالفعل إلى والد فتاتي وجاءت أمي وجدتي
وخالي في جلسة قراءة الفاتحة فجلس متجهما لا يرد تحية أحد ولا يستجيب للترحيب به
حتى لفت ذلك نظر أسرة فتاتي بشدة واستاءوا له.
ثم زرت فتاتي بعد يومين من
قراءة الفاتحة فسألني والدها عن سر جفاء أبي وتجهمه على هذا النحو أثناء الخطبة ..
فانفجرت أمامه باكيا كالطفل الصغير ورويت له بأمانة كل شئ عني وعن أبي، وقلت له
بصراحة أنني بلا سند فى الحياة .. ولا نصيب لي من ثروة أبي ولا من تأييده المعنوي,
فإذا كان يقبلني على هذا الوضع زوجا لابنته فلسوف أضعها فى عيوني إلى أن يغمضها
الله سبحانه وتعالى فى موعدي المقدور, وإذا كان يرفضني لهذا السبب فلا لوم عليه
إذا فعل, ولسوف التمس له كل العذر فى رفضه, ففوجئت بالرجل يحتضنني ويقبلني في جبهتي
ويربت على ظهري ويقول لي : بل ..نعم الابن أنت فاعتبر نفسك من الآن ابني الوحيد
وزوجا لابنتي الوحيدة ولسوف يعوضك الله عما حرمت منه كما عوضني"وقد
نشأت"يتيما" مثلك ولم يضيعني الله ولن يضيعك أنت أيضا إن شاء الله.
وإذا بي أجد "الحضن"
الذى بحثت عنه عند أبي لدى هذا الرجل الفاضل الذى لم ينجبني من صلبه, لكن الله قد وضع
فى قلبه من الرحمة ما احتواني به وخفف عني الكثير, وإذا بأبي بعدها يزداد تجهما
وجفاء فيرفض حضور حفل الخطبة البسيط الذى أقيم فى بيت خطيبتي, بعد ذلك بأسابيع فلا
يحضره هو أو أخواتى مع أنني قد دعوتهم إليه وكنت أريد "التشرف" بهم أمام
أصهاري .
ولن تعجب بعد ذلك يا سيدي حين
تعرف أنه لم يعرض مجرد عرض أن يسهم فى تكاليف الشبكة بشئ وأن أمي وحدها هي التى
تكفلت بها, أو أنه ازداد ضيقا بزيارتي له
بعد الخطبة مع أنني لم أطالبه بشئ .. ثم حدث أن أخطأت ذات مرة وحكيت له أن أمي قد
باعت مصوغاتها الذهبية واشترت لي الشبكة فإذا به يثور علي ثورة شديدة ويقول لي أن
هذا هو واجبها مادامت قد أرادت الاستئثار بك دون أبيك وحرمتك من النشأة بين أبوين
طبيعين , ثم أنهى ثورته بما لم أكن لأصدقه لو أن أحدا قد حكاه لي عن أبيه, وهو مطالبتي
صراحة بعدم العودة لزيارته مرة أخرى لا فى المكتب ولا فى البيت ولا فى أى مكان
لأنه لا يريد أن يرى"وجهي" مرة أخرى ولا يطيق رؤيته!
وغادرت مكتبه مذهولا وحزينا .. وصارحت
أمي بما حدث فبكت ودعت ربها أن ينصفني من أبي .. وعشت بعد هذه المقابلة العاصفة أياما
عديدة شبه ضائع وصارحت فتاتي بكل شئ .. فأجابتني بأنها قد ارتبطت بي وهي لا تعرف
عني إلا أنني شاب مكافح لا مال لي, ولهذا فلن يغير ما حدث شيئا بيننا سوى أنه سوف
يطيل فقط رحلة استعدادنا للزواج بإمكانياتنا المحدودة وأيدها فى ذلك "أبي"
الذي لم ينجبني من صلبه أي والد فتاتي.
وطلب مني الاعتماد على نفسي
واعدا بالمساعدة بكل ما يملك, وبالفعل فقد تعلمت الكمبيوتر وعملت عملا آخر بعد
الظهر, ودخلت بمرتبي منه "جمعيات" متتالية لادخار مقدم الشقة ودخلت أمي
بمعظم مرتبها "جمعيات" أخرى, وباعت ما بقي لها من مصاغ , وبعد ثلاث
سنوات عصيبة من الكفاح المرير والتقشف الشديد نجحنا بفضل الله وبمساعدة صهري
المادية أيضا فى توفير مقدم شقة متواضعة بأحد الأحياء الشعبية وفشلت بالطبع خلال
هذه السنوات كل المحاولات "السرية" التي بذلها صهري بغير علمي مع أبي لكي
يساعدني بشئ من ماله.
فصعقت حين سمعت ذلك وكدت أن أذكره بأن له ابنا "رابعا"
لكنه منبوذ ومحروم من عطفه وحنانه .. ثم ابتلعت الاهانة صامتا كما ابتلعت الكثير
غيرها خلال ترددي عليه.
والآن تسألني يا سيدي لماذا
اكتب لك.. وماذا أريد منك.. وهل سوف أناشدك أن تكتب لأبي كلمة ترجوه فيها أن يعدل
بيني وبين إخوتي وان يعيد علاقته بى ويساعدني في الزواج الوشيك الذى أجاهد أنا
وأمي وفتاتي ووالدها الكريم فى اتمامه الآن بإمكانياتنا المحدودة فى حين يرفل
اخوتى فى الثراء ولكل من الأخوين الكبيرين سيارة فارهة ولكل واحد من الثلاثة شقة
تمليك مشتراة بإسمه فى أحسن الأحياء منذ سنوات .. فضلا عن أنه كما علمت من ثقة قد
كتب كل أملاكه وثروته بأسماء أبنائه الثلاثة وأمهم.
نعم قد تسألنى هل سأرجوك فى ذلك
أم فى شئ آخر.. وأقول لك يا سيدي أنني لا أكتب لك بهذا الغرض، وإنما لأني وجدت
نفسى فجأة وبعد طول صبر ومعاناة صامتة لأحوالي وظروفي أضيق بكل شئ واتخلى عن حلمي
مع أبي فتنتابني فجأة رغبة جامحة فى اشعاره بوجودي في الحياة بطريقة مختلفة ومهما
كانت نتائجها بالنسبة له .. ووجدتني أستسلم لهذه الرغبة الجامحة وأطلب مقابلة واحد
من عملاء أبي الكبار في تجارته فقابلني الرجل على الفور لأني "ابن فلان"
بابا ورحب بي وسألني عن حاجتي فرحت أروي له قصتي الكاملة مع أبي ..وسمعها الرجل
مندهشا وغير مصدق ثم سألني : وماذا تريد مني؟ فأجبته بأنني لا أريد منه شيئا سوى
أن يعرف أنني أكبر أبناء فلان صديقه, وأن له أربعة أبناء ذكورا وليسوا ثلاثة فقط
كما يقول وإذا كان أبناه الكبيران قد فشلا فى دراستهما الجامعية والصغير مازال
بالمرحلة الاعداية فلقد تخرجت أنا فى كليتي متفوقا واعمل بنجاح فى عملين واعيش
حياتي بعرق جبيني وبشرف!
وكررت هذه "العملية"
مع عدد من أصدقاء أبي ومعارفه وأجبتهم جميعا على سؤالهم عن مطلبي منهم بنفس
الاجابة وهي أن"يعرفوا " أنني ابنه مادام هو ينكرني وينكر وجودي في
الحياة ويعتبرني "جريمة" يتستر عليها .. وكلما قمت بزيارة من هذا النوع شعرت بشئ من الارتياح .. وعقدت
العزم على أن أكررها.
إن فتاتي ووالدها يقولان لي أنه
لا جدوى مما أفعله وينصحانني بالكف عنه وأمي وجدتي حزينان من أجلي ولا تملكان لي
شيئا .. وتدعوان لي بالصبر والنجاح فى عملي وتقولان لي أنه لا ينقصك شئ فلماذا تعذب
نفسك بهذه الرغبة المحمومة في أن يفتح لك أبوك صدره؟؟
فما هو رأيك أنت يا سيدي ..هل تنصحني
بالاستمرار في إعلان وجودي لجميع من يعرفهم أبي ويعرفونه وهم كثيرون وعلى مستويات
راقية جدا .. أم استجب لنصيحة أبي الحقيقي الذي يحبونى بعطفه ومساندته واتوقف عن
ذلك ..وماذا تقول أنت لي ولأبي الآخر الذي يجفوني وينكرني ويوصد أبوابه فى وجهي؟
ولــكــاتـب هــذه الـرسـالـة أقــول:
أنت يا صديقي محكوم بأقدار فرضت
عليك وتدفع ثمن مرارات قديمة لم ينجح الزمن فى إزالة رواسبها من بعض النفوس حتى
الآن.
أما "أقدارك " التي
لا خيار لك فيها, فهي أنك قد ولدت لأبوين لم يحتمل أحدهما صعوبات البداية مع شريكه
فانهزم الحب فى قلبه, وهدم المعبد وحرمك من حقك الإنساني في أن تنشأ بين أبوين
طبيعين وتستمتع فيما بعد بثمار كفاح الأب حين بدأ يؤتي ثماره بعد حين.
وأما "المرارات"
القديمة التي أعانت هذه الأقدار عليك فهي تلك المرارات التى ترسبت في أعماق أبيك
تجاه والدتك حين انهزمت سريعا أمام صعوبات البداية.. وتخلت عنه وهو فى أشد الحاجة
إليها فكان انفصالها عنه طعنة غائرة فى القلب والكرامة معا, وتركت الطعنة آثارها
الدامية على نفسه لفترة طويلة.. وربما كانت أحد أسبابه القوية لأن يحاول بكل ما
يملك من طاقة وجهد أن يقهر الظروف التى دفعت والدتك إلى التسليم سريعا بالهزيمة
والاصرار على الانفصال والاستئثار بك دونه فصنع نجاحه من حياته بعد عامين أو ثلاثة
أعوام من انفصاله عن والدتك فتزوج من أخرى, وتوافقت هذه البداية الجديدة مع بشائر
النجاح المادي وقطف أولى الثمار فاعتبر أسرته هذه فاتحة خير جديد فى حياته, وكرس
لها كل وقته واهتمامه وعطائه وأمعن فى محاولة نسيان الصفحة المطوية الحزينة من
حياته .. حتى لم يعد يذكره بها سوى نزاعات المحاكم المؤسفة, وحين استقرت أموره
المادية وانتظم فى دفع النفقة الشهرية بلا عناء استراح إلى اعتبار أن مشكلة هذه
الصفحة المطوية قد انتهت إلى الأبد ولم يعد هناك ما يدعوه للقلق بشأنها أو التفكير
فيها واندمج كلية فى دنياه العائلية والعملية الجديدة وعاش حياة القادرين بكل
مواصفاتها.
ثم ظهرت أنت فجأة فى أفق حياته
بعد عشر سنوات طوال لم يحاول رؤيتك خلالها ولم تسع أيضا والدتك أثناءها لأن تهيئ
لك فرص اللقاء والارتباط نفسيا وعاطفيا به, فلم يستطيع للوهلة الأولى ومع ارتباط
ظهورك لديه بالذكريات المريرة القديمة أن يحدد منك موقفا شعوريا واضحا.. ولم يدر
أهو سعيد بظهورك فى عالمه الجديد كشاب مهذب ومتفوق ينبغي أن يفخر به أم هو منزعج
لفكرة ظهور عبء عائلي جديد كان يظن أنه قد شرع منه وانتهى فإذا به"يطل"
عليه برأسه من جديد منذرا إياه بالمزيد من المطالب المادية الكبرى التى لا تتوقف
عند حد النفقة الشهرية المحدودة.
لقد تجمدت مشاعره تجاهك منذ زمن
طويل يا صديقي .. وأعانه على ذلك طول الفترة وبعد المسافة "والبعد جفاء"
كما تقول الحكمة العربية القديمة والمشاعر الانسانية تحتاج دائما إلى تنبيهها من
حين لآخر بدفء التلاقي وإعادة الشحن العاطفي وتبادل الود والعطف وصنع ذكريات
مشتركة جديدة .
ومشكلة والدك أنه تحكمه فى
علاقته بوالدتك عقدة مستحكمة ينسحب أثرها عليك بالضرورة وبلا ذنب جنيته حتى يحق لك
أن تقول متشكيا سوء حظك ما قاله أحد أبطال رواية "قدر الإنسان" للأديب الفرنسي
اندريه مالرو: إن كل جريرتي هي أنني قد جئت إلى الحياة ولم أمت عقب ولادتي!
وتفاصيل هذه العقدة المستحكمة
أنه يؤمن في أعماقه بأنه ليس من حق والدتك ومهما كانت المبررات والظروف أن تتنسم
بعض نسائم الراحة أو الرفاهية تحت ظلال شجرة كفاحه التي رواها بعرقه وكفاحه ودمه
وحده.. وبعد أن تخلت عنه لفقره فى سنوات البداية.. ولم ترحم ضعفه وهوانه وقتها ولم
تشاركه فى ري هذه الشجرة بدموع صبرها, ثم لم تكتف بذلك بل لاحقته أيضا بمنازعات
القضاء لاستئداء حق ابنها عليه.
ولأنك ترتبط فى عقله ووجدانه
بأمك ولا سبيل لديه للفصل بينكما فلقد قبض يده عنك بعد أن أصبح من أهل الثراء,
لكيلا تترطب حياة والدتك بأي شئ من رذاذ نعمته وماله أو تتخفف من بعض أعبائها تجاهك
ولا غرابة بعد ذلك مع سوء ظنه القديم بها, إن عجز عن تفهم حاجتك النفسية إليه كأب
لا يقتصر دوره فى حياتك على مجرد دفع مبلغ شهري ضئيل .. وبقرون استشعاره التجارية اتهم والدتك في باطنه بأنها قد دفعتك
للعودة للظهور في أفق حياته مع بلوغك سن الشباب لكي تنال نصيبك من ثمار شجرته
الوارفة خاصة أنك قد بلغت مرحلة من العمر تنذر بالمطالب الكبرى التى لا تقدر على
تبعاتها كالشقة وتكاليف الزواج وغير ذلك, لهذا فقد ترددت مشاعره تجاهك فى البداية
بعض الشئ بين الترحيب المتحفظ بك وبين الرفض البواح لك, ثم استقر المؤشر المتذبذب
نهائيا أمام خانة الرفض واعتبارك عبئا ثقيلا لا ينبغي أن يسهم في رفعه عن والدتك مع بداية مشروعك
للزواج .. فصدمك بإعلانه القاطع لك بأنه لا يريد أن يراك مرة أخرى ولا يطيق رؤية
وجهك سامحه الله وغفر له.
وموقف أبيك منك فى كل ذلك موقف
ظالم وخاطئ وضد كل الشرائع السماوية والعدل الإنساني مهما كانت مبرراته أو مراراته
القديمة التي ساقته إليك.
فأيا كان موقف والدتك منه فى
بداية زواجهما.. وأيا كانت مرارة تخليها عنه وخذلانها له حين كان فى أشد الحاجة
إلى مساندتها وصمودها معه.. فإن ذلك لا يغير من حقيقة لا تقبل الجدل هي أنك لا ذنب
لك فيما جرى بينهما ولا جريرة وأنك قبل ذلك وبعده ابنه الذي أنجبه من صلبه مهما
تجاهل ذلك أو حاول نسيانه وأن لك عليه كل حقوق الأبناء الشرعية على آبائهم مهما كرهوا أمهاتهم أو أحبوهن .. فإذا
كان يحجب عنك مساعدته لك فى الزواج لكيلا تتخفف والدتك بعض الشئ من أعبائها .. أو لكي
تضيق أنت بالدنيا فتحزن أمك لحزنك وتستشعر "جريمتها" العظمى فى حق أبيك
"العظيم" التى لم تقدر عظمته حق قدرها فى حمق سنوات الشباب واندفاعها ويشعر
هو بالراحة لكل ذلك فلقد نسي أبوك شيئا جوهريا مهما فى مخططه الانتقامي هذا, هو أن
وسيلته هي ابنه الذي أنجبه من صلبه, وليس ابن تلك السيدة وحدها, فكيف
"يستشفى" الإنسان حين ينتقم من آخر فى "ابنه" هو وليس فى ابن
أحد آخر؟
وهب أن هناك "جريمة" قد
ارتكبت فى حق أبيك ولم تسقط بالتقادم, رغم مرور أكثر من 25 عاما عليها, فأين ذلك
المبدأ القانوني الأساسي الذي يقضي "بشخصية" الجريمة و"شخصية"
للعقاب عليها بمعنى ألا تنسحب آثار الجريمة إلا على مرتكبها ولا ينسحب العقاب إلا
عليه, وهو هنا يسحب آثار العقاب عليك بل ويضعك أنت فى بؤرة المعاناة والألم.. والإحساس
بالنبذ والهوان والحرمان من كل ما يتمتع به اخوتك من أبيك!
وأين منهج الله فيما فعل وكفى
به منهجا يعصم الجميع من ظلم الآخرين وسوء المصير؟ إن الله سبحانه وتعالى يأمر
الآباء على لسان نبيه الكريم صلوات الله وسلامه عليه بأن يساووا بين أبنائهم فى
العطية .. وبأن يعدلوا بينهم ولو فى القبل .. ويحذرهم الرسول الأمين قائلا: اتقوا
الله واعدلوا فى أولادكم.
كما أنه أيضا يحذر الآباء
القادرين ماديا على إعانة ابنائهم على الزواج بأنه إن لم يفعلوا فأصاب أحدهم إثما
فإنما إثمه على أبيه الذى كان يستطيع أن يحصنه بالزواج ونكص عن ذلك بخلا بماله على
ابنه !
فأين كل ذلك فيما فعل والدك .. وأين
المنهج الإلهي الذي لو احتكم إليه الجميع لما شكا أحد ظلما مما فعله أبوك بتقسيم
ثروته بين ابنائه الثلاثة وزوجته مع حرمانك أنت من نصيبك المشروع من ممتلكاته بعد
عمر طويل؟ أين هذا من ذلك الأمر الإلهي الصريح الذي لا يحتمل أي تأويل ولا يقبل أى
احتجاج بمرارات قديمة أو جديدة "يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين".
فماذا أستطيع أن أقول له
سوى: "وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه
منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسبيا" صدق الله العظيم.. وآه لو
ألهمني الخيال أن أعرف ماذا سيقول والدك "العظيم" عن حرمانه لك من نعمته
وجنته وأملاكه وأنت ابن له كأبنائه الآخرين حين يجد كتابه"منشورا" بين
يديه وفيه كل أفعاله وأعماله فلا أي مجال للتراجع او الانكار؟
على أية حال يا صديقي إذا كان
أبوك قد طردك من جنته بلا ذنب جنيته سوى أنك قد جئت إلى الحياة ..كما قال بطل
مالرو فى روايته, فاصنع أنت جنتك الصغيرة بعرقك وكفاحك الشريف فى الحياة وبدفء
المشاعر الذى يجمع بينك وبين فتاتك الأصيلة.. وبالحب والعطاء اللذين تقدمهما لك
والدتك وبالفهم الإنساني والعطاء الأبوي الذي يمنحه لك صهرك الحكيم, لكنك من ناحية
أخرى لن تستطيع أن تصنع هذه الجنة الصغيرة الدافئة بأنفاس الحب والعطف الإنساني
على خير ما يرام وفى أفضل الظروف ومازالت في نفسك لمحة كراهية أو بغضاء أو رغبة فى
الانتقام من أحد حتى ولو كان قد ظلمك.. ولا وأنت تهدر طاقتك النفسية التى ينبغي لك
أن توجهها كلها إلى كفاحك النبيل فى الحياة للزواج وبناء الأسرة فيما لا طائل تحته
مثل الطواف على اصدقاء أبيك ومعارفه ورواية قصتك معه.. فكل ذلك إهدار لجهد إنساني ونفسي
وصحي أنت أحق به من أن تضيعه فيما لا جدوى منه.
والحق أنني لا أنصحك بالكف عن
ذلك حرصا على سمعة أبيك أو مشاعره , ولكن حرصا على سمعتك أنت وعلى صورتك الانسانية
أمام من تلتقي بهم من أن تتحول فى عيون البعض من "ضحية" لأحقاد ومرارات
قديمة إلى "ابن" يسعى للانتقام من أبيه وتشويه صورته لدى معارفه وأصدقائه
فتسئ بذلك إلى أخلاقياتك قبل أن تسئ إلى أبيك الذى لا يضيره ما تقوله عنه فى شئ من
جحود مشاعره الغريب هذا.. كما أن البعض قد ينطوون لك وهم أصلا من أصدقاء أبيك
ومعارفه على شئ من الانكار لتصرفك وعلى شئ من الاتهمام الصامت لك, بأنك أنما تحاول بذلك أن
تشعر أباك عن طريقهم بأنك تستطيع التشهير به لكى يسعى لارضائك ماديا, فيتهمك البعض
ولو فى باطنهم بجحود أبيك ومحاولة ابتزازه .. فلأي هدف إذن تضع نفسك موضع الاتهمام
والشبهات.
ثم ما جدوى أن يعرف أصدقاء أبيك بوجودك على قيد الحياة ولا أحد منهم يملك التأثير عليه أو يقنعه بالاستجابة لنداء الحق والعدل والدين تأثرا بحديثه, فمن يجترئ على حدود الله فى العدل والمساواة بين الأبناء فى العطية وفي كل شئ لا يخضع لتأثير أحد ولا أمل في أن يرجع إلى العدل والحق استجابة لتأثير خارجي اللهم إلا أن ينبعث فجأة ينبوع داخلي في أعماقه يذكره بعقاب السماء..و ينبهه إلى ضرورة إبراء ذمته قبل أن يفوت الأوان فيفعل ما يمليه عليه الحق والعدل فإذا تفجر هذا الينبوع فى داخله ذات يوم فبه نعمت وإذا لم يحدث ففي شبابك وكفاحك وأسرتك الصغيرة التي تبني عشها السعيد الآن ما سوف يعوضك عما فقدت ويجزيك عنه أعظم الجزاء .. والسلام.
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي




برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر