الوسيط .. رسالة من بريد الجمعة عام 1988

 

الوسيط .. رسالة من بريد الجمعة عام 1988

الوسيط .. رسالة من بريد الجمعة عام 1988

 

أكتب إليك لاستعين برأيك فى اتخاذ قراري الذي سيحدد مجرى أيامي القادمة .. فأنا سيدة فوق الأربعين نشأت فى أسرة متواضعة من أب موظف بسيط وأم طيبة و3 بنات أنا كبراهن وفي سن السادسة عشرة تقدم لخطبتي شاب يكبرني بحوالي 18 عاما رفضته فى البداية لكن أبي وأمي رحبا به فوافت عليه تحت ضغط أسرتي وإلحاحها وبدأت حياتي الزوجية معه فى معيشة مشتركة مع أمه وأخته الكبرى فعانيت منهما الكثير ولم أتحمل الحياة طويلا معهما وتم طلاقي وأنا حامل فى شهري السابع.

وبعد شهرين من طلاقي أنجبت ابني في بيت أسرتي وذهب أبي إلى مطلقي ليبلغه بالنبأ السعيد فلم يبال بالأمر ولم تمض شهور حتى تزوج من أخرى وانقطع الاتصال بيننا وبينه.

ومضت الحياة بي فتزوجت شقيقتاي من شابين محترمين ورحل أبي عن الحياة ولحقت به أمي بعد قليل فوجدت نفسي وحيدة في بيت أسرتي مع ابني الذي كان عمره وقتها 14 عاما فتفرغت لرعايته وكلما تقدم لي خاطب وفكرت فى قبوله لاتخلص من وحدتي أو لأوفر لابني سندا في الحياة وهو الوحيد فيها تماما , يعرف مطلقي بالأمر فيرسل طالبا ابنه فارفض الزواج وأتمسك بابني الذي لا أستطيع البعد عنه, ورضيت بذلك فتركزت حياتي في ابني ووفرت له كل ما أستطيع من رعاية وحنان .. وسهرت إلى جانبه وهو يذاكر.. وأحببت كل ما يحبه وكرهت كل ما يكرهه حتى أنهى دراسته وتخرج وعمل فى وظيفة لها هيبتها واحترامها وسعدت بذلك كثيرا.

 

 وخلال هذه المرحلة الطويلة كانت الحياة قد تركت آثارها أيضا على مطلقي فرحلت أمه وشقيقته وزوجته عن الدنيا فى فترات متباعدة وعاش هو وحيدا تماما وقد تأذم به العمر.

 وذات يوم قرر أن ينفذ الشئ الذى تأخر تنفيذه سنوات وسنوات طويلة فذهب إلى مقر عمل ابني وتعرف عليه وتودد إليه.

وعاد ابنى إلى البيت يومها منفعلا وحكى لى مشاعره حين كان جالسا يؤدي عمله وأمامه عدد كبير من الجمهور .. فوجد رجلا فوق الستين محترم المظهر يقترب منه ويتفصحه طويلا .. وينظر إليه نظرات عميقه فهم ابني أن يسأله عما يريد لكن احساسا غامضا يملأ نفسه ويمنعه من أن يسأله عن حاجته أو أن ينهره لأن يقف أمامه ساكتا ويمنعه من قضاء مصالح الناس  الواقفين أمامه بل ويجعله هذا الإحساس ينهض واقفا حين يقترب منه هذا الرجل مادا يده ليصافحه فيصافحه بإحترام ويقدم له مقعدا إلى جواره .. بغير أن يسأله عن حاجته ويجد نفسه عاجزا عن الانشغال عنه بالواقفين أمامه .. فيستدير إليه ليقول له أهلا فيجيب الآخر أهلا بك ثم يقدم له نفسه وعيناه مغروقتان بالدموع قائلا , أنا أبوك الذى لا تعرفه يا بني , فيجد ابني نفسه بغير شعور يرحب به ويطلب له فنجان قهوة وصدره يجيش بأحاسيس غريبة ويقبل عليه يحدثه ويسأله عن أحواله بلهفه حتى يظن من يراهما عن بعد أنهما صديقان قديمان مع أنه لم يره سوى مرات معدودات آخرها منذ 17 عاما لكنه الدم الذى يحن يا سيدي ويجعل الابن"يحس" بأبيه عند اقترابه منه بعد هذه الغيبة الطويلة.


وحكي لي ابني كل ذلك فدهشت لهذه المفاجأة لكني فرحت لفرحته وتذكرت حرمانه الطويل من الأب ومن الأشقاء ومن أشياء كثيرة فبكيت وهو يصف لي مشاعره وانفعالاته.




ولــكــاتـبة هـذه الرسـالة أقــول:

 

يا سيدتي لا عاش فعلا من يخذل هذا الابن العطوف الذى يعرف حدود ربه فلا يصد الأب العائد إليه بعد غيبة طويلة بلا مبرر وإنما يفتح له قلبه عند أول طرقة على بابه ويرحب به ويؤدى إليه حقوقهم بلا مرارة ويشعر بعد حين ليحدثك على استحياء في أمر عودته إليه.

إنه شاب نبيل يا سيدتي ومثله لا يستحق أن تخذليه مهما كانت مخاوفك وتحفظاتك فلقد تسامى فوق أنانيته الطبيعية كابن وحيد قد يفضل أن تكون أمه له وحده وتغاضى عن تباعد أبيه عنه طوال هذه السنوات فرحب به كأنما لم تفرق بينهما الحياة يوما واحدا, وحلم بأن يستشعر دفء الحياة العائلية التى حرم منها بلا ذنب , أما مخاوفك القديمة من تجدد المتاعب مع زوجك السابق فلا مكان لها الآن بسبب بسيط هو أنك سوف تعودين إلى رجل لا علاقة له بهذا الآخر الذى عاشرته لمدة شهور منذ خمسه وعشرين سنة لأن فتره المعاشرة الأولى كانت قصيرة للغاية بحيث لا تصلح حكما نهائيا عليه وعلى معاشرته وطباعه ولأن الإحساس لا يكون هو نفسه بعد عامين أو ثلاثة من العمر وإنما يتخير فيه الكثير فتولد منه أشياء وتموت أشياء ويكتسب معارف جديدة وخبرات جديدة فكيف تحكمين على مستقبل أيامك بتجربة قصيرة لم تستمر سوى شهور منذ أكثر من عشرين سنة.

وكيف تتصورين أنه وهو نفس الرجل بعد هذا العمر الطويل الذى يعلم الأحجار فنون الحياة المختلفة.

 

لقد قال أحد الفلاسفة الإغريق يوما أن كل شئ فى الحياة يتغير إلا قانون التغيير نفسه فأنتم لا تنزلون نهرا بعينه مرتين أبدا لأن النهر يتغير كل لحظة وكذلك الرجل الذى ينزل إليه.

فإذا كانت الحياة فى تغيير مستمر يا سيدتي فلماذا نضيع كل فرصنا للسعادة توجسا من مستقبل يخضع بالضرورة لقانون التغير وأمره بيد الله وحده.

لقد ضحيت بشبابك وزهرة عمرك من أجل ابنك الوحيد فماذا يضيرك لو ضحيت هذه المرة بوحدتك وما أهونها من تضحية من أجل هذا الابن الحنون خاصة وأنها ليست تضحية كاملة وإنما هي أيضا رهان على السعادة يستحق أن تؤديه لكيلا تقصري  في حق ابنك الذى يسعده بغير شك أن تكون له حياة عائلية طبيعية.

وكيلا تقصرى أيضا فى حق نفسك إذ ربما تكون لها نهاية للوحدة والآلام بعد طول المعاناة.

 نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" ابريل عام 1988

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات